ultracheck
قول

من الزنزانة إلى الخيال: أدب اليافعين كجسر تحرير عند وليد دقة

7 أبريل 2025
وليد دقة، وحكايات سر الزيت، سر السيف، سر الطيف
وليد دقة، وحكاياته لليافعين: سر الزيت، سر السيف، سر الطيف. المصدر: عبد الرحيم الشيخ، الجغرافيا السابعة: الاستشهاديون، والشهداء، والكابو، في برزخ وليد دقة، مجلة الدراسات الفلسطينية، عدد 139، صيف 2024
إسراء عرفات
إسراء عرفات كاتبة وباحثة من نابلس

في أحد أحاديثه حول تجربة الاعتقال في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وصف الشهيد وليد دقة، السّجن باعتباره أسوأ اختراع صنعه الإنسان، وفرّق بين السجن كمكان والسجن كعقليّة وثقافة. وأشار إلى أنّ الرأس الذي يحمله الإنسان بين أكتافه، قد يتحوّل بسهولة إلى زنزانة تَسجِن صاحبها، رغمَ أنّ جسده حرّ طليق!

الأسير الشّهيد وليد دقة: "أكتب حتى أتحرّر من السجن، على أمل أن أحرّره مني"

منذ اعتقاله عام 1986، وعلى مدار سنوات طويلة قضاها في سجون الاحتلال، سعى وليد دقة إلى ترجمة رؤيته تجاه السجن وتوصيفاته، إلى فعلٍ ملموس، مُتّخذًا من الكتابة بمختلف أشكالها البحثية والأدبية طريقًا لتحرير رأسه من جدران زنزانة مُفترضة كانت قد تحاصره، في الوقت الذي كانت فيه جدران الزنزانة الواقعية تُطبق على جسده، مفروضة بقبضة سجانيه.

ألّف وليد دقة العديد من الكتب المطبوعة، وكتب عشرات المقالات والأبحاث في مجالات متنوّعة تشمل الآداب والفنون والنظريات والأفكار، والواقع الاجتماعي والتاريخ والسياسة. ولم يغفل دقة أن يُنصت إلى الطِفل الذي يسكنه ويستفزّ مشاعر الأبوّة التي ظلّت تتأرجح داخله. ومنذ زواجه من سناء سلامة، خاض رحلة طويلة ومُعقّدة مع مصلحة السجون الإسرائيلية في معركة للحصول على حقّه بالإنجاب. وخلال رحلة حربه الشّاقة تلك، بدأ يكتب للأطفال، سواء كانوا حقيقيين أو متخيّلين يُحيطون به بروحهم، ويمنحوه شعور الأبوّة الذي طالما تاق إليه.

أبدى وليد دقة اهتمامًا خاصًّا بعالم الأطفال والطفولة، من خلال ثلاثة نصوص بارزة؛ الأوّل رسالة مصوّرة إلى ريما (شقيقة زوجته سناء سلامة) في 22 شباط/فبراير 2007، تحدّث فيها عن هدية أراد أن تكون قطّةً، لكنّه اضطرّ لتحويلها إلى فأرة بناءً على رغبة الوالدة، لأنّ القط غير مرغوب به في المنزل. النصّ الثاني رسالة بعنوان: "أكتب لِطفل لم يولد بعد"، نُشر على موقع "عرب 48" في 27 آذار/مارس 2011، بمناسبة مرور ربع قرن على أسره، كتب فيه وليد دقة عن حُلمه بالإنجاب، بينما كان وقتها يُصارِع مصلحة سجون الاحتلال، لتحديد سنوات محكوميّته، وللحصول على هذا الحقّ. أما النصّ الثالث، فجاء تحت عنوان: "رياحين الشباب... بين مفاصل صخر الدولة العبرية"، وهو نصّ سِيَريّ، تناول فيه دقة -وهو في سجن الرملة- بعض ملامح طفولته وشبابه. لم يكتمل النّص الأخير بسبب تكرار تعرّض دقة للقمع أو النقل أو العزل، ما أعاق استمراريّته في الكتابة.

