ultracheck
قول

معضلة السلاح في غزة بين الأمن الإسرائيلي والحقوق الفلسطينية!

11 يونيو 2026
معضلة السلاح في غزة بين الأمن الإسرائيلي والحقوق الفلسطينية!
نبهان خريشة
نبهان خريشة صحفي وكاتب فلسطيني

منذ بدأت ملامح مفاوضات ما بعد الحرب على غزة تظهر إلى العلن، عاد سؤال قديم ليتصدر المشهد من جديد: ماذا سيحدث لسلاح الفصائل الفلسطينية في غزة؟

قد يبدو السؤال للوهلة الأولى تفصيلًا أمنيًا ضمن حزمة تفاوضية أكبر، لكنه في الحقيقة يمثل العقدة المركزية التي تتفرع عنها معظم القضايا الأخرى. فكل حديث عن إعادة الإعمار أو تشكيل إدارة جديدة للقطاع أو نشر قوات دولية يصطدم في النهاية بالسؤال ذاته: من سيحتكر القوة في غزة بعد انتهاء الحرب؟

السؤال لا يتعلق فقط بمن يستلم السلاح، بل بمن يمتلك الشرعية والقدرة على إدارة مرحلة انتقالية بهذا الحجم

خلال الأشهر الماضية، تعددت التصورات والمبادرات. بعضها تحدث عن لجنة وطنية فلسطينية لإدارة القطاع، وبعضها طرح نموذجًا تكنوقراطيًا بعيدًا عن الفصائل، فيما ذهبت تصورات أخرى نحو وجود أمني عربي أو دولي مؤقت. لكن أيًا من هذه المقترحات لم يستطع تجاوز المعضلة الأساسية المتعلقة بالسلاح.

المشكلة أن الأطراف المعنية تنظر إلى الملف من زوايا متناقضة تمامًا. فإسرائيل ترى أن الحرب التي اندلعت بعد هجوم السابع من أكتوبر يجب أن تنتهي بإزالة القدرة العسكرية للفصائل الفلسطينية بصورة تمنع تكرار ما جرى مستقبلًا. ومن هذا المنطلق، أصبح نزع السلاح أو حصره في إطار أمني خاضع لترتيبات جديدة شرطاً أساسياً في أي نقاش يتعلق باليوم التالي.

في المقابل، تنظر الفصائل الفلسطينية إلى المسألة باعتبارها قضية سياسية قبل أن تكون أمنية. فمن وجهة نظرها، لا يمكن فصل مستقبل السلاح عن مستقبل الاحتلال والحصار والحقوق الوطنية الفلسطينية. لذلك فإن أي حديث عن تسليم السلاح قبل وجود أفق سياسي واضح أو انسحاب إسرائيلي كامل يبدو بالنسبة لها أقرب إلى مطالبة الطرف الأضعف بالتخلي عن أوراق قوته قبل معرفة شكل التسوية النهائية.

بين هذين الموقفين تتحرك الوساطات الإقليمية والدولية بحثًا عن مساحة مشتركة، لكنها تصطدم كل مرة بجدار من انعدام الثقة المتراكم عبر سنوات طويلة من الصراع. إحدى الأفكار المتداولة حاليًا تقوم على نقل مسؤولية السلاح أو الإشراف عليه إلى جهة فلسطينية جديدة، سواء كانت لجنة وطنية أو جهازًا أمنيًا يعاد تشكيله ضمن ترتيبات ما بعد الحرب. على الورق تبدو الفكرة قابلة للنقاش، لكنها تصبح أكثر تعقيدًا عند الاقتراب من الواقع.

فغزة ليست أمام مستودع أسلحة يمكن تسليمه بموجب محضر رسمي. نحن نتحدث عن بنية عسكرية وتنظيمية نشأت خلال سنوات طويلة من المواجهات والحصار والحروب، وتداخلت مع البنية السياسية والاجتماعية للفصائل نفسها. ولهذا فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن يستلم السلاح، بل بمن يمتلك الشرعية والقدرة على إدارة مرحلة انتقالية بهذا الحجم.

كما أن أي جهة فلسطينية جديدة ستواجه منذ اليوم الأول تحديًا حساسًا يتعلق بعلاقتها مع إسرائيل. فالفصائل لن تقبل بسهولة بتسليم أدوات قوتها إلى جهة يمكن أن تُتهم لاحقًا بأنها تعمل ضمن ترتيبات أمنية تخدم الرؤية الإسرائيلية، فيما ستطالب إسرائيل بضمانات صارمة تمنع إعادة بناء القدرات العسكرية مستقبلًا.

