ultracheck
قول

من الذي يخشى صندوق الاقتراع؟

4 سبتمبر 2026
من الذي يخشى صندوق الاقتراع؟
Photo by PATRICK BAZ/AFP via Getty Images
نبهان خريشة
نبهان خريشة صحفي وكاتب فلسطيني

لم تعد المشكلة في النظام السياسي الفلسطيني هي غياب الانتخابات، بل في الطريقة التي أصبحنا نفكر بها في الانتخابات نفسها. فمنذ سنوات طويلة لم تعد الانتخابات تعامل باعتبارها حقا للمواطنين ووسيلة طبيعية لتجديد الشرعية وتداول السلطة، وإنما باعتبارها مخاطرة سياسية ينبغي أولا حساب نتائجها "من سيفوز؟ ومن سيخسر؟ وما حجم حماس؟ وماذا سيفعل محمد دحلان؟ وهل تستطيع فتح خوض الانتخابات موحدة؟ وهل تستطيع القيادة القائمة التعايش مع النتائج إذا جاءت بغير ما تريد؟".

وهنا تكمن الأزمة الحقيقية. الرئيس محمود عباس أصدر في التاسع من تموز/يوليو الماضي مرسومًا حدد يوم 28 تشرين الثاني/نوفمبر، موعدًا لانتخابات المجلس التشريعي، وهي، إذا أجريت، ستكون أول انتخابات تشريعية فلسطينية منذ عشرين عامًا. والعملية، رسميًا على الأقل، لا تزال تسير في مسارها؛ فقد واصلت لجنة الانتخابات المركزية استعداداتها، وبحث رئيسها رامي الحمد الله في 19 آب/أغسطس مع نائب الرئيس حسين الشيخ التحضيرات والعقبات المتعلقة خصوصًا بغزة والقدس والقيود الإسرائيلية.

لكن خلف هذا المشهد الرسمي بدأت تتكاثر التسريبات والتقديرات عن احتمال التأجيل. وآخرها ما نشره الكاتب الإسرائيلي يوني بن مناحيم، نقلًا عن مسؤولين كبار في فتح، بأن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو تأجيل الانتخابات، وأن حسين الشيخ يدفع في هذا الاتجاه.

لا أعرف مدى دقة مصادر بن مناحيم، ولا ينبغي لنا أن نتعامل مع ما يكتبه محلل إسرائيلي عن الشأن الداخلي الفلسطيني بوصفه خبرًا منزلًا. لكن أهمية ما نشره ليست في مصدره الإسرائيلي بقدر ما هي في أن احتمال التأجيل ليس غريبًا عن تجربتنا السياسية. لدينا سابقة لا تزال حاضرة، أي انتخابات 2021 التي صدر مرسوم بإجرائها، وبدأت الاستعدادات والقوائم والتحالفات، ثم أُلغيت العملية قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع.

واليوم تعود القدس مرة أخرى باعتبارها المشكلة الأكثر جاهزية لتبرير التأجيل. ولا خلاف على أن القدس ليست تفصيلًا انتخابيًا، ولا يجوز إجراء انتخابات فلسطينية تتعامل معها وكأنها خارج الجغرافيا السياسية الفلسطينية. كما أن إسرائيل قادرة بالفعل على تعطيل العملية الانتخابية فيها، وعلى التضييق على المرشحين والحملات الانتخابية في الضفة، فضلًا عن التعقيدات الهائلة في غزة. وهذه عقبات حقيقية وليست مختلقة. لجنة الانتخابات نفسها أشارت إلى تحديات القدس وغزة والقيود الإسرائيلية.

لكن السؤال هو: هل تتحول العقبة الإسرائيلية إلى حق نقض إسرائيلي للانتخابات الفلسطينية؟ إذا كان الجواب نعم، فنحن نقول عمليًا إن إسرائيل تستطيع أن تقرر متى ينتخب الفلسطينيون ومتى لا ينتخبون. يكفي أن ترفض الانتخابات في القدس لكي يُلغى الاقتراع في جنين والخليل ونابلس ورام الله وغزة أيضًا. والأخطر أن القدس قد تتحول من معركة ينبغي خوضها إلى ذريعة سياسية مريحة للهروب من صندوق الاقتراع.

المشكلة الأعمق ليست تقنية، وإنما سياسية. فتح تدخل أي انتخابات مقبلة وهي ليست فتح التي دخلت انتخابات 1996، ولا حتى فتح التي خاضت انتخابات 2006. الحركة تعاني أزمة داخلية عميقة، وتعدد مراكز القوة داخلها وخارج أطرها الرسمية. وفي الأسابيع الأخيرة ظهرت بوضوح محاولات إعادة فتح قنوات الحوار مع تيار محمد دحلان، ووصل الأمر إلى اجتماعات في القاهرة لبحث توحيد الحركة، في وقت يدور فيه حديث عن تحالفات انتخابية محتملة بين تيار دحلان وحماس وقوى وشخصيات أخرى.