وجد وليد دقة في الكتابة وسيلة للتحرر من القيود المفروضة عليه، اهتمّ بأدب الأطفال واليافعين، وجسّد ذلك في نصوص ورسائل حملت رؤيته للأبوة، وصولًا إلى ثلاثيته الروائية "حكاية سرّ الزيت"، "حكاية سرّ السيف"، و"حكاية سرّ الطيف"

كانت هذه النصوص الثلاثة، إلى جانب شذرات كتابيّة أخرى، بمثابة بذور زرعها دقة في تربة الكتابة للأطفال، لتنمو بعدها وينبثق منها، على إثر اخضرار، وتحقّق أبوته بولادة طفلته ميلاد، شجرة مشروع كتابيّ عظيم في أدب اليافعين، كان من المفترض أن يتجسّد في ثلاثية روائية متتابعة: "حكاية سرّ الزيت"، "حكاية سرّ السيف"، و"حكاية سرّ الطيف".

عبد الرحيم الشيخ، الذي أسسّ مشروعًا ثقافيًا، لفكّ شيفرة رسائل ونصوص وليد دقة من سجنه، أشار إلى أنّ نقاشاته مع وليد حول هذه الثلاثية الروائية بدأت عام 2018، وذكر أنّه اقترح على دقة بعد إنهائه رواية "حكاية سرّ الزيت" في 2017، وحكاية "سرّ الطيف" في 2018، ضرورة إضافة ضلع ثالث لهذه الثنائية. فالرواية الأولى تناولت الأسرى، والثانية ركّزت على اللاجئين، وينقصها ثالثة تتحدّث عن الشهداء. فالسجن والمخيّم والمقبرة، تُمثّل جغرافيات فلسطينية مهمّشة ينبغي لليافعين التعرّف على أسرارها من خلال قصص أسرى وطنهم ولاجئيهم وشهدائهم، قبل أن يصلوا مرحلة النضج الجامعي.

"حكاية سرّ الزيت" التي صدرت عن مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي عام 2018، تروي حكاية الطفل الفلسطيني "جود" الذي جاء إلى الحياة عبر نطفة مهرّبة، من أب معتقل في السجن لآماد مفتوحة. جود الذي بلغ الثانية عشرة من عمره، يقرّر أن يفكّر بطريقة مستقلة عن حسابات أهله، ليجد طريقة تضمن له زيارة والده الذي لا يعرفه، بعد أن منعه الاحتلال من زيارته، مدّعيًا استحالة وجود أبناء لأسرى في السّجون، تناولت الرواية قضيّة الأسرى كموضوع رئيس، وسعت للإجابة عن الأسئلة الملحة التي تطرحها هذه القضيّة في السياق الفلسطيني.

أمّا رواية "حكاية سرّ السيف" الصادرة عن المؤسسة نفسها عام 2021، فحملت مغامرة جديدة لجود، حيث يعود مع أصدقائه إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، ليبحث معهم عن سرّ السيف. جاءت فكرة قرار العودة بعد حديث الجدّة عن قريتها المهجّرة، وكشفها عن مخبأ سرّيّ يحتوي على حجج وأملاك السكان الذين هُجّروا قسرًا خلال نكبة 1948.

يناقش المقال عمق الرمزية في أعمال وليد دقة، وكيف استخدم الترميز لتقديم قضايا الأسرى واللاجئين والشهداء في سياق فلسطيني 

تميّزت الروايتان باستخدام الرمزيّة في الإشارة إلى العديد من المعاني المتعلقة بالاستعمار في السياق الفلسطيني، كما تميّزتا بإضفاء كائنية معيّنة على بعض النباتات (شجرة الزيتون)، وبإدخال الحيوانات الأليفة كلاعب أساسي في السرد، وإلى جانب ذلك، سادت أجواء غرائبية وعجائبية شكّلت نسيج الروايتين، ما أضفى على السرد طابعًا فريدًا يجمع بين الواقعيّة والتخيّل الأدبي. 

كان من المفترض أن تتمحور الروايات الثلاث حول شخصية الفتى "جود"، الذي يُجسّد بطل العودة المتكرر. حيث يسعى للوصول إلى والده المعتقل في السجن، متحديًا قيود الاحتلال (حكاية سرّ الزيت)، ويخوض مغامرة لاستعادة ذاكرة أهله المهجّرين قسرًا عبر العودة إلى قريتهم الأصلية (حكاية سرّ السيف)، كما يعود ليكشف عن أسرار الشهداء، بما في ذلك الشهداء الأسرى في الثلاجات، في محاولة لتصفية الحساب مع من هم ليسوا شهداء (حكاية سرّ الطيف).

حاول وليد دقة إنجاز "حكاية سرّ الطيف" لكنّه وجد صعوبة في رواية سرّ الموت لليافعين، فأنجز النصّ كمسرحية تحمل عنوان "حكاية سرّ الطيف: الشهداء يعودون إلى رام الله"، وهو الذي نشرته مجلة الدراسات الفلسطينية، في عددها (139) عام 2024، والذي تضمّن ملفًا خاصًّا، احتوى على كتابات وليد دقة المتأخرة بعد استشهاده.

