مكتبة العنقاء في غزة: معركة إنقاذ المعرفة من نار الإبادة الجماعية
1 مايو 2026
بينما كان العالم ينظر إلى غزة من زاوية الجوع والحرب، كان المهندس عمر حمد ورفيقاه يخوضون معركة "إنقاذ العلم والثقافة" من نار الإبادة الجماعية، ليأسسوا بعد عامين ونصف مكتبة العنقاء في غزة.
تضم مكتبة العنقاء 6 آلاف كتاب، بُعث نصفها من تحت الأنقاض، ونزح النصف الآخر عبر طرقات الموت، ليتشكل "أرشيف حي" يتنوع بين علوم الطب والقانون والسياسة، وصولًا إلى الأدب الغزي
فوسط مشهد التهمت فيه النيران أكثر من 80% من الرصيد المعرفي لمدينة غزة، وكتب نزحت 13 مرة، أنشأ عمر ورفيقاه "مكتبة العنقاء العامة"، بعد أن حشدوا أكثر من 6 آلاف عنوان، وسابقوا النيران والزمن لجمع ما تبقى من كتب التاريخ والأدب قبل أن تتحول إلى رماد أو تُهدر كـ"ورق لف للسجائر" في لحظة يأس جماعي نالت من سكان غزة جميعًا.

تهريب الذاكرة
في بيت حانون، شمال قطاع غزة، صاغ المهندس عمر حمد (32 عامًا) وعيه كقارئ متمرس، إذ بدأ شغفه بالقراءة منذ الرابعة عشرة من عمره، حيث شرع في بناء مكتبة ضخمة استقطعت أجمل أركان منزله ليكون مستودعًا لأفكاره وأحلامه.
ظهر شغف عمر بالقراءة جليًا بعد إطلاق إسرائيل الإبادة الجماعية في غزة، إذ كانت بيت حانون من أوائل المدن التي أُجبر سكانها على النزوح، ليجد عمر نفسه أمام خيار قاس آثر فيه حمل الكتب على كل شيء، ففي الوقت الذي فرّ فيه الجميع نجاةً بأرواحهم، حاملين أوراقهم الثبوتية ومدخراتهم وما خفّ من ملابسهم، كانت مكتبة عمر هاجسه الوحيد، لينتقي أهم 40 كتابًا ويأخذها رفيقةً لرحلته في دروب النزوح.
طيلة أشهر الحرب، ظلت الكتب هي هاجس عمر ورفيقيه، ومع سكون الحرب مؤقتًا في كانون الثاني/يناير 2024، قرر عمر وصديقه إبراهيم المصري العودة إلى بيت حانون في مهمة هدفها "إنقاذ المعرفة". عاد الصديقان لينتشلا من قلب الركام ما تبقى من مكتبة عمر ومجموعة من الكتب من مكتبة جارهما الشاعر الفلسطيني المغترب مصعب أبو توهة.

وانضم إلى عمر وإبراهيم شاب ثالث هم حسام حمد، ليخوضوا معًا مغامرة محفوفة بالمخاطر بين أنقاض الجامعات والمكتبات العامة، حتى نجحوا في استعادة كتب من "مكتبة إدوارد سعيد" شمال القطاع، ومن أروقة الجامعات الفلسطينية. يقول عمر: "كنا ننقل مئات الكتب يوميًا، ونودعها في أماكن آمنة كأننا نودع أمانة التاريخ".
حين تساوى الكتاب بالرغيف
عاد الأصدقاء الثلاثة إلى غزة وشمال القطاع بعد وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025، ليصعقوا بمشهد الدمار الشامل، حيث التهمت النيران نحو 80% من الإرث المعرفي الموزع بين الجامعات والمكاتب.
فالمسجد العمري الكبير، الذي كان يحرس تاريخًا ممتدًا لمئات السنين، تعرض لقصف لم ينجُ منه سوى 38 مخطوطة فقط من أصل 230 مخطوطة. وكذلك طال التدمير "مكتبة غزة للثقافة والنور" التابعة للكنيسة المعمدانية التي كانت تضم 20 ألف كتاب. هذا فضلاً عن محرقة ثقافية غيّبت أكثر من 240 ألف كتاب ومرجع علمي في جامعات الأقصى، والإسراء، والإسلامية.
وسط هذا الركام، لم تكن جهود الأصدقاء الثلاثة في جمع ما تبقى محل ترحيب، بل واجهت سخرية قاسية تحت وطأة الحاجة المادية الطاحنة التي تزامنت مع الحرب والمجاعة، وكان السؤال يلاحقهم: ماذا يفعل الناس بالكتب في زمن الجوع والحرب؟ في حين كان عمر يحاول إقناع المجوعين بأن "هذا الطريق في المقاومة هو الضمانة الوحيدة كي لا يخرجوا من الحرب بلا ذاكرة".
لكن لحظة الاختبار الأصعب كانت حين صرخ 22 شخصًا من عائلة عمر من شدة الجوع، ليجد عمر نفسه مضطرًا لمقايضة مكتبته الخاصة بكيلوغرام واحد من الطحين. يقول: "كانت المجاعة في ذروتها، عرضت بيع ألف كتاب مقابل كيلو دقيق واحد لأن الجوع كان ينهش الأطفال من حولي. لم يستجب أحد في البداية لأن الجميع كان يبحث عن الطحين، لكن القصة أحدثت ضجة عالمية وحصلت على بعض الطحين واحتفظت بكتبي".
مكتبة العنقاء.. معركة التأسيس
شُرِّدت الكتب مع عمر وإبراهيم وحسام ثلاث عشرة مرة، قبل أن يبدأوا معركة "التأسيس"، ففي مساحةٍ لا تتجاوز 200 متر، تتربع اليوم مكتبة العنقاء كأول استجابة ثقافية مؤسسية لمواجهة هذا الخراب.

