ultracheck
تقارير

من دير البلح إلى غزة.. ساعتان لمسافة عشرين دقيقة

31 مايو 2026
من دير البلح إلى غزة.. ساعتان لمسافة عشرين دقيقة
محمد نشبت
محمد نشبت كاتب صحفي من فلسطين

عند التاسعة والنصف صباحًا، وقف سائد أبو قنيص أمام سيارة متجهة من دير البلح إلى مدينة غزة. الرجل الخمسيني الذي يعمل في مؤسسة التأمين والمعاشات كان يملك، نظريًا، وقتًا كافيًا للوصول إلى اجتماع يبدأ عند الحادية عشرة والنصف. قبل الحرب، لم تكن الرحلة تحتاج أكثر من عشرين دقيقة. لكن غزة اليوم لم تعد تُقاس بالمسافات التي تعرفها خرائطها القديمة.

ما بدأ كحل مؤقت في الأشهر الأولى للحرب، تحوّل مع الوقت إلى واقع دائم فرضته قلة المركبات وغياب البدائل وانهيار الطرق.

حين حاول سائد الصعود إلى السيارة، أخبره السائق أن المقاعد امتلأت، ولم يبقَ سوى المقطورة خلف المركبة، المعروفة محليًا باسم "العقلاة"، وتحوّلت خلال الحرب من حل اضطراري إلى وسيلة النقل الأكثر شيوعًا في القطاع.

"الصحة مش زي أول"، يقول سائد وهو يستعيد الرحلة، ويضيف: "قاعدين على خشب وحديد، والواحد حتى ما بقعد مرتاح. الشادر الذي يغطينا لا يناسب حر ولا شتا، ولولا إني مضطر ما طلعت".

وصل سائد إلى منطقة السرايا في مدينة غزة عند الساعة 11:45، متأخرًا عن موعده، وكانت تنتظره رحلة إضافية داخل المدينة للوصول إلى مكان عمله، إن حالفه الحظ ووجد مواصلة داخلية سريعة.

"العقلاة".. حين تتحول الضرورة إلى نظام نقل

لم تكن "العقلاة" جزءًا من المشهد اليومي في غزة قبل الحرب، وقد ظهرت بداية كحل مؤقت لنقل النازحين والبضائع في ظل تدمير الطرق ونقص الوقود، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى الشكل شبه الرسمي للمواصلات العامة.

اليوم، تحمل بعض المركبات ما يقارب العشرين راكبًا أو أكثر دفعة واحدة داخل "العقلاة"، في رحلات تمر عبر طرق مجرّفة وممرات ترابية وحفر خلّفها القصف.

الحرب لم تدمّر الطرق فقط، بل غيّرت معنى الجغرافيا داخل غزة نفسها.

وتشير بيانات بلدية غزة إلى أن نحو 85% من البنية التحتية للمدينة دُمّرت، تشمل الطرق والمرافق العامة، فيما تتراكم مئات آلاف الأطنان من النفايات والركام في الشوارع، الأمر الذي جعل كثيرًا من الرحلات اليومية أقرب إلى التنقل داخل منطقة منكوبة.

ولم تعد المشكلة مرتبطة بالازدحام فقط، بل بما تتركه هذه الرحلات من إنهاك جسدي يومي.

تقول حليمة نصار، وهي مصابة حرب تخضع لجلسات علاج طبيعي منذ عام 2024، إن رحلة المواصلات نفسها باتت تنسف أثر العلاج. تضحك بمرارة وهي تقول: "تخيل إني محتاجة علاج طبيعي وبطلع بالعقلاة. يلي بيتصلح بأربع أو خمس جلسات بيخرب بمشوار الطريق من كثر الخضخضة. الواحد مش عارف من وين يتلقاها، من الطريق المكسر، ولا المسافة، ولا الشي يلي بنركب فيه".

ما بدأ كحل مؤقت في الأشهر الأولى للحرب، تحوّل مع الوقت إلى واقع دائم فرضته قلة المركبات وغياب البدائل وانهيار الطرق.

