من الاعتداء إلى الهدم.. تقرير إسرائيلي يوضح آليات التهجير والاستيطان بالضفة
24 يونيو 2026
نشرت صحيفة "هآرتس" العبرية تقريرًا مفصّلًا يوضح سياسة تكامل الأدوار بين اعتداءات المستوطنين وإجراءات جيش الاحتلال وما تسمى الإدارة المدنية في الضفة الغربية، بما يحوّل عمليات العنف الاستيطاني وهدم المنازل إلى آلية ممنهجة لتهجير الفلسطينيين قسرًا من أراضيهم، لا سيما في المناطق المصنفة "ج".
نمط متكرر في الضفة الغربية، يبدأ بعنف المستوطنين ضد التجمعات الفلسطينية، ويمر عبر منع السكان من العودة إلى أراضيهم، وينتهي بعمليات هدم تنفذها سلطات الاحتلال، في مسارٍ يرسخ الوقائع الاستيطانية الجديدة.
ويتناول التقرير أحداث الهدم واعتداءات المستوطنين في تجمع مخماس بالقدس وفي دوما جنوب نابلس، التي أدّت إلى تهجير عدد من العائلات الفلسطينية.
أوضحت الصحيفة أن البؤر الاستيطانية العنيفة، رغم عدم قانونيتها حتى وفق التصنيفات الإسرائيلية، تؤدي دورًا رئيسيًا في دفع الفلسطينيين إلى مغادرة أراضيهم من خلال الاعتداءات المتواصلة، قبل أن تتدخل مؤسسات الاحتلال لإكمال عملية التهجير عبر أوامر الهدم وإجراءات "تطبيق القانون".
وقالت الصحيفة إن الإدارة المدنية هدمت الأسبوع الماضي مبانٍ في موقعين بالضفة الغربية كان الفلسطينيون قد أُجبروا على مغادرتهما بفعل اعتداءات المستوطنين.
وأشارت إلى أن إحدى عمليات الهدم نُفذت في تجمع مخماس البدوي، المقام على أراضٍ فلسطينية خاصة ومسجلة رسميًا في دائرة الأراضي، حيث وصلت جرافة برفقة قوات أمنية وهدمت ما تبقى من مباني التجمع بعد تهجير سكانه.
وأضاف التقرير أن بعض المباني كانت قد تعرضت سابقًا للتدمير والحرق على أيدي المستوطنين، قبل أن تتولى الإدارة المدنية إزالة ما تبقى منها بذريعة تطبيق القانون.
وتعرض تجمع مخماس خلال الأشهر الماضية لحملة تنكيل متواصلة بالتزامن مع إقامة البؤرة الاستيطانية المجاورة المسماة "بشير الخير" في أكتوبر الماضي. ومنذ ذلك الحين، شهد التجمع سلسلةً من الاعتداءات شملت تدمير المباني وإحراق الممتلكات والاعتداء الجسدي على السكان والمتضامنين.
ولفت التقرير إلى أن العنف لم يقتصر على الفلسطينيين، إذ تعرضت ناشطات إسرائيليات للاعتداء خلال محاولتهن التضامن مع السكان، ما أدى إلى إصابتهن بجروح قطعية في الرأس والرقبة وكدمات في الأضلاع ونزيف داخلي، نتيجة الضرب بالعصي.
وأضافت الصحيفة أن سكان التجمع تعرضوا على مدار أسابيع لهجمات متكررة شملت تخريب الممتلكات وإحراق المركبات، قبل أن يقتحم نحو عشرين مستوطنًا ملثمًا التجمع في منتصف يناير الماضي ويشعلوا النار مجددًا في المباني للمرة الثالثة.
وأشارت "هآرتس" إلى توثيق مشاهد لمجندات في جيش الاحتلال وهن يصرخن في وجه أبناء التجمع أثناء محاولتهم إعادة بناء مساكنهم، بحجة أن المنطقة "عسكرية مغلقة" وأن البناء فيها غير مرخص.
كما ظهر في التسجيلات مستوطن يوثق المباني بالفيديو بحضور الجنود، فيما ردت إحدى المجندات على الاستفسارات بالقول إن "الأرض لنا"، رغم أن المباني مقامة على أراضٍ فلسطينية خاصة ومسجلة رسميًا.
