ultracheck
تقارير

من النكبة إلى الإبادة.. شلالات الدم وقوافل المهجرين لا تنتهي

15 مايو 2026
النكبة والإبادة
جدارية في الخليل: 78 عامًا على النكبة، لن نرحل | gettimages
أميرة نصَّار
أميرة نصَّار صحافيّة وكاتبة

أكثر من سبعة عقود مرت على النكبة والتطهير العرقي في فلسطين، عاشها عليان عليوة في قطاع غزة على أمل العودة يومًا إلى قريته التي هُجر منها مع أسرته في النقب، قبل أن تنفذ إسرائيل إبادة جماعية في غزة، عمقت الجرح القديم الذي ما زال مفتوحًا في نفوس عليان وآخرين مثله من ضحايا النكبة، وكذلك لدى أبنائهم وأحفادهم في الداخل والشتات، الذين توارثوا الحنين لأرض لم يعرفها غالبيتهم إلا في الصور وحكايات آبائهم وأجدادهم.

بعد عامين ونصف من الإبادة الجماعية، ما زال الفلسطينيون يذكرون نكبتهم بصفتها وجعهم الأول وأصل مأساتهم التي ما زالت مستمرة منذ 78 عامًا

كان الوقت فجرًا حين اقتحم العصابات الصهيونية منزل عليان، ثم أشهر أفراد العصابات أسلحتهم وتحدث أحدهم بلغة عربية ركيكة: "احملوا حالكم واطلعوا وإلا بنقتلكم كلكم".

آنذاك، كان عليان ابن 9 أعوام، ورغم مرور 78 عامًا على النكبة، ما زال يذكر كيف غادروا بيتهم على عجل مدفوعين بالرعب، دون أن يأخذوا من كل ما يملكونه سوى القليل من خبز الطابون وأغطيةٍ وضعتها والدته على ظهر الحمار، وعباءة والده السوداء.

عليان
فقد عليان عباءة والده التي كانت آخر شيء من رائحته

يقول عليان: "كنا نعيش في بيت من الخيش، أنا وأبي وأمي وإخوتي، ثم بنى أبي بايكة حمل حجارتها من معسكر الإنجليز ونقلها على الجمل. وكان عنا طاحونة ندرس فيها القمح الذي نزرعه، ونربي الوز والغنم ونعمل من حليبها جبنة. وكنا أيضًا نزرع البطيخ والبندورة والبامية والفقوس والذرة التركية والعدس".

ويضيف: "كنت أركب الحمار إلى وادي الشريعة القريب على النقب لتعبئة الماء وأعود بها لأسقي مزروعاتنا". ووادي الشريعة، يعرف أيضًا بوادي الشلالة أو وادي غزة، وينبع من جبال الخليل وجبال النقب ليصب في البحر الأبيض المتوسط.

ويشير عليان إلى أن جدته كانت "داية النقب"، وامتلكت أراض مساحتها 200 دونم، ورثها عنها أبناؤها.

تحدث عليان عن كل ذلك بحنين شديد إلى "أيام هداة البال"، مؤكدًا أنهم عندما غادروا منزلهم لم يأخذوا شيئًا لأنهم ظنوا أن رحيلهم لن يستغرق سوى بضعة أيام. والآن بعد 78 عامًا يعيش عليان التهجير والتشريد مرة ثانية بدل العودة إلى أرضه، لكن هذه المرة وسط إبادة جماعية أعنف وأكثر دموية من النكبة.

وفي عام 1948، شردت العصابات الصهيونية أغلبية سكان النقب في جنوب فلسطين، خصوصًا مدينة بئر السبع، فيما بقي 12 ألف عربي فلسطيني في النقب بأكملها، التي تبلغ مساحة أراضيها 60% من مساحة المنطقة المحتلة من فلسطين.

عاش عليان بعد تشريده في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، وهناك تزوج وأنجب أربعة أولاد وثلاث بنات. ويقول إنه عبر إلى "البلاد" عندما كان مسموحًا للفلسطينيين في قطاع غزة بالعمل داخل الخط الأخضر، مبينًا أنه زار اللد والمجدل، لكنه لم يدخل النقب، "وما زال قلبي معلقًا بها، وحتى في هذا النزوح أتذكرها" يقول عليان.

وكما سلبت النكبة من عليان وأسرته منزلهم وبايكتهم وأراضيهم في النقب، أفقدته الإبادة الجماعية منزله في الشجاعية كذلك، لكن الثمن هذه المرة كان أكثر دموية، فقد استُشهد أحد أبنائه وثلاثة من أحفاده.

لم هذه تكن خسارة عليان الوحيدة في هذه الحرب، فهو لا ينسى عباءة والده التي ورثها منه بعد وفاته، وكان يلبسها في الأفراح والعزاء، وهكذا أفقدته الإبادة "آخر ما بقي من رائحة والده الراحل".

