ملامح أزمة جديدة في حركة فتح
12 يوليو 2026
منذ أن حدد الرئيس الفلسطيني محمود عباس الثامن والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل موعدًا لإجراء الانتخابات التشريعية، بدا واضحًا أن التحدي الأكبر الذي يواجه حركة فتح ليس منافسيها التقليديين، وإنما بيتها الداخلي. فالحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود، وتولت قيادة السلطة الفلسطينية منذ تأسيسها، تدخل اليوم واحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيدًا، وسط انقسامات سياسية وتنظيمية آخذة في الاتساع، وتراجع واضح في القدرة على إنتاج توافق داخلي حول شكل المشاركة في الانتخابات وآليات إدارتها. ويبدو أن السؤال لم يعد يتعلق بقدرة فتح على الفوز بالأغلبية، بل بقدرتها أولًا على خوض الانتخابات وهي موحدة، بعدما أخذت تتزايد المؤشرات إلى أن صناديق الاقتراع قد تشهد أكثر من قائمة تحمل الهوية الفتحاوية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
تاريخيًا، كانت فتح تستفيد من كونها الحركة الوطنية الأكثر شعبية وحضورًا داخل مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير، إلا أن هذا الامتياز لم يعد كافيًا في ظل الانقسامات التنظيمية التي تراكمت خلال السنوات الماضية. فالتجربة الفلسطينية أثبتت أن نظام التمثيل النسبي يقلل من أثر القوة التنظيمية إذا توزعت الأصوات على أكثر من قائمة تنتمي إلى البيئة السياسية نفسها. وإذا ما دخلت فتح الانتخابات بقائمتين أو ثلاث، فإن ذلك سيؤدي تلقائيًا إلى تشتيت أصواتها، ويمنح القوائم الأخرى فرصة أكبر للحصول على عدد أكبر من المقاعد، حتى لو بقي مجموع الأصوات الفتحاوية هو الأعلى.
قد لا تكون الأزمة الحقيقية التي تواجه فتح هي الانتخابات بحد ذاتها، وإنما ما كشفته هذه الانتخابات من تحولات عميقة داخل الحركة. فالخلاف لم يعد يدور فقط حول أسماء المرشحين أو ترتيبهم في القوائم، بل حول سؤال أكبر يتعلق بمستقبل الحركة
المؤشرات المتوافرة حتى الآن لا توحي بأن القيادة الحالية نجحت في احتواء الخلافات الداخلية. فبعد المؤتمر الثامن للحركة وما سبقه من انتخابات للشبيبة والهيئات المحلية، بدا أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس عزز سيطرته التنظيمية على المؤسسات الرسمية للحركة، إلا أن ذلك لم ينهِ حالة التململ داخل قطاعات واسعة من الكوادر التاريخية والوسطى التي تشعر بأنها أُبعدت عن مواقع التأثير أو جرى تجاوزها في عملية صناعة القرار. وهذه الفجوة بين القيادة والقاعدة قد تتحول، مع اقتراب موعد الانتخابات، إلى انشقاق انتخابي أكثر منه انشقاقًا تنظيميًا، وهو أخطر بكثير لأنه سيظهر أمام الجمهور مباشرة في صناديق الاقتراع.
وفي قلب هذا المشهد يبرز اسم الأسير مروان البرغوثي بوصفه العامل الأكثر تأثيرًا داخل فتح. فالمعلومات المتداولة تشير إلى أن مقربين منه يجرون مشاورات واسعة لتشكيل ائتلاف انتخابي يضم شخصيات فتحاوية ومستقلة وبعض القوى اليسارية، ليس فقط بهدف خوض الانتخابات التشريعية، وإنما أيضًا تمهيد الطريق أمام ترشح البرغوثي لرئاسة السلطة إذا أجريت الانتخابات الرئاسية لاحقًا. ويستند هذا التوجه إلى تعديلات قانون الانتخابات التي صدرت عام 2021، والتي جعلت ترشح أي شخص للرئاسة أكثر تعقيدًا إذا لم يكن منضويًا في إطار قائمة انتخابية أو حزب سياسي، الأمر الذي يجعل تشكيل قائمة داعمة للبرغوثي ضرورة قانونية وسياسية في آن واحد.
ولا يتعلق الأمر بشخص البرغوثي وحده، بل بالرمزية التي يمثلها داخل الحركة. فهو لا يزال، رغم سنوات الأسر الطويلة، يحظى بحضور شعبي وتنظيمي يصعب تجاهله، كما أن كثيرين يرونه أحد آخر الرموز التاريخية القادرة على إعادة توحيد الحركة أو على الأقل استقطاب جزء كبير من جمهورها التقليدي. ولهذا فإن أي قائمة تُنسب إليه، حتى وإن لم يعلن رسميًا قيادتها، ستكون قادرة على استقطاب أصوات من داخل القاعدة الفتحاوية نفسها، وهو ما يعني عمليًا اقتطاع جزء مهم من الرصيد الانتخابي للقائمة الرسمية.