وأوضحت الصحيفة أن سلطات الاحتلال تستند في كثير من الأحيان إلى قوانين تنظيم بريطانية قديمة لتبرير عمليات الهدم، خصوصًا في التجمعات البدوية المقامة على أراضٍ مصنفة زراعية. وبموجب ذلك، تُعامل المباني الفلسطينية باعتبارها "بناءً غير قانوني"، ما يتيح للإدارة المدنية إصدار أوامر هدم بحقها.
وفي السياق ذاته، نقلت الصحيفة عن قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال، اللواء آفي بلوت، قوله إن القوات تعمل على منع ما وصفه بـ"التوسع الفلسطيني غير القانوني" في المناطق المصنفة "ج".
وأكد التقرير أن البؤرة الاستيطانية المقامة قرب مخماس ليست قانونية حتى وفق المعايير الإسرائيلية، وقد أُخليت عدة مرات من قبل الأجهزة الأمنية، إلا أنها كانت تعود إلى الموقع بعد كل عملية إخلاء، قبل أن تترسخ تدريجيًا ويقيم فيها مستوطنون بشكل دائم.
وأضافت الصحيفة أن الشهادات التي جمعتها من السكان الذين أُحرقت منازلهم أظهرت أنهم اضطروا إلى الفرار نتيجة اعتداءات المستوطنين، قبل أن تأتي الجرافات لاحقًا لهدم ما تبقى من ممتلكاتهم. ووصفت هذه الخطوة بأنها استثنائية، في ظل وجود عشرات التجمعات الفلسطينية المهجرة منذ بداية الحرب ما تزال مبانيها قائمة رغم إخلائها.
وأشارت إلى أن السلطات الإسرائيلية ترد على الالتماسات المقدمة للمحكمة العليا بشأن إعادة السكان المهجرين بالقول إن الجيش يسمح لهم بالعودة، لكنه لا يستطيع إجبارهم على ذلك، رغم أن ظروف العنف القائمة تمنع عمليًا أي عودة مستقرة للسكان.
وللدلالة على تكرار النمط ذاته، استعرضت الصحيفة ما جرى في قرية دوما، حيث وصلت قوات الاحتلال وآليات الهدم بعد ساعات من عملية مخماس، وهدمت مبنى سكنيًا فلسطينيًا مقامًا من الطوب والخرسانة.
وقالت إن المنطقة تضم تجمعًا فلسطينيًا صغيرًا وعددًا من المباني السكنية المقامة خارج المخطط الهيكلي للقرية، غير أن إقامة بؤرة استيطانية جديدة عام 2025 بجوارها أدت إلى تصاعد الاعتداءات بشكل كبير.
وأضاف التقرير أن هذه البؤرة تُصنف من قبل المنظومة الأمنية الإسرائيلية على أنها "مزرعة"، رغم عدم وجود أراضي دولة في محيطها تسمح قانونيًا بتخصيصها للمستوطنين، إلا أن الجيش وفر لها الحماية وخصص قوات لمرافقة الرعاة الإسرائيليين.
وأشارت الصحيفة إلى أن دخول مواشي المستوطنين إلى الأراضي والمباني الفلسطينية أصبح مشهدًا متكررًا، فيما تصاعدت الاعتداءات هذا العام لتشمل رشق الحجارة وإطلاق الغاز المسيل للدموع باتجاه الفلسطينيين والعاملات في المنطقة.
ووفقًا للتقرير، فرض الجيش في آذار/ مارس الماضي أمر منطقة عسكرية مغلقة على الإسرائيليين في مخماس، لكنه لم يتخذ إجراءات مماثلة في دوما، ما جعل المنطقة عرضةً لاعتداءات المستوطنين بصورة متواصلة.
وأضافت الصحيفة أن ما تسمى الإدارة المدنية الإسرائيلية صادقت خلال جولة ميدانية في آذار/ مارس على تأهيل البؤرة الاستيطانية وتحويلها إلى استيطان دائم، رغم أن الأراضي المقامة عليها كانت تُصنف سابقًا كأراضٍ فلسطينية خاصة ومسجلة، قبل أن يُعاد تصنيفها بصورة دائمة.
وفي المقابل، بررت الإدارة المدنية هدم المبنى الفلسطيني في دوما بأنه جزء من إجراءات تطبيق القانون ضد مبانٍ زراعية أُقيمت من دون ترخيص.