وهذا يجعل الانتخابات بالنسبة إلى القيادة الحالية أكثر من مجرد منافسة بين فتح وحماس. إنها قد تعيد تشكيل الخريطة الفلسطينية كلها. فماذا لو دخلت فتح الانتخابات منقسمة؟ وماذا لو تشكلت قائمة واسعة تضم حماس وتيار دحلان وشخصيات مستقلة وقوى أخرى؟ وماذا لو ظهرت داخل فتح نفسها قوائم أو تيارات غير منضبطة بالقرار الرسمي؟ عندها لن يكون السؤال عدد المقاعد التي ستفوز بها فتح فقط، وإنما أي فتح ستخرج من الانتخابات.

وهنا يمكن تصور أربعة سيناريوهات. السيناريو الأول هو إجراء الانتخابات في موعدها. وهذا هو الخيار الأكثر سلامة من الناحية الديمقراطية، لكنه الأكثر مخاطرة بالنسبة إلى مراكز القوة القائمة. فقد تنتج الانتخابات مجلسًا شديد التعدد، لا تملك فيه فتح ولا حماس أغلبية منفردة، وتصبح التحالفات هي التي تحدد شكل السلطة المقبلة. وقد تكون هذه النتيجة مزعجة للقيادة، لكنها ليست مشكلة ديمقراطية؛ فجوهر الانتخابات أصلًا أن نتائجها غير معروفة مسبقًا.

السيناريو الثاني هو تأجيل محدود ومتفق عليه، مرتبط بعقبات محددة في غزة والقدس، مع تحديد موعد بديل واضح وملزم. وهذا السيناريو يمكن الدفاع عنه فقط إذا كان التأجيل تقنيا بالفعل، وإذا جرى بالتوافق الوطني، لا بقرار أحادي، وإذا كان الموعد الجديد جزءًا من قرار التأجيل نفسه. أما عبارة "إلى حين توافر الظروف المناسبة" فقد تعلم الفلسطينيون معناها جيدًا، فهي قد تعني سنوات أخرى بلا انتخابات.

السيناريو الثالث، وهو الأخطر، أن يتم تأجيل الانتخابات إلى أجل غير محدد. عندها ستدخل السلطة الفلسطينية في أزمة شرعية أعمق بكثير. فبعد عشرين عاما على آخر انتخابات تشريعية، لن يكون سهلا إقناع الفلسطيني بأن المشكلة لا تزال في الظروف. الاحتلال لم يبدأ بالأمس، والقدس كانت محتلة قبل تأسيس السلطة الفلسطينية، والانقسام قائم منذ سنوات. وإذا انتظرنا الظروف المثالية فلن تكون هناك انتخابات أبدا.

أما السيناريو الرابع، وربما الأكثر تعقيدا، فهو إجراء تسوية سياسية داخل فتح قبل الانتخابات: مصالحة مع تيار دحلان، وإعادة بعض المفصولين، وترتيب البيت الداخلي، ومحاولة الوصول إلى قائمة فتحاوية واسعة تستطيع مواجهة حماس وأي تحالفات أخرى. الاجتماعات التي جرت في القاهرة تشير إلى أن هذا الاحتمال موجود بالفعل، وإن لم تحقق حتى الآن اختراقا حاسما.

لكن حتى هذا السيناريو يطرح سؤالا لا يجوز الهروب منه: هل المطلوب ترتيب فتح لكي تستطيع خوض الانتخابات، أم ترتيب الانتخابات لكي تستطيع فتح الفوز بها؟ الفارق بين الأمرين هو الفارق بين الحركة والدولة.

من حق فتح أن تخشى الهزيمة، وأن تعيد توحيد صفوفها، وأن تعقد التحالفات، وأن تحاول استعادة ثقة الناس. ومن حق حماس ودحلان واليسار والمستقلين أن يفعلوا الشيء نفسه. لكن ليس من حق أي طرف أن يجعل إجراء الانتخابات مشروطا بضمان نتيجتها.

وهنا نصل إلى جوهر المسألة. الانتخابات المقبلة ليست مجرد انتخابات مجلس تشريعي. إنها، شئنا أم أبينا، استفتاء سياسي واسع على مرحلة كاملة من تاريخ السلطة الفلسطينية: على الحكم، والفساد، والحريات، والانقسام، وأوسلو، والعلاقة مع إسرائيل، وأداء فتح، وأداء حماس، وما جرى في غزة، وعلى مستقبل النظام السياسي برمته.

ولهذا يخشاها الجميع بدرجات متفاوتة. لكن الخوف من نتائج الانتخابات ليس سببا لتأجيلها؛ بل هو السبب الذي يجعلها ضرورية. وقد تخسر فتح. وقد تخسر حماس. وقد يفاجئ الناخب الفلسطيني الجميع ويمنح ثقته لقوى وتحالفات لم تكن في الحسابات. تلك ليست كارثة. الكارثة الحقيقية هي أن يبقى النظام السياسي الفلسطيني قائما على قاعدة أن الشعب يستطيع أن ينتخب فقط عندما تكون القيادة مطمئنة إلى ما سيضعه في الصندوق.