يَفتتح وليد دقة رواية "حكاية سرّ الزيت" بعبارة يقول فيها: "أكتب حتى أتحرّر من السجن على أمل أن أحرّره مني"، وهي عبارة لخّصت مساعي دقة المستمرّة طوال سنوات اعتقاله، لتحرير نفسه من سجنه المادي، بالكتابة؛ لليافعين وغيرهم.

الكلمات المفتاحية

ما بين بائع التذاكر وبائع المرايا

ما بين بائع التذاكر وبائع المرايا

أرى صديقي وليد دقة بكامل الألق والزهو، أراه مكتنزًا بالمعاني والإشارات وبهاء الرقص على أوتار عوده الذي صنعه من شرايينه، وعزف عليه كل الحكاية، حكايته هو الذي كان يحيا ما بين دوف وخلدون


كيف أعادت إسرائيل تشكيل لغتنا اليومية؟

كيف أعادت إسرائيل تشكيل لغتنا اليومية؟

هذه اللغة الجديدة خلقتْ معانٍ أخرى لكلمات قديمة، وأضافت لوازم كلامية بدأت بحزام ناري ونزوح ولم تنتهِ بالخيمة، حتى أصبحَ القَول بالنسبة للغزيين ليسَ فِعل تعبير بل وسيلة بقاء يتكئون عليها، ويطوون بها أيامهم الثقيلة


السلام بالقوة.. الحرب كمدخل للتطبيع في الشرق الأوسط

السلام بالقوة.. الحرب كمدخل للتطبيع في الشرق الأوسط

دخلت إسرائيل منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 مرحلة إعادة تعريف شاملة لوظيفة القوة في سياقها الإقليمي


العيد في غزة.. معمول مغمس بالدم

العيد في غزة.. معمول مغمس بالدم

في مدينة كانت تعدّ المعمول والكعك علامة على الفرح صار العيد أحيانًا بطعم آخر. طعم يعرفه جيدًا آباء وأمهات كثيرون هنا

بؤرة استيطانية ترسم واقعًا جديدًا في تياسير: اعتداءات متصاعدة وتهديد بالتهجير
تقارير

بؤرة استيطانية ترسم واقعًا جديدًا في تياسير: اعتداءات متصاعدة وتهديد بالتهجير

موقع البؤرة الاستيطانية بين تياسير والعقبة ليس عشوائيًا، فقد أقيمت في منطقة تشكل حلقة وصل بين ثلاثة تجمعات فلسطينية

أسطول الصمود العالمي
أخبار

قافلة لأسطول الصمود العالمي تنطلق من ميناء برشلونة لكسر حصار غزة

القافلة التي تحركت اليوم تضم 39 قاربًا، على أن تنضم سفن أخرى محملة بمساعدات طبية وإمدادات إضافية على طول الطريق نحو فلسطين


أكسيوس: 7 نقاط عرقلت مفاوضات إسلام آباد بينها تمويل حماس
أخبار

أكسيوس: 7 نقاط عرقلت مفاوضات إسلام آباد بينها تمويل حماس

الولايات المتحدة طلبت أيضًا وقف التمويل الإيراني لحركة حماس وحزب الله وجماعة أنصار الله اليمنية إلا أن طهران عارضت ذلك

ترامب يعلن عن تشكيل "مجلس السلام" ونشر أسماء الأعضاء "قريبًا"
أخبار

الجيش الإسرائيلي يرفع جاهزيته وترامب يأمر فرض حصار على مضيق هرمز

قال ترامب إن الإيرانيين لم يغادروا طاولة المفاوضات، وإنه يتوقع عودتهم ومنح الولايات المتحدة كل ما تريده

الأكثر قراءة

1
قول

ما بين بائع التذاكر وبائع المرايا


2
تقارير

خاص | لقاء مرتقب لحماس مع ملادينوف: لا نقاش حول السلاح قبل إتمام المرحلة الأولى من اتفاق غزة


3
تقارير

ريتاج ريحان.. طفلة قُتلت برصاصة إسرائيلية داخل خيمتها الدراسية في بيت لاهيا


4
تقارير

هجوم دموي على مخيم المغازي: الأهالي يتصدون لميليشيا مسلحة يحميها طيران الاحتلال


5
تقارير

تجميد الحسابات البنكية في غزة: أموال محجوزة وأرزاق معلقة