من "القالوشة" إلى "الجورعة": موسم الدراس والبيدر
17 يونيو 2026
سمى الفلسطينيون شهر حزيران باسم "أقلاش" نسبة إلى القالوشة، وهي المنجل المستخدم لحصاد القمح والشعير وغيرها من الحبوب. ويدل الاسم على العمل الزراعي الأساسي الذي يتم في هذا الشهر، ألا وهو حصاد القمح وأعمال البيادر التي تعتبر أحد أهم موسمين زراعيين في فلسطين إلى جانب موسم قطف الزيتون.
أما البيدر، وجمعه "بيادر"، ويسمى أيضاً "الجرن"، فهو ساحة مسطحة، غالباً ما تكون صخرية، تقع خارج القرية وتُستخدم لدراسة الحبوب
يمثل الحصاد والدراس على البيدر نهاية لـ "أزمة الغذاء" وبداية لأيام الرخاء والخير؛ لذلك كان يتبرك به الفلاحون ويفرحون بقدومه، حيث كانت أعمالهم العمرانية والاجتماعية مرتبطة به ارتباطاً وثيقاً.
- موسم الأفراح: كان الفلاحون يؤجلون حفلات الزفاف إلى ما بعد موسم البيدر، أملاً في محصول جيد يسدد تكاليف الزواج ونفقاته.
- التعاون الاجتماعي (العونة): يتجلى التعاون في أبهى صوره من خلال "المجاملة" أو "العونة" بين العائلات والجيران لإنجاز أعمال الحصاد والدرس بسرعة فائقة.
- حق الفقراء: يُخصص جزء من المحصول للفقراء والأرامل، ويُترك في الحقل ما يسمى بالـ "لُقاط" ليجمعه المحتاجون دون حرج.
"الشيل" من الحقل إلى البيدر
فور الانتهاء من الحصاد، تبدأ عملية "الشيل"، وهي نقل المحصول بعد حصاده من الحقل إلى البيدر على ظهور الحيوانات كالحمير، أو الخيل، أو البغال، أو الجمال. ويستخدم الفلاحون في هذه العملية "الكادم" (وهو أداة تشبه السلم برجلين اثنتين يوضع مفتوحاً على ظهر الدابة وتُعلق عليه أكوام القش).
وقد كانت الجِمال هي الحيوان الأساسي الذي ينقل الكميات الكبيرة من الغلال إلى البيدر، نظراً لقوتها وتحملها الشديد للأعمال الشاقة. وعند طلة الجمال وهي تتهادى بأحمالها الذهبية بمنظر بهيج، يصيح الأطفال بفرح وسرور وهم يرددون أهزوجتهم التراثية:
حطو ع ظهر الجاهل
حطوا عليه بستاهل
حطو ع ظهر البهلول
حطو عليه حمول حمول
ويكملون:
يا جمال ابو علي صلين ع النبي
والنبي قدامكن الله يجير اصحابكن
يا جَمّال هات هات
هات حنا للبنات
أما البيدر، وجمعه "بيادر"، ويسمى أيضاً "الجرن"، فهو ساحة مسطحة، غالباً ما تكون صخرية، تقع خارج القرية وتُستخدم لدراسة الحبوب. تُجمع عليها أكوام محصول القمح والفول والقطاني (مثل البيكة والكرسنة والعدس) لدوسها ودرسها وفصل حبوبها عن القش. والبيادر في الغالب تكون أرضاً مشاع تقع على أطراف القرية، ويشترط فيها أن تكون مرتفعة ومعرضة للرياح، وخاصة "الهوا الغربي" الذي يعد عنصراً أساسياً في عملية التذرية.

طقوس البيدر
تبدأ طقوس البيدر بمجرد وصول الغلال، حيث يتم تفريغ "الأحمال" وترتيبها في كومة كبيرة تسمّى "العرمة" أو "الصليبة" تمهيداً لبدء العمليات اللاحقة كمايلي:
- التقشيش: تقوم النساء بعملية جمع سيقان القمح الطويلة والذهبية على البيدر قبل درسه، وحفظها في حزم لاستخدامها لنسج الأطباق والصواني الملونة ("صناعة القش").