كما تناول التقرير آلية "مسح الأراضي" المعتمدة في الضفة الغربية، موضحًا أنها تُستخدم لفحص وضع العقارات وتحديد إمكانية تصنيفها كأراضي دولة. وأشارت الصحيفة إلى أن ثلثي أراضي الضفة الغربية لم تمر بإجراءات التسوية القانونية، بعدما أوقفت "إسرائيل" عمليات التسوية عام 1967 بقرار عسكري، ما يجعل تسجيل الملكيات الفلسطينية عمليةً معقدة وطويلة، في حين يجري إعلان أراضي الدولة بصورة أسرع وأكثر سهولة.
ونقلت الصحيفة شهادة أحد السكان المتضررين، الذي قال إنه اشترى دونمين من الأرض في مخماس وبنى عليهما منزلًا من طابقين وزرع بستانًا لعائلته، قبل أن يتلقى أوامر متكررة بوقف البناء بحجة وقوع الأرض في المنطقة "ج".
وأضاف أنه حاول تسوية أوضاع البناء قانونيًا عدة مرات، لكن طلباته قوبلت بالرفض في كل مرة، قبل أن يُفاجأ بتنفيذ أمر الهدم بعد أيام قليلة فقط من تقديم استئناف ضده.
وتابع: "عندما وصلت إلى المكان بعد الهدم لم أجد سوى الركام والتراب".
وأشار إلى أن المستوطنين منعوه وعائلته من الوصول إلى المنزل لأشهر طويلة بعد إقامة البؤرة الاستيطانية المجاورة، مضيفًا أنهم كانوا يعترضون طريقه تحت تهديد السلاح ويبلغونه بأن الأرض أصبحت ملكًا لهم.
وقال إن المستوطنين سرقوا كاميرات المراقبة ومركبة كانت موجودة في المكان، وهددوا بالاعتداء على العائلة إذا عادت إلى الأرض، ما اضطرهم إلى مغادرتها نهائيًا قبل أن يتلقوا لاحقًا خبر هدم المنزل بالكامل.
وأكدت "هآرتس" إلى أن ما يجري في مخماس ودوما يعكس نمطًا متكررًا في الضفة الغربية، يبدأ بعنف المستوطنين ضد التجمعات الفلسطينية، ويمر عبر منع السكان من العودة إلى أراضيهم، وينتهي بعمليات هدم تنفذها سلطات الاحتلال، في مسارٍ يرسخ الوقائع الاستيطانية الجديدة ويقلص الوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة "ج".
الكلمات المفتاحية
ألبانيز: إبادة غزة مستمرة.. والعالم أمام مفترق طرق
اتهمت ألبانيز الولايات المتحدة بدعم الإبادة في غزة وباستخدام التهديد ضد الدول التي تصفها واشنطن بأنها شريكة لها.
الاحتلال يواصل عزل الصحفية بشرى الطويل منذ 46 يومًا
قضية الطويل تسلط الضوء على تصاعد سياسة العزل بحق الأسرى والأسيرات.
هآرتس: البنوك الإسرائيلية تخشى عقوبات دولية بسبب تمويل الاستيطان
أفادت "هآرتس" بأن البنوك الإسرائيلية تخشى تعرضها لعقوبات دولية بسبب تمويل مشاريع استيطانية في الضفة الغربية، وسط قلق متزايد من تداعيات المشاركة في مشروع E1 الاستيطاني
ألبانيز: إبادة غزة مستمرة.. والعالم أمام مفترق طرق
اتهمت ألبانيز الولايات المتحدة بدعم الإبادة في غزة وباستخدام التهديد ضد الدول التي تصفها واشنطن بأنها شريكة لها.
الاحتلال يواصل عزل الصحفية بشرى الطويل منذ 46 يومًا
قضية الطويل تسلط الضوء على تصاعد سياسة العزل بحق الأسرى والأسيرات.
بدو النقب في مرآة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية: تحولات الهوية وانفجار التناقضات
لا تقتصر المخاوف الإسرائيلية حيال النقب على البعد الأمني والعسكري الطارئ، بل تلتحم بها بعمق هواجس ديموغرافية ووجودية مزمنة.
هآرتس: البنوك الإسرائيلية تخشى عقوبات دولية بسبب تمويل الاستيطان
أفادت "هآرتس" بأن البنوك الإسرائيلية تخشى تعرضها لعقوبات دولية بسبب تمويل مشاريع استيطانية في الضفة الغربية، وسط قلق متزايد من تداعيات المشاركة في مشروع E1 الاستيطاني