لهذا السبب، تبدو فكرة التدرج أكثر حضورًا في الطروحات الأخيرة من فكرة الحسم السريع. المنطق الذي يحكم هذه المقاربة يقول إن ملفًا بهذه الحساسية لا يمكن حله دفعة واحدة، بل يحتاج إلى سلسلة خطوات متزامنة تشمل وقفًا دائمًا للحرب، وانسحابًا إسرائيليًا تدريجيًا، وإعادة إعمار واسعة النطاق، وإدارة فلسطينية جديدة، إلى جانب نقاش طويل حول مستقبل السلاح وترتيبات الأمن.

هذا تقريبًا ما تحاول بعض المبادرات العربية، وخصوصًا المصرية، البناء عليه. فبدلًا من مطالبة طرف بتقديم كل التنازلات أولًا، يجري الحديث عن مسارات متوازية تمنح كل جهة ما تعتبره ضمانات ضرورية للاستمرار في العملية السياسية.

لكن حتى هذه المقاربة تواجه عقبات كبيرة. العقبة الأولى تتمثل في غياب الثقة الكامل تقريبًا بين الأطراف. فالفلسطينيون يتساءلون عما إذا كانت إسرائيل مستعدة فعلًا لإنهاء الحرب والانسحاب من القطاع بعد تحقيق أهدافها العسكرية. وفي المقابل، تتساءل إسرائيل عن الضمانات التي تمنع عودة الفصائل إلى إعادة بناء قدراتها إذا انسحب الجيش أو خفف وجوده الميداني.

أما المجتمع الدولي، الذي يفترض أن يؤدي دور الضامن، فلا يبدو أنه يمتلك حتى الآن الأدوات الكافية لفرض التزاماته على الأطراف المختلفة. فالتجارب السابقة، سواء في غزة أو في مناطق نزاع أخرى، أظهرت أن الضمانات الدولية لا تكون دائمًا كافية عندما تتغير الحسابات السياسية أو العسكرية على الأرض.

أما العقبة الثانية تتعلق بالمشهد الفلسطيني الداخلي نفسه. فالحرب لم تفتح فقط ملف إعادة إعمار غزة، بل أعادت طرح أسئلة أوسع تتعلق بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني كله. من سيحكم القطاع؟ وما هو دور السلطة الفلسطينية؟ وكيف يمكن استيعاب الفصائل المختلفة ضمن إطار سياسي واحد؟ وهل يمكن الوصول إلى صيغة شراكة حقيقية بعد سنوات طويلة من الانقسام؟ هذه الأسئلة لا تقل تعقيدًا عن ملف السلاح نفسه، وربما تكون أكثر حساسية على المدى الطويل. فنجاح أي ترتيبات أمنية سيظل مرتبطًا بوجود مرجعية سياسية تحظى بقدر من التوافق والشرعية الفلسطينية.

لكن العقبة الأهم قد تكون مرتبطة بالواقع الذي يتشكل على الأرض يومًا بعد يوم. فبينما تدور المفاوضات حول مستقبل غزة، تستمر الوقائع الميدانية في التغير. مناطق واسعة تعرضت لدمار غير مسبوق، كما أن الحديث الإسرائيلي المتكرر عن مناطق عازلة وترتيبات أمنية طويلة الأمد يثير مخاوف فلسطينية من أن تتحول الإجراءات المؤقتة إلى واقع دائم يصعب تغييره لاحقًا.

وهنا تحديدًا تكمن المعضلة الأكبر. فالمفاوضات الحالية لا تدور فقط حول السلاح، ولا حول شكل الإدارة المقبلة للقطاع، بل حول طبيعة المرحلة التي ستلي الحرب كلها. هل ستكون مرحلة انتقالية نحو تسوية سياسية أوسع؟ أم مجرد إعادة تنظيم للصراع بأدوات جديدة؟

حتى الآن لا توجد إجابة واضحة. إسرائيل تتحدث أساسًا بلغة الأمن ومنع التهديدات المستقبلية. والفصائل الفلسطينية تتحدث بلغة الحقوق الوطنية وإنهاء الاحتلال. أما الوسطاء فيحاولون إيجاد نقطة التقاء بين روايتين متناقضتين حول جذور المشكلة نفسها.

لهذا السبب، تبدو معظم الصيغ المطروحة حتى الآن أقرب إلى محاولات لإدارة التناقضات لا لحلها. وربما يكون هذا هو السبب الحقيقي وراء بطء التقدم في ملف اليوم التالي. فالقضية ليست قضية أسلحة أو لجان إدارية أو قوات دولية فقط، بل قضية غياب تصور سياسي مشترك لما ينبغي أن تكون عليه غزة بعد انتهاء الحرب.