- الدراس: وهي عملية كسر وتفتيت السنابل وفصل الحبوب عنها. يتم ذلك بفرش الغلال على أرض البيدر الدائرية، ثم سوق الدواب (الخيل، البغال، الحمير، أو الأبقار) فوقها في حركة دائرية مستمرة لعدة ساعات، وغالباً ما تُربط الدواب ب"النورج" او "لوح الدراس" الذي يجلس عليه الفلاح لزيادة الثقل وتسريع عملية الدراس. ومن أغاني الدراس عالبيدر:
نسف يا طبقنا ..تا نلحق رفقنا
رفقنا صبحية.. واردة الميه
لاحقها شبين ..واحد اسمه حسين
- التذرية: بعد طحن السنابل وتحولها إلى خليط من الحب والتبن، ينتظر الفلاحون "هبوب الريح" (الهوا الغربي) ويقول المثل "اذا طاب هواك ذري". يتم قذف الخليط في الهواء باستخدام "المذراة"، فالريح تطير التبن الخفيف بعيداً ليجتمع في كومة تُعرف بـ "التبّانة"، بينما يسقط الحب الثقيل في مكانه مشكلاً كومة صافية تُسمى "صليبة القمح". ومن غناء التذرية قول القائل :
بركة ربي...هانا طبّي
بركة حيدر... في هالبيدر
يا مذراتي دبي وهاتي... ودبي عباتي لوليداتي
- الكيل والعبور: هي الطقوس الختامية لتحديد حجم المحصول ونقل الحب الصافي في "الأكياس". ثم يُكال بـ "الصاع" لمعرفة كمية الإنتاج وحصة الزكاة وأجرة الحلاق والناطور.
- الجورعة: وهي من أجمل طقوس الختام؛ حيث يقوم صاحب البيدر بذبح ذبيحة (شاة أو جدي) وطبخها مع الرز أو الجريشة على البيدر، ويُدعى إليها جميع العاملين، والمساعدين، والمارة، والفقراء احتفاءً ببركة الموسم وتعبير الكرم والشكر لله.
- توزيع القلية والرشفة: أثناء العمل، كانت النساء يجهزن "القلية" (قمح محمص) أو "الرشفة" (شوربة جريشة أو عدس) لتوزيعها على الموجودين لتبث فيهم الطاقة. كما كانت البيادر مكاناً لعقد حلقات الدبكة وأعراس البيدر ليلاً بعد عناء العمل، حيث يتبادل الفلاحون الحكايا والأهازيج تحت ضوء القمر.
المعتقدات الشعبية حول البيدر:
هناك الكثير من المعتقدات الشعبية التي تدور في اطار تعظيم وتقديس القمح والحصاد، وهي وسيلة لإحاطة الموسم الزراعي بغلاف من القيم الروحية والدينية، واستمرار ذكر الله والتسمية في كل عملية من عمليات الحصد والدرس والكيل.
- الحماية من الجن: يسود اعتقاد بأن الجن يسرقون القمح من البيدر إذا لم يُذكر اسم الله عند نقله أو كيله، ويحرص الفلاح على قول "باسم الله" في كل خطوة لمنع "سكان الأرض" من المشاركة في المحصول.
- بركة الكيل: عند كيل القمح، يتجنب الفلاح القرفصاء ويجلس ورجلاه ممدودتان إكراماً للمحصول، ويبدأ العد بقول "الله واحد" ثم يتبعها بكلمات قفوية مباركة مثل "يا رب الأمانة" عند الرقم ثمانية.
- نصيب المساكين (الجاروعة): من التقاليد الراسخة ترك جزء من المحصول في زوايا الحقل دون حصاد، وهو مخصص للأرامل والفقراء والغرباء اتباعاً للسنن القديمة في إغاثة المحتاج.
- التمائم والوقاية: تُخاط حبات من القمح في قبعات الأطفال لحمايتهم، حيث يُعتقد أن القمح يرمز للحياة (عيش) ويجلب طول العمر.
- الحماية بالأولياء: يودع الفلاحون غلالهم وأدواتهم بالقرب من المقامات أو تحت الأشجار المقدسة آمنين من السرقة بفضل هيبة الأولياء. ويُعتقد أن الأولياء يعاقبون السارقين بشدة (كإصابتهم بالعمى مثلاً).
- الوفاء بالنذور: تُقدم صدقات من القمح أو الشعير للدراويش والمساكين على البيدر التماساً للبركة.
- "النجاسة" تجلب النَّحس، وان حاملها ممنوع من ممارسة بعض الاعمال اليومية. فالرجل غير الطاهر (بسبب الجنابة مثلاً) لا يجوز له ملامسة أي شيء مقدس مثل المصحف والقمح، ولا يمكن له المشي في جنازة او حلف اليمين او الذبح. كما لا يستطيع القيام ببعض الأعمال الزراعية مثل بذر الحبوب وحراثة الأرض، وكانوا يقولوا عن الرجل الجُنُب "محراثه مكسور او خربان"، ولا يُسمح له بدخول البيادر ولا لمس صليبة القمح على البيدر.