وفي الجانب الآخر، يستعد تيار الإصلاح الديمقراطي بقيادة محمد دحلان لخوض الانتخابات بقائمة مستقلة، بعدما وصلت محاولات التفاهم مع قيادة الحركة إلى طريق مسدود. وهذا التيار، الذي يمتلك حضورًا تنظيميًا وشبكات اجتماعية خاصة، ولا سيما في قطاع غزة وبعض مناطق الضفة الغربية، لا يخفي رغبته في العودة إلى المشهد السياسي عبر صناديق الاقتراع. وبغض النظر عن حجم التأييد الذي سيحصل عليه، فإن مجرد مشاركته بقائمة مستقلة يعني أن جزءًا إضافيًا من الأصوات الفتحاوية التقليدية سيتوزع خارج القائمة الرسمية، الأمر الذي يعمق مشكلة التشتت داخل الحركة.
وهكذا قد تجد فتح نفسها أمام ثلاثة أقطاب انتخابية على الأقل: القائمة الرسمية التي تقودها القيادة الحالية، وقائمة تدور في فلك مروان البرغوثي، وقائمة تيار الإصلاح الديمقراطي. وإذا أضيف إلى ذلك احتمال ظهور قوائم محلية يقودها قياديون سابقون أو شخصيات مستقلة ذات خلفية فتحاوية، فإن المشهد يصبح أكثر تعقيدًا، وقد تتحول الانتخابات إلى منافسة داخل البيت الفتحاوي أكثر من كونها منافسة بين فتح والفصائل الأخرى.
لكن، في المقابل، لا ينبغي إغفال حقيقة أن الانتخابات نفسها لا تزال محاطة بعوامل كثيرة تجعل إجراؤها أمرًا غير محسوم. فمنذ تأسيس السلطة الفلسطينية، ظل الموقف الإسرائيلي هو العامل الأكثر تأثيرًا في تنظيم الانتخابات أو تعطيلها، سواء من خلال رفض إجرائها في القدس الشرقية، أو عبر القيود الأمنية والعسكرية، أو باعتقال مرشحين، أو الحد من حرية الدعاية والتنقل. وبالتالي فإن المرسوم الرئاسي، على أهميته السياسية، لا يكفي وحده لضمان الوصول إلى يوم الاقتراع.
ومن هذه الزاوية، قد يشكل الموقف الإسرائيلي مخرجًا سياسيًا مريحًا لقيادة السلطة إذا تبين أن الظروف الداخلية أو الخارجية لا تسمح بإجراء الانتخابات. فتعذر مشاركة القدس، أو فرض قيود ميدانية واسعة، أو أي قرار إسرائيلي يعطل العملية الانتخابية، يمكن أن يوفر مبررًا سياسيًا وقانونيًا لتأجيلها، دون أن تتحمل القيادة الفلسطينية وحدها مسؤولية ذلك أمام الرأي العام.
ويبرز عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في التطورات المتعلقة بغزة. فإذا مضى مشروع "مجلس السلام" الذي تدعمه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب باتجاه ترتيبات سياسية وإدارية جديدة للقطاع، أو إذا فُرضت ترتيبات تمنع إجراء الانتخابات فيه أو تحد من مشاركة سكانه، فإن ذلك سيطرح إشكالية جوهرية حول شرعية انتخابات لا تشمل جميع الأراضي الفلسطينية التي نص عليها المرسوم الرئاسي. وفي هذه الحالة أيضًا قد تجد القيادة الفلسطينية مبررًا إضافيًا للقول إن الانتخابات لا يمكن أن تُجرى بصورة مجتزأة تستثني قطاع غزة، لأن ذلك سيكرس الانقسام بدلًا من إنهائه.
ولعل المفارقة الأبرز أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس يبدو في وضع سياسي مختلف عما كان عليه في انتخابات عام 2021 التي أُجلت في اللحظة الأخيرة. فهذه المرة يستطيع أن يقول إنه أوفى بالتزامه بإصدار مرسوم الانتخابات، وحدد موعدها، وشرع في الإجراءات القانونية، لكن العوامل الخارجية هي التي حالت دون تنفيذها. وهذا يخفف، من الناحية السياسية، من حجم الانتقادات التي قد توجه إليه إذا تأجلت الانتخابات مرة أخرى.