ويضيف: "نزحنا في هذه الحرب عدة مرات، وفي شارع الوحدة حاصرونا في منزل ابني، وخرجنا حاملين الرايات البيضاء، ثم نزحنا إلى الجنوب حيث عدنا إلى حياة الخيام". ويصف عليان حياة النزوح والخيام بأنها "عودة إلى النكبة"، لكنها عودة أصعب وأقسى، خصوصًا مع المجاعة التي عاشها لشهور مثل مئات آلاف المحاصرين في قطاع غزة.

ويواصل عليان حديثه قائلاً: "حضرت كل حروب غزة، وكنت أقول إن حرب 2014 الأصعب، حيث نزحنا من بيتنا وقصفها الاحتلال، قبل أن نعيد بناءها مرة أخرى. لكن رغم كل ذلك، لم تمر علينا أيام مثل أيام هذه الحرب، سواء من الدمار أو الموت أو الخوف، وما زلنا حتى الآن غير قادرين على العودة إلى بيتنا بسبب تمركز الجيش في الحي".

ورغم أن عليان عاش في العامين الأخيرين أصعب أيام حياته، وحتى مع تصاعد التهديدات الإسرائيلية باستئناف الإبادة بالوتيرة الدامية التي كانت تُنفّذ قبل اتفاق وقف إطلاق النار، فإن عليان ما زال يحلم بالعودة إلى النقب وزراعة البطيخ وتوزيع محصوله على "الحبايب"، أو على الأقل أن يأتوا له برمل من تراب النقب قبل وفاته.

وفي 15 أيار/ مايو من كل عام، يحيى الشعب الفلسطيني ذكرى النكبة، وهي حرب تأسيس "دولة إسرائيل" بعد ارتكاب جريمة التطهير العرقي، حيث شُرِّد 957 ألف فلسطيني من أصل 1.4 مليون كانوا يقيمون في نحو 1300 قرية ومدينة فلسطينية عام 1948.

وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فقد "صاحب عملية التطهير العرقي اقتراف العصابات الصهيونية أكثر من 70 مجزرة بحق الفلسطينيين أدت إلى استشهاد ما يزيد على 15 ألف فلسطيني".

وبعد عامين ونصف من الإبادة الجماعية، ما زال الفلسطينيون يذكرون نكبتهم بصفتها وجعهم الأول وأصل مأساتهم التي ما زالت مستمرة منذ 78 عامًا. وكذا وجدنا سهام أحمد (84 عامًا) تجلس ومعها أحفادها داخل بقايا بيتها المغطى بالشوادر في حي الزيتون، وما زالت تحدثهم عن قريتها ومسقط رأسها الأول.

تقول سهام: "احنا فلاحين من بيت دراس شمال شرق مدينة المجدل. كانت بيوتنا من الطين والقش والبيوت، ومن أشهر عائلاتها أبو شمالة وبارود والمقادمة ونصار".

تضيف سهام: "احنا البدارسة (نسبة إلى بيت دارس) مشهورين بالكرم والعناد ويباسة الرأس، ومشهورين بزراعة الحبوب من القمح والشعير والفواكه، وكنا نرعى الغنم والمواشي، أما وجبتنا المشهورة فهي المفتول باللحم".

نزحت سهام مع أسرتها تحت ضربات مدفعية العصابات الصهيونية وأخبار اغتصاب النساء التي تناقلها الناس آنذاك. وتوضح أنهم حملوا معهم أثناء خروجهم طعامًا و"كواشين" أملاكهم في البلاد، وانتقلوا إلى قرية البطانة الشرقي، ثم إلى قرية حمامة، قبل أن يتجهوا إلى غزة.

تقول: "وصلنا غزة بأقدام متشققة من كثر المشي. اعتقدنا إنه يومين وراجعين، لكن بدل الرجعة عشنا في خيام الأونروا، ووقفنا على تكايا العدس والحليب".

وكانت سهام أوفر حظًا من عليان، إذ قُدّر لها زيارة قريتها بيت دارس بينما لم يُكتب له زيارة النقب. تقول: "زرت بيت دارس لما تزوجت، ولقطت تفاحها وخوخها وحملت من ترابها إلى غزة وزرعت فيه نعنع".

وبعد مرور 78 عامًا على تهجيرها من بيت دارس إلى غزة، عادت سهام لتتجرع مرارة النكبة مرة ثانية لكن بشكل أقسى، فوفقًا لها، "نكبة 48 كانت نقطة في بحر نكبة 2023، حيث النزوح الطويل بلا نهاية في الأفق، والمجاعة، والدمار غير المسبوق" على حد تعبيرها.

وسيطرت إسرائيل في النكبة على 774 قرية ومدينة فلسطينية، 531 منها دُمرت بالكامل، بينما تم إخضاع المتبقية إلى الاحتلال وقوانينه.