تضم مكتبة العنقاء 6 آلاف كتاب، بُعث نصفها من تحت الأنقاض، ونزح النصف الآخر عبر طرقات الموت، ليتشكل "أرشيف حي" يتنوع بين علوم الطب والقانون والسياسة، وصولًا إلى الأدب الغزي الذي يتربع على عرش الرفوف معيدًا ربط القارئ بجذوره.
وفي الوقت ذاته، تفتح الروايات المترجمة من اليابانية والروسية والفرنسية نافذةً لغزة على العالم الذي يحاول عزلها، كما خُصص ربع المكتبة للأطفال بكتبٍ تحفز عقول الصغار على التحليق خارج حدود الحصار.

يقول إبراهيم إن مكتبة العنقاء "ولدت من رحم التكافل المعرفي"، إذ تبرع المواطنون بكتبهم الناجية كـ"صدقات جارية" عن أرواح شهدائهم، لتنضم إلى ما جُمِع بجهود ميدانية للفريق.
وتعتمد مكتبة العنقاء على نظام عضوية رمزي لضمان استقلالية المشروع وتغطية تكاليفه التشغيلية، لتتحول مكتبة العنقاء من مجرد مخزن للكتب إلى مؤسسة ثقافية تُدار بعقلية "اقتصاد الصمود".
يحدثنا إبراهيم عن الصعوبات اللوجستية قائلاً إنهم اصطدموا بحظر دخول مواد البناء الأساسية، وعلى رأسها الخشب، مما حوّل تجهيز المكتبة من "نجارة" تقليدية إلى "هندسة بدائل" استغرقت خمسة أشهر من العمل المضني، اعتمدت كليًا على "المنتج البلدي" المتاح محليًا لتشييد الرفوف.
ولتجاوز فجوة الفقد المعرفي، ابتكر الرفاق حلًا استثنائيًا بتحويل الأرشيف الرقمي المكون من آلاف ملفات "بي دي أف" إلى كتب مطبوعة ورقيًا بجهود ذاتية، ليتمكنوا في النهاية من حشد آلاف العناوين في هذا الحيز الصغير.
ولا يخطط عمر وإبراهيم وحسام لأن تظل المكتبة مكانًا للاستعارة فحسب، بل يطمحون لتحويلها إلى "صرح ثقافي عربي كبير، ومركز للأنشطة التي ترمم الإنسان وتصقل العقله"، مؤكدين أن غزة التي تُجيد الدفاع عن حياتها، هي الأجدر بتبني "عنقاء المعرفة" التي ترفض الرماد وتأبى أن تموت.
الكلمات المفتاحية
الحمى المالطية تهدد الثروة الحيوانية في ريف جنين.. شكاوى من غياب التدخل الحكومي
الأغنام والأبقار المصابة تواجه خطر النفوق، الأمر الذي ينذر بخسائر اقتصادية كبيرة للمزارعين الذين يعتمدون على تربية المواشي كمصدر رئيسي للدخل
غاب الأحبَّة وحضرت الدموع.. حفلات التكريم تعود منقوصة في غزة
غابت وجوه كثيرة عن منصات التكريم، لكن ذكراهم تبقى حاضرة في كل شهادة تُمنح وكل اسم يُنادى عليه
البحر لم يعد متنفسًا.. كيف تغيّر صيف غزة بعد الحرب؟
البحر الذي شكل على الدوام متنفسًا للعائلات والأطفال في غزة، تحول اليوم إلى ساحة تختلط فيها مياهٌ ملوثةٌ بخيام نزوحٍ تمتد بمحاذاة الساحل
الصليب الأحمر: آلاف المدفونين تحت أنقاض غزة قد لا يتم التعرف عليهم أبدًا
أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن خطر عدم التعرف على هوية آلاف الفلسطينيين المدفونين تحت أنقاض غزة يتزايد يومًا بعد يوم
إيران تهدد إسرائيل.. وترامب ينتقد قصف بيروت
قال ترامب إن الهجوم الذي كانت ترد عليه إسرائيل بقصفها للضاحية كان صغيرًا جدًا وغير ذي معنى، ولم يُقتل أو يُصب أو يُجرح أحد
تخصيص ملياري شيكل لصالح مشاريع تطويرية في مستوطنة "كارني شومرون"
قال سموتريتش: لقد حان الوقت للحسم أيضًا في الضفة الغربية وفرض السيادة الإسرائيلية عليها حتى قبل موعد الانتخابات
حماس: سلّمنا ردّ الفصائل على ورقة ملادينوف بشأن غزة
أكدت حماس أن الفصائل الفلسطينية تعاملت مع خارطة الطريق الخاصة بتطبيق المرحلة الثانية من خطة ترامب بمستوى عالٍ من المسؤولية والإيجابية.