أسعار العملات
الدولار الأمريكي
سعر الشراء 3.57
سعر الصرف 3.83
الدينار الأردني
سعر الشراء 5.27
سعر الصرف 5.42
اليـــــــــــــــــورو
سعر الشراء 4.21
سعر الصرف 4.24
مقبل مجنونٌ أم عاقل؟

مقبل مجنونٌ أم عاقل؟

4088 مشاهدة

قال بلهجة وازنة: "الناس بعتبروني مجنون لأنه تصرفاتي غريبة. مقدرتش طول سنين أقنع البلد إني عاقل، بعدين استسلمت وصرت مع الزمن أحس بالجنون. أنا اليوم محتار؛ أنا مجنون ولا عاقل؟ بعرفش! بس متأكد من شغلتين: بالبداية كنت عاقل، واليوم تعودت على حياة المجانين".

مقبل أبو مراد (46 عامًا) من قرية "الشهداء" جنوب مدينة جنين. وإذ نؤكد على أننا لم نتدخل بالكلام إلا بتحويله من عامية إلى فصحى أحيانًا، أصر مقبل على هذه الرواية:

"بدأ اتهامي بالجنون عام 1997. عندما أحضرت، بدون سبب مفهوم، جرافةً على حسابي وبالدَّيْن؛ لتنظيف كومة نفايات متروكة أمام باب مدرسة أطفال في الشهداء، فضجت البلد بالقصة وسخر الجميع من تصرفي، ثم اجتمع أقاربي وقرروا أنني مجنون فاقتادوني غصبًا إلى المصحة النفسية في بيت جالا. وبعد أن عدت من المصحة طالبني صاحب الجرافة بأجرته فعملت في بيع الصّحف سنتين حتى استطعت أن أدفع له 1500 شيكل".

مقبل أبو مراد أربعيني من جنين قرر أهله أنه مجنون وقدموه للعلاج في مصحة متخصصة، بينما يُصر هو على تكذيب هذا الادعاء

"بعدها صارت عادة عندهم، يوخذوني على مستشفى المجانين كل ما أعمل إشي ما يعجبهم، أخذوني على بيت جالا كثير مرات لأنهم تعودوا بعد أول مرة".

اقرأ/ي أيضًا: سرطان الثدي قد يعني الطلاق بغزة

تابع مقبل سرد حكايته، وعلى وجهه كل ما يمكن تخيله من تلك الابتسامات التي تظهر على وجوه البشر في المواقف المبكية. قال: "بعد حادثة إزالتي للنفايات من باب المدرسة، اعتاد أهل البلد على السخرية مني: مقبل توجد مزبلة عند بيتي أحضر جرافة وخلصني منها. يردد بعضهم كلما رآني".

 

رواية الجرافة وكومة النفايات، يكذبها أقاربه وجيرانه ويعتبرونها جزءًا مما وصفوه "بتخيلات مقبل وأوهامه التي ولدت معه"، منهم أخوه مراد أبو مراد، وجاره النائب الأسبق لرئيس مجلس قروي الشهداء فؤاد عصعوص.

عايشنا مقبل وراقبنا حياته لعدة أيام، فوجدنا فيه تفاصيل يراها مجتمعه غريبةً فيلفظه بسببها؛ إضافة إلى تمسكه بحادثة الجرافة التي يفتتح بها هجاء مجتمعه أينما حل وارتحل. يرتدي مقبل في معظم المناسبات قبعةً، ودائمًا زيًا رسميًا شتويًا في الليل والنهار والصيف والشتاء. وفي الشارع العام تجده أحيانًا يغني بصوته، وأحيانًا يدير مذياعًا عالي الصوت بأغاني الدحية والدلعونة والدبكات الشعبية. وسرعان ما يبدأ حديثًا ومزاحًا مع الغرباء لأنه يعتادهم لمجرد أن يلتقيهم.

في الجيب الداخلي لمعطفه وبقية جيوبه يحتفظ بأغراض يقول إن تجميعها هواية له، فثيابه مليئة بالأقلام والدفاتر التي بحجم الكف، والسُّبحات، والقداحات والسجائر. لديه دراجة هوائية، "ما ببدلها بسيارة 2014 موديل السنة"، وفق تعبيره. ولمن لا يعرف، فإن ركوب دراجةٍ هوائيةٍ لرجلٍ كبيرٍ في السن يُعد "قِلة قيمة له"، وفق مفاهيم الناس في معظم القرى والأرياف الفلسطينية.