وبحسب جهاز الإحصاء، فإن عدد الفلسطينيين في عام 2026 يبلغ نحو 15.5 مليون نسمة، بينهم 7.4 ملايين نسمة داخل فلسطين، و8.1 ملايين في الشتات. ومن فلسطينيي الشتات يعيش 6.8 ملايين في الدول العربية، أما داخل فلسطين، فيعيش 3.43 ملايين في الضفة الغربية، و2.13 مليون في قطاع غزة. 

الكلمات المفتاحية

عودة مؤقتة لأهالي مخيم طولكرم: مكان غيّر الدمار ملامحه

عودة مؤقتة لأهالي مخيم طولكرم: مكان غيّر الدمار ملامحه

بعد نحو عام ونصف على نزوح أهالي مخيم طولكرم، عادت بعض العائلات الأربعاء، بشكل مؤقت إلى المخيم لجمع ما تبقى من مقتنياتها، في ظل الدمار الذي طال أجزاء واسعة منه


بعد صورته تحت جسر بالقاهرة.. الأسير المحرر نديم عواد: خرجنا من ذل السجن إلى ذل الحياة

بعد صورته تحت جسر بالقاهرة.. الأسير المحرر نديم عواد: خرجنا من ذل السجن إلى ذل الحياة

قال عواد: "اضطررت للنوم تحت الجسر لمدة 15 يومًا، والصورة التي انتشرت ليست سوى جزء مما عشته خلال تلك الفترة"


تعديلات قانون الانتخابات.. نقاش حول التمثيل والشرعية

قانون انتخابات التشريعي: أسئلة تتجاوز التعديل إلى مستقبل النظام السياسي الفلسطيني

المرسوم الرئاسي بتعديل قانون الانتخابات فتح نقاشًا واسعًا يتجاوز الجانب التقني للتعديلات، ليصل إلى جوهر النظام السياسي


إعلان سموتريتش إلغاء ترتيبات "اتفاق الخليل".. خطوة أخرى في مسار ضم الضفة

إعلان سموتريتش إلغاء "اتفاق الخليل".. الضم والتهويد لأغراض انتخابية

يثير إعلان سموتريتش مخاوف من أن يتحول نموذج الخليل إلى سابقة يتم تعميمها في مناطق أخرى

عن بعد.. الولايات المتحدة وإيران توقّعان مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب
أخبار

عن بعد.. الولايات المتحدة وإيران توقّعان مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب

كان في الأصل مقررًا إتمام التوقيع الرسمي يوم الجمعة في سويسرا، غير أن مصادر دبلوماسية أفادت بأن مناقشات جرت لتقديم الموعد، وذلك بهدف فتح مضيق هرمز في أقرب وقت ممكن، وهو ملف توصّل إليه الطرفان إلى اتفاق مسبق.

إسرائيل تسرع اتصالاتها مع لبنان لسـحب ورقـة انـسحاب الجيش الإسرائيلي من يد إيران
أخبار

إسرائيل تسرع اتصالاتها مع لبنان لسـحب ورقـة الانسحاب من الجنوب من يد إيران

قال مسؤول إسرائيلي إن تل أبيب لا تتوقع ضغطًا أميركيًا عليها للانسحاب من لبنان في الوقت الحالي


نقاش في الكنيست: تصاعد الهجرة من إسرائيل بين الشباب وأصحاب الكفاءات
أخبار

نقاش في الكنيست: تصاعد الهجرة من إسرائيل بين الشباب وأصحاب الكفاءات

تسلط الأرقام الضوء على تنامي ما يُعرف بـ"هجرة الأدمغة"، إذ تتركز الهجرة بصورة متزايدة بين أصحاب المؤهلات العلمية والمهنية العالية

"سي أن أن" تنشر نسحة من الاتفاق الأميركي الإيراني المكون من 14 بندًا
أخبار

"سي أن أن" تنشر نسحة من الاتفاق الأميركي الإيراني المكون من 14 بندًا

وصف مسؤولون أميركيون المذكرة بأنها "وثيقة سياسية" لا تعكس الالتزامات الجوهرية التي قدمتها إيران للولايات المتحدة عبر القنوات الخلفية

الأكثر قراءة

1
تقارير

البحر لم يعد متنفسًا.. كيف تغيّر صيف غزة بعد الحرب؟


2
قول

مروان البرغوثي وكأس العالم


3
تقارير

هكذا يُستهدف الأطفال في غزة.. والد الطفل جاد لـ"الترا فلسطين": قبَّل يدي ثم خطفه الصاروخ


4
تقارير

خاص | لقاءات فصائلية قبيل جولة تفاوضية بين حماس والوسطاء: لرد موحد على ملادينوف


5
تقارير

بعد اقتحام سموتريتش.. تصاعد المخاوف من الاستيلاء على برك سليمان