في المقابل، إذا جرت الانتخابات بالفعل، فإن فتح ستكون أمام اختبار غير مسبوق. فالحركة التي اعتادت تقديم نفسها باعتبارها العمود الفقري للنظام السياسي الفلسطيني ستدخل المعركة وهي منقسمة، بينما تبدو القوى الأخرى أكثر ميلًا إلى بناء تحالفات انتخابية واسعة. وعندها لن يكون معيار النجاح هو عدد المقاعد فقط، بل قدرة الحركة على الحفاظ على مكانتها باعتبارها الإطار الجامع لغالبية أنصارها.
والأرجح أن الأشهر القليلة المقبلة ستشهد محاولات مكثفة لإعادة بناء تفاهمات داخلية، سواء عبر استيعاب بعض القيادات الغاضبة أو التوصل إلى صيغ توافقية تمنع انفجار المشهد التنظيمي. غير أن نجاح هذه الجهود يتطلب تنازلات متبادلة، وهو أمر لا تبدو مؤشراته واضحة حتى الآن.
في المحصلة، قد لا تكون الأزمة الحقيقية التي تواجه فتح هي الانتخابات بحد ذاتها، وإنما ما كشفته هذه الانتخابات من تحولات عميقة داخل الحركة. فالخلاف لم يعد يدور فقط حول أسماء المرشحين أو ترتيبهم في القوائم، بل حول سؤال أكبر يتعلق بمستقبل الحركة، وطبيعة قيادتها، وآليات اتخاذ القرار فيها، وعلاقتها بجيل جديد من الكوادر يشعر بأن الحركة التي قادت المشروع الوطني لعقود تحتاج اليوم إلى مراجعة شاملة. ولذلك، سواء جرت الانتخابات في موعدها أو أُجلت مرة أخرى بفعل الموقف الإسرائيلي أو التطورات المتعلقة بقطاع غزة، فإن فتح ستكون مضطرة عاجلاً أم آجلاً إلى مواجهة استحقاق داخلي لا يقل صعوبة عن أي استحقاق انتخابي، لأن وحدة الحركة قد أصبحت هي المعركة الأولى، وربما الأهم، قبل أي معركة على أصوات الناخبين.
الكلمات المفتاحية
عباءة الأمل من خيوط الحزن
كان نائل يقول في مقابلة مصوّرة جاءت أمي ذات يوم لزيارتي، وطلبت غطاء فِراشي، ولا أعلم ما الذي تفكّر فيه، وعندما جاءتني في زيارتها الثانية كانت قد حوّلت الغطاء إلى ثوب
هل الانقسام بين دولة إسرائيل ومملكة "يهودا والسامرة" التوراتية ممكن؟
اليمين الاستيطاني لا يريد الانفصال عن إسرائيل وإقامة مملكة مستقلة في الضفة. بل يريد شيئًا أكبر: يريد إعادة تشكيل إسرائيل كلها على صورته.
أول يوم في سجن النقب
دخلت وحدة قمع إلى الغرفة 8، واعتدت على الأسرى فيها بالضرب، قبل أن تُطلق النار داخل الغرفة. أصيب عدد من الأسرى، بينما كان صدى الانفجارات والصراخ يملأ القسم.
الاحتلال يواصل الخروقات.. قصف واستهدافات في خانيونس وانفجار قنبلة في دبابة
وصل جثمان الشهيد محمد بشير يوسف أبو عرمانة، من سكان مدينة دير البلح، إلى مستشفى العودة، بعد استهدافه في منطقة مفترق شارع العشرين بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة.
حملة إسرائيلية جديدة لتوجيه إجابات "تشات جي بي تي" حول مجاعة غزة والجيش الإسرائيلي
ليست هذه المرة الأولى التي تعتمد فيها إسرائيل على شبكة "هافاس" لمحاولة التأثير على روبوتات الدردشة الذكية
برصاصة مستوطن.. الممرض محمد مطور يصارع الشلل النصفي ويحلم بالعودة إلى حياته
لم يكن الممرض محمد نبيل مطور، البالغ من العمر 26 عامًا، يتوقع أن تنتهي زيارته إلى منزل ابن خاله في خربة الدوارة، الواقعة بين بلدتي بني نعيم وسعير شرق الخليل، برصاصة إسرائيلية تستقر في عموده الفقري وتغيّر حياته في لحظات.
عباءة الأمل من خيوط الحزن
كان نائل يقول في مقابلة مصوّرة جاءت أمي ذات يوم لزيارتي، وطلبت غطاء فِراشي، ولا أعلم ما الذي تفكّر فيه، وعندما جاءتني في زيارتها الثانية كانت قد حوّلت الغطاء إلى ثوب