 

قال لنا بعد شرح مطول عن طقوسه الخاصة في ممارسة سعادته: "مش قادر أفهّم الناس إنو مثلاً لما مقبل يغني بالشارع بكون مبسوط، مش بكونوا فيوزاتو ضاربات، ولا بكون مقبل متأخر عن موعد الحبّة".

وتُطلق مفاهيم "فيوزاتو ضاربات" و"متأخر عن موعد الحبّة" شعبيًا كأوصاف ساخرة يُقصد بها نعت الشخص بالمجنون. "أتضايق كثيراً وأتكسّر من الداخل عندما يسخرون مني"، قال مقبل. وأضاف، "لكنني لا أشعرهم بذلك كي لا يشمتوا بي أو يشفقوا علي".

 

ومما يزيد عناء مقبل انتماؤه لطبقة اقتصاديةٍ متدنيةٍ جدًا. فهو فقير الحال، تدير زوجته بدعم "الشؤون الاجتماعية" دكانهم المتواضع الذي يدعوه مقبل "سوبر ماركت"، بينما يتنقل هو بين العمل في بيع الجريدة، والذرة، وبيوت بطاقات الهوية، والعتالة في الحِسبة.

يعمل مقبل المصنف كمجنون في بيع الجرائد والذرة والعتالة، يهتم بالقراءة ويحافظ على ارتداء البدلة الرسمية في كل الأوقات، ويحمل دائمًا أوراقًا وأقلامًا

ويدرك مقبل النظرة الانتقاصية تجاهه ويجابهها بسلوك كل ما يهتدي إليه من سُبل مطاردة الكمال، فالداخل إلى بيته يجد العديد من الكتب في مختلف المجالات إضافة إلى آخر إصدارات صحف ومجلات عديدة.

اقرأ/ي أيضًا: الختامة.. فرحة اندثرت في نابلس

من بين كتبه، يلفت النظر كتابٌ سميكٌ جدًا في حوزة مقبل، هو "الوقائع الفلسطينية"، وهو كتابٌ متخصصٌ جدًا يصدر عن ديوان الفتوى والتشريع. ويعتبر هذا الكتاب، الجريدة الرسمية للسلطة الفلسطينية، ومما ينشر فيه: القوانين والأنظمة واللوائح والقرارات والأوامر والمراسيم الرئاسية والعلاقات التجارية.

ومع أن أهل الاختصاص بالكاد يفهمون محتوى هذا الكتاب، يقول مقبل: "كتاب الوقائع الفلسطينية مصدر ثقافتي التي تميزني عن البقية، وبتخليني قادر أميز المنيح (الطيب) والعاطل.. إييييي إييييه هاظ الكتاب بخليني أعرف أعيش الحياة".

ويداوم مقبل على ارتداء البدلة الرسمية في كل مكان ومناسبة، ويبدو هذا واضحًا في صوره المعلقة على جدران بيته. "بضل لابس بدلة عشان أكون دايمًا مشخص، أنا مش أقل من الناس ولا أكثر منهم"، قال مقبل أبو مراد.

 

يضاف إلى ما أطلعنا عليه من نزعاته إلى الكمال، كشْفُ مقبلٍ لنا عن أنه يدخن سجائر "العربي" الرديء عندما لا يراه أحد، بينما يجتهد –رغم الحالة الاقتصادية العسيرة- في ادّخار السجائر المصنفة فاخرةً لديه، (LM ومارلبورو) مثلاً؛ ليدخنها في المناسبات العامة التي يكون فيها بين الناس. ويؤكد كل بضع دقائق من الحديث إلينا، ما هذه التصرفات إلا محاولات في مواجهة النظرة الانتقاصية المجتمعية المؤذية له.

وخلال مجالسته لساعاتٍ موزعةٍ على أكثر من لقاء، لاحظنا أن لمقبل عبارة يعيدها كل عدة دقائق متخذًا إياها وصلةً أو استراحةً أو انتقالة بين أحاديثه، "فاقد الشيء لا يعطيه". يرددها كل قليلٍ بدون انسجام بينها وبين ما يسبقها وما يتبعها من كلام.