قد يكون السؤال الأهم ليس ما إذا كان سلاح الفصائل سيبقى أو سيختفي، بل ما إذا كانت الحرب ستنتج واقعًا سياسيًا مختلفًا يعالج أسباب الصراع الأساسية. لأن التاريخ القريب للمنطقة يوضح أن الحلول الأمنية وحدها لم تنهِ الصراعات، كما أن الشعارات السياسية المجردة لم تصنع استقرارًا دائمًا.

وإلى أن تتوفر إرادة حقيقية لمعالجة جذور الأزمة، سيبقى ملف السلاح عنوانًا للأزمة لا سببها الوحيد، وستظل المفاوضات تدور حول كيفية إدارة الصراع أكثر مما تدور حول كيفية إنهائه.

الكلمات المفتاحية

حساسية الإبادة غير المفرطة

حساسية الإبادة غير المفرطة

أعادت الإبادة تشكيل علاقة الغزيين بالكلمات، وحوّلت بضعة حروف إلى رصاص قادر على القتل كالطائرات تمامًا


قراءة في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة

قراءة في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة

منذ أكثر من عشرين عامًا، أثبت بنيامين نتنياهو قدرة استثنائية على الإفلات من كل الأزمات التي كان يعتقد أنها ستنهي مستقبله السياسي


ملامح أزمة جديدة في حركة فتح

ملامح أزمة جديدة في حركة فتح

تاريخيًا، كانت فتح تستفيد من كونها الحركة الوطنية الأكثر شعبية وحضورًا داخل مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير، إلا أن هذا الامتياز لم يعد كافيًا في ظل الانقسامات التنظيمية التي تراكمت خلال السنوات الماضية


إعلان الرئيس الفلسطيني تحديد الانتخابات.. سؤال التوقيت

إعلان الرئيس الفلسطيني تحديد الانتخابات.. سؤال التوقيت

إعلان موعد الانتخابات يأتي في ظل تحديات داخلية لا تقل تعقيدًا عن التحديات الخارجية

جيش الاحتلال يعتقل شادي جمعة بعدما قضى 19 عامًا في سجون السلطة
أخبار

بعد 19 عامًا من اعتقاله لدى الأمن الفلسطيني.. الاحتلال يقدّم لائحة اتهام بحق شادي جمعة

الأسير شادي جمعة يقضي حكمًا بالسجن 20 عامًا في سجون السلطة الفلسطينية، وقد أفرج عنه مؤخرًا قبل أن يعلن الاحتلال اعتقاله في عملية خاصة.

انتهاك جديد بحق الأسرى المنوي الإفراج عنهم في صفقة التبادل المقبلة
أخبار

تقرير: الاحتلال يغلق عشرات التحقيقات الخاصة باستشهاد معتقلين من غزة

برر الجيش الإسرائيلي إغلاق الملفات بما وصفه بـ"صعوبات في جمع الأدلة"، رغم أن الوقائع حدثت داخل منشآت تخضع لسيطرته الكاملة.


أحزاب ألمانية تطالب إسرائيل بوقف تشريع عقوبة إعدام الأسرى الفلسطينيين
أخبار

"إسرائيل" تمهد لخطة بن غفير بإحاطة سجن للأسرى بالتماسيح

وزيرة حماية البيئة في حكومة الاحتلال أجرت تعديلًا على تعريف قانوني يتعلق بالحيوانات البرية، بهدف تجاوز اعتراض سلطة الطبيعة وتمكين نقل تماسيح إلى منشأة لاعتقال الفلسطينيين.

استطلاع "معاريف": تراجع الائتلاف الحاكم وصعود معسكر المعارضة إلى 61 مقعدًا
أخبار

استطلاع إسرائيلي: الائتلاف يتراجع إلى 48 مقعدًا والمعارضة ترتفع إلى 62

بيّن الاستطلاع استمرار تصدّر حزب "ياشار!" برئاسة غادي آيزنكوت المشهد السياسي بحصوله على 22 مقعدًا، متساويًا مع حزب الليكود الذي عزز تمثيله بمقعد إضافي.

الأكثر قراءة

1
مقابلات

خاص | محمود مرداوي: اتفاق على غالبية بنود مفاوضات القاهرة وإسرائيل تعطل التوصل لاتفاق


2
تقارير

الانتخابات التشريعية.. هل يصمد موعد نوفمبر أمام تحديات الانقسام والقدس وغزة؟


3
تقارير

شهادات لـ"الترا فلسطين": نساء بالضفّة يتعرضن للإرهاب الجنسي من المستوطنين


4
تقارير

قبل أن يحمل ابنته ويحرس عرين فلسطين.. رصاصة الاحتلال تُسقط حلم الحارس سليم الأشقر


5
تقارير

"بابا تعال عندنا".. آخر مكالمة بين مالك ووالده قبل استشهاده في دير البلح