- أدعية البركة والمجاملة: يرافق عملية الدرس والتذرية والكيل تبادل عبارات محددة بين الفلاح وزواره لضمان طرح البركة، فعندما يمر الجيران، يقولون: "عالبركة" أي بارك الله في محصولك). ويرد الفلاح: "حْضرت يا بركة" (بمعنى أن حضوركم مبارك) أو "الله يزيدك بركة". وعند السؤال عن مقدار المحصول يقول ("قديش البركة؟")، يجب على السائل والسامع قول: "ما شاء الله" أو "اللهم صلِّ على سيدنا محمد"؛ وذلك لإظهار الغبطة والسرور بدلاً من الحسد.
- تعتبر غلال البيدر رزقاً مباركاً يستوجب الحماية من اللصوص ومن الجان الذين يُعتقد أنهم يسعون للاستيلاء على المحاصيل التي لا يُذكر اسم الله عليها. وتتم حمايتها عبر الطقوس التالية:
- كومة الصليبي: تسمى كومة القمح على البيدر قبل قياسها بـ "الصليبي" ويتم حمايتها عبر ختمها بختم خشبي من جوانبها الأربعة ومن الأعلى. يُنقش عليه عادةً الصليب عن المسيحيين أو اسم الجلالة (الله) أو عبارة "بركة الله"، وفي حال عدم توفره، يستخدم المالك كف يده مع أصابعه الممدودة لترك أثر واضح. ويشكل تقاطع الأختام رمزاً يشبه الصليب؛ والهدف منه منع الجان من العبث بالمحصول، والتحقق في الصباح من وقوع أي سرقة بشرية.
- طقوس العد (التسمية): يُعد النطق بالبسملة الركيزة الأساسية لطرد الجان. يتجنب الفلاح الفلسطيني ذكر الأرقام المعروفة (مثل واحد، اثنان، ثلاثة...) صراحةً عند البدء بعملية كيل الحبوب على البيدر، وذلك خشيةً من "العين" والحسد وبدلاً من العدّ التقليدي، يستخدم منظومة من الأدعية والعبارات الإيمانية التي تهدف إلى تمجيد الله وطلب البركة في المحصول.
الأدوات الزراعية
استخدم الفلاح الفلسطيني مجموعة واسعة من الأدوات لتساعده على أعمال البيدر وتخزين الحبوب:
أدوات الدراس (فصل الحَبّ عن السنابل)
- لوح الدراس (النورج): هو لوح خشبي او حديدي مرصع بقطع من حجر البازلت أو الصوان لقطع القش واستخراج الحب، ويستخدم لهرس القش وتحويله إلى تبن وفصل القمح عنه وتجره الحيوانات.
- الدقران (أو الشاعوب): أداة خشبية تنتهي بأربعة أو خمسة أصابع حديدية محدبة قليلاً، وتُعتبر الأداة الرئيسية لتقليب "الطرحة" (المحصول) على البيدر، كما تُستخدم لرمي القش وتوزيعه.
- الدحروجة وأسطوانة الدرس: هي بدائل أو مكملات للوح الدرس التقليدي؛ فالدحروجة أداة ثقيلة تُجر خلف الدواب لتفتيت القش، بينما تتكون أسطوانة الدرس (النورج) من أسطوانة حديدية مجهزة بمناشير أو أسنان حديدية لفرم القش ونزع الحبوب بفعالية أكبر.
- عود الدرس (المخباط): عصا خشبية طويلة تُستخدم لضرب المحاصيل التي تُزرع بكميات قليلة (مثل السمسم والقطاني كالفول والعدس) يدوياً لاستخراج الحب منها دون الحاجة لاستخدام الدواب.
أدوات التذرية (فصل الحَبّ عن التبن)
- المذراة: أداة خشبية تشبه الدقران لكنها أخف ولها أصابع خشبية مجوفة قليلاً، وتُستخدم لرفع المحصول المهروس في الهواء لتقوم الرياح بحمل التبن بعيداً وسقوط الحب في مكانه.
- مجرفة التذرية (الرخت أو الراحة): أداة خشبية تشبه الكف العريض، تُستخدم لنقل القش المهروس وتجميعه، كما تُستخدم في المراحل النهائية من التذرية لفصل ما تبقى من تبن خشن .