يقول مثلاً: "الي بقعد معي بصدقش إني ثامن إعدادي، فاقد الشيء لا يعطيه، بفكروني خريج جامعة"، "حاسس حالي ثقيل على هالأمة هاي، فاقد الشيء لا يعطيه، إبني محمد عوضني عن كل الدنيا ومستحيل أنقص عليه إشي". ربما تبدو هذه الجملة للوهلة الأولى دخيلة على كلام الرجل ولا يبررها السياق! مع أنها قد تكون تجليًا لشعور مقبل بأشكال من الحرمان.

ويحدثنا مقبل عن مشهدٍ آخر من فصول حكايته مبينًا، "بعدما يئسوا من الطب النفسي وواصلت أفعالي الغريبة، خاصة عندما تأتيني نوبة التعب العصبي، غيروا النبرة فاقتادوني إلى شيخ ليقرأ علي ويطرد منّي ما اعتقدوا بأنه الجنّ الذي يلبسني".

وأكد مقبل لنا بعدما ضحك عاليًا، "بدل ما الشيخ يطلع الجن مني أنا جننتوا، قال الغبي جايب عصاي عشان يضربني فيها ومفكر حالوا هيك بضرب الجن، حكيتلو إذا بتضرب بكسر إيدك لأنو الجن مش محسوس ولا ملموس فما في حدا رح يتوجع غيري إذا بتضربني".

أهل مقبل عرضوه على "شيخ" ليخلصه من الجن بداخله بسبب نوبات عصبية تصيبه، لكنه هدد الشيخ بالضرب إذا استخدم عصاه في طرد الجن المزعوم

"الأطفال عندما أمر بهم يلعبون في الشوارع يتطاولون عليّ بالألقاب، لكنني لا أضربهم ولا أوبخهم ولا حتى أحاول إيقافهم؛ لأنني لو فعلت لأثبتُّ تهمة الجنون على نفسي. فقد قال الناس ذات يوم: مقبل يلاحق الأطفال وينزل إلى مستواهم فلا فرق بينه وبينهم". ويُظهر الحديث المطول مع مقبل أنه يفني متسعًا كبيرًا من عمره لغرض دفع النظرة الانتقاصية عن نفسه واتقاء كلام الناس، لكنه لا يفلح أبدًا!

ويتمنى مقبل لو أنه عاش حياةً "يكف فيها الناس ألسنتهم عنه"، يصادقونه ويحبهم، فهو لا يملك صديقًا واحدًا في حياته "غير عمله الذي لا ينتهي"، حسب قوله.

اقرأ/ي أيضًا: رومانسية أسرى وزوجاتهم على عينك يا سجان

ويبين مقبل، "أعلق كل آمالي في الدنيا على أن يصير ابني محمد في المستقبل أفضل شخصٍ في العالم. قدوتي في الدنيا هي زوجتي؛ أنا أتعلم منها مواجهة العيش الصعب فقد ساندتني وضحت كثيرًا وكافحت بأعمالٍ شاقّةٍ لنعيش بكرامةٍ مع ابننا محمد".

ويضيف، "أشعر بسعادة عارمة عندما أضع في جيبي حفنة شواقل تكفيني لأذهب إلى نابلس وآكل كنافتها وأتسكع بشوارعها ثم أعود. وأغرق بالفرح عندما يثني أحدهم على خط يدي في الكتابة، فكم أشعر بالقيمة والإنجاز عندما يخبرونني بأن خطي جميل".

 

ويوضح مقبل أن أسعد أيام حياته كان السابع من تموز/يوليو لعام 2007، وهو تاريخ ميلاد ابنه محمد الذي يشدد على أنه مستعدٌ لإعطائه حياته لو طلبها، مضيفًا، "أنا أعتبر ابني تعويضًا عن كل نقص عشته وسأعيشه".

ويبين أن أكثر أيامه حزنًا يتكرر كثيرًا، "كلما عاد ولدي محمد من المدرسة يبكي لأن زملاءه سخروا من أبيه".

يشار إلى أن أهل مقبل وجيرانه يلقون جزءًا كبيرًا من اللوم عليه، ويعتبرونه المسبب الأول للمشاكل التي تحدث معه بسبب تصرفاته "المزعجة" للناس. وعندما واجهناهم بروايته ردوا بأنه يحاول الظهور بمظهر الملاك وهو غير ذلك.

اقرأ/ي أيضًا: 

بالوثائق.. "مقام يوسف": عندما يعبث السياسي بالديني

مجاري المستوطنات تهلك الحرث والنسل في دورا

دُور السينما الفلسطينية.. لم يبق إلا الأسماء