إذا أجريت الانتخابات في 28 تشرين الثاني/نوفمبر، فستكون أمام الفلسطينيين فرصة، ربما الأخيرة لسنوات طويلة، لإعادة شيء من الحياة إلى نظام سياسي أصابه التكلس. وإذا تأجلت لأسباب قاهرة وبموعد بديل واضح، يمكن تفهم ذلك. أما إذا أُلغيت لأن نتائجها قد لا تعجب هذا الطرف أو ذاك، فنحن لن نكون أمام أزمة انتخابات، بل أمام اعتراف صريح بأن أزمة النظام السياسي الفلسطيني أصبحت أزمة خوف من الشعب نفسه.

والصندوق الذي تخشاه السلطة أكثر مما تخشى فقدان شرعيتها، لم يعد مجرد صندوق اقتراع؛ بل أصبح مرآة للنظام كله...

الكلمات المفتاحية

ثلاث سنوات بحثًا عن يوم عادي

ثلاث سنوات بحثًا عن يوم عادي

أشتاق إلى مشوار تكون لديّ في نهايته حكاية عادية


حين احتضنت قونية فلسطين

حين احتضنت قونية فلسطين

عندما ظهر أطفال غزة في الملعب، شعرت أنني لم أعد أشاهد المباراة من بعيد، بقيت عيني معلقة بهم؛ أطفال أعرف المكان الذي جاؤوا منه، وأعرف جيدًا ما تعنيه غزة حين تظهر في الأخبار


السؤال هل ستجري الانتخابات أم لا يكشف أزمة الحكم

السؤال هل ستجري الانتخابات أم لا يكشف أزمة الحكم

حين يسأل الفلسطينيون "هل ستجري الانتخابات التشريعية أم ستؤجل مرة أخرى؟"، فإنهم لا يعبرون عن فضول تجاه حدث سياسي مقبل، بل يكشفون عن أزمة عميقة في علاقتهم بالنظام الذي يحكمهم


إبادة المرأة الفلسطينية في زمن الإبادة

إبادة المرأة الفلسطينية في زمن الإبادة

الخطاب المضاد للإبادة ذكوري الطابع، فهو يعتمد أيضًا على لغة شمولية عنيفة وبطولية للغاية، يمارس من خلالها الضغط على إمكانيات بروز لغة أنثوية ونسوية مضادة

تحليل إسرائيلي: أربعة سيناريوهات لتشكيل الحكومة المقبلة
أخبار

تحليل إسرائيلي: أربعة سيناريوهات لتشكيل الحكومة المقبلة

تشمل السيناريوهات، تحالفات بين خصوم سياسيين، وانشقاقات داخل الليكود، وحتى تشكيل حكومة أقلية بدعم غير مباشر من الأحزاب العربية

حماس ترد على مزاعم الاحتلال بشأن استخدام مستشفيات غزة وتحذّر من استهدافها
أخبار

حماس ترد على مزاعم الاحتلال بشأن استخدام مستشفيات غزة وتحذّر من استهدافها

حماس: نحذّر من اتخاذ الادعاءات الكاذبة ذريعة للاعتداء على ما تبقى من مستشفيات غزة، وندعو الأمم المتحدة إلى زيارتها والتحقق من زيفها


مؤسسات الأسرى: 26 ألف حالة اعتقال وأكثر من 100 شهيد منذ بدء الإبادة
أخبار

مؤسسات الأسرى: 26 ألف حالة اعتقال وأكثر من 100 شهيد منذ بدء الإبادة

مؤسسات الأسرى: 92 شهيدًا بين صفوف الأسرى المعلومة هوياتهم خلال ثلاثة أعوام.. والإخفاء القسري يحجب مصير العشرات من شهداء معتقلي غزة

موسم الزيتون في الضفة الغربية.jpg
أخبار

الاحتلال يحاصر موسم الزيتون.. تهديد بإغلاق الحقول إذا شارك المتضامنون

أفادت صحيفة "هآرتس" أن جيش الاحتلال يهدد بإعلان حقول زيتون فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة مناطق عسكرية مغلقة، في حال استعان أصحابها بمتضامنين أجانب.

الأكثر قراءة

1
مقابلات

من الحبر إلى الأمن.. الخالدي يكشف لـ "الترا فلسطين" ترتيبات الانتخابات التشريعية بغزة


2
تقارير

ملف | الانتخابات الإسرائيلية 2026: أسئلة الحرب واليمين والمعارضة وفلسطين


3
قول

الجنرالات التائبون


4
تقارير

تسمم وأمراض تهدد النازحين.. من يضمن سلامة مياه الشرب في غزة؟


5
مقابلات

حوار | وليد حباس: المنافسة في الانتخابات الإسرائيلية على إدارة الاحتلال لا على إنهائه