أدوات التنظيف والغربلة (فصل الحب عن التراب)
- الِكربال: غربال دائري واسع بفتحات مصنوعة من أمعاء الحيوانات، يُستخدم على البيدر لتنظيف الحبوب من الحجارة الكبيرة وقطع القش الخشنة (العقدة والقصل) وتقوم به النساء.
- الغربال: يأتي بعدة أحجام (خشن وناعم)، ويُستخدم لتنقية الحبوب بشكل أدق من الأتربة والشوائب الصغيرة قبل التعبئة .
- المِلقاة: أداة بسيطة (قد تكون بقايا إبريق أو صفيحة تنك) يحملها سائق الدواب على البيدر لالتقاط روثها وبولها فوراً قبل أن يلوث المحصول.
أدوات الجمع
- مشط الحصاد: أداة خشبية مجهزة بأسنان تُستخدم أحياناً لفرط السنابل وجمع المحصول المتبقي في الحقل.
- القفازات والدراعية: يرتديها الحصادون لحماية أيديهم وبطونهم من الخدوش والأشواك أثناء الحصاد.
- مكنسة البيدر: تُستخدم لتنظيف أرضية البيدر وجمع ذرات القمح المتناثر وهي من نبات البلان (النتش).
- الصاع والثمنية: أوعية خشبية أسطوانية تُستخدم لكيل المحصول النهائي وتحديد كمية الإنتاج.
- الحمالة والظهارية: أدوات خشبية تُوضع على ظهر الدواب (الحمير أو الجمال) لتثبيت أكياس القمح أو حزم القش أثناء نقلها من الحقل إلى البيدر أو البيت.
لقد رحلت تلك الطقوس بتفاصيلها اليومية الشاقة والجميلة، ولكنها تركت خلفها إرثاً عميقاً من قيم العونة، والكرم، والبركة، التي ما زالت تُشكل الجوهر الحقيقي للقرية الفلسطينية حتى يومنا هذا.
الكلمات المفتاحية
تموز "سَلَّاق العَجِر": لهيب القيظ وأيام "التعزيب" في الكروم الفلسطينية
ما إن يحلّ شهر تموز، حتى تتبدل ملامح الحياة في الريف الفلسطيني، ليعلن الصيف عن ذروة عنفوانه وبداية أيام "القيظ" الشديدة
طقوس كيل وتخزين الحبوب في الذاكرة الفلسطينية
لم يكن البيدر الفلسطيني مجرد مساحة لجمع الغلال وسداد ديون العام، بل كان فضاءً روحيّاً واقتصاديّاً تُحرس فيه لقمة العيش بمزيج من الفلكلور واليقين
بعد 32 شهرًا في الاعتقال الإداري.. الإفراج عن القيادي في حماس حسن يوسف
أفرجت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، يوم الخميس، عن القيادي البارز في حركة "حماس" الشيخ حسن يوسف، بعد قضائه نحو 32 شهرًا رهن الاعتقال الإداري
بعد 19 عامًا من اعتقاله لدى الأمن الفلسطيني.. الاحتلال يقدّم لائحة اتهام بحق شادي جمعة
الأسير شادي جمعة يقضي حكمًا بالسجن 20 عامًا في سجون السلطة الفلسطينية، وقد أفرج عنه مؤخرًا قبل أن يعلن الاحتلال اعتقاله في عملية خاصة.
تقرير: الاحتلال يغلق عشرات التحقيقات الخاصة باستشهاد معتقلين من غزة
برر الجيش الإسرائيلي إغلاق الملفات بما وصفه بـ"صعوبات في جمع الأدلة"، رغم أن الوقائع حدثت داخل منشآت تخضع لسيطرته الكاملة.
"إسرائيل" تمهد لخطة بن غفير بإحاطة سجن للأسرى بالتماسيح
وزيرة حماية البيئة في حكومة الاحتلال أجرت تعديلًا على تعريف قانوني يتعلق بالحيوانات البرية، بهدف تجاوز اعتراض سلطة الطبيعة وتمكين نقل تماسيح إلى منشأة لاعتقال الفلسطينيين.
استطلاع إسرائيلي: الائتلاف يتراجع إلى 48 مقعدًا والمعارضة ترتفع إلى 62
بيّن الاستطلاع استمرار تصدّر حزب "ياشار!" برئاسة غادي آيزنكوت المشهد السياسي بحصوله على 22 مقعدًا، متساويًا مع حزب الليكود الذي عزز تمثيله بمقعد إضافي.