سائقون يطاردون الخسارة

خلف كل مركبة مكتظة، يقف سائق يعرف أن أي عطل صغير قد يخرجه نهائيًا من العمل.

يعمل علي سلامة سائقًا على خط خانيونس-غزة. قبل انطلاق إحدى الرحلات، دار نقاش حاد بينه وبين ركاب رفضوا دفع 25 شيقلًا للراكب وأصروا على 20 فقط. الفارق خمسة شواقل، لكن ما وراءه أكبر بكثير.

"الناس بتفكر إننا لما نحمل كثير بنكون ربحانين"، يقول علي، ويضيف: "بس أي شغلة تخرب بالسيارة ممكن توقف رزقي كله. لتر زيت المواتير صار بـ 1700 شيقل، والإطارات من عشرة آلاف وأطلع، والسولار سعره متغير كل يوم. مرات بنستخدم زيت طهي عشان السيارة تكمل معنا".

ويواصل حديثه: "إذا فرط الماتور، بدك تحسب حساب 15 ألف شيقل وفوق حتى تبدأ تصلحه".

الأرقام التي يسردها علي ليست استثنائية. فقد ارتفع سعر لتر السولار في غزة إلى نحو 40 شيقلًا مقارنة بـ6 أو 7 شواقل قبل الحرب، فيما البنزين شبه مفقود في كثير من المناطق. كما تجاوز سعر موتور السيارة الواحدة 28 ألف شيقل بعدما كان بحدود 6 آلاف فقط، بينما باتت تكلفة تغيير زيت السيارة تتخطى 2600 دولار في بعض الحالات.

ويرى المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر أن أزمة المواصلات في غزة لم تعد مرتبطة بالوقود وحده، بل بانهيار متكامل طال البنية التحتية والسيولة النقدية وقطع الغيار، ما جعل تكلفة التنقل ترتفع بصورة تفوق قدرة السكان على التنقل حتى لمسافات القصيرة.

ويضيف أبو قمر أن استمرار القيود على إدخال الزيوت الصناعية وقطع الغيار يدفع كثيرًا من السائقين إلى استخدام بدائل غير مخصصة للمركبات، الأمر الذي يرفع احتمالات الأعطال والحوادث، خصوصًا مع الطرق المدمرة وغياب الصيانة المنتظمة.

وتزداد الأزمة تعقيدًا مع استمرار شُح قطع الغيار. فمن بين أكثر من ثلاثة آلاف شاحنة دخلت القطاع منذ بدء وقف إطلاق النار، لم تُخصَّص لقطع الغيار سوى شاحنة واحدة فقط، وفق بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة.

فوضى الدفع داخل السيارة

ولا تتوقف فوضى المواصلات عند الطريق أو الأجرة. فداخل المركبة نفسها، تدور يوميًا معركة أخرى مرتبطة بالفكة والتحويلات البنكية، بعدما تحوّلت السيولة النقدية إلى أزمة مزمنة في القطاع.

يقول السائق الحسين فياض إن الرحلة الواحدة قد تتحول إلى سلسلة من النقاشات حول طريقة الدفع.

ويضيف: "كنا زمان نشترط فكة. اليوم ما في كاش أصلًا، فصرنا نشتغل على التطبيقات والمحافظ الإلكترونية وجوال باي. حتى بهاي الطريقة ما خلصنا. واحد بده يحول من البيت، والثاني بخلي قريب إله يحول، والثالث بحكي الشبكة فاصلة. ياما مشاوير طلعت بلوشي".

ولهذا يعتمد كثير من السائقين على نقاط إنترنت مجانية منتشرة على الطرق حتى يتمكن الركاب من إتمام التحويلات، في مشهد يبدو أقرب إلى حلول الطوارئ منه إلى نظام نقل داخل مدينة.

غزة التي اتسعت فجأة

تختصر ختام أبو الحصين، النازحة من خانيونس إلى دير البلح، التحول الذي أصاب معنى المسافة داخل القطاع بجملة واحدة: "مشوار دير البلح-غزة صار يحتاج ساعتين في الاتجاه الواحد. هاي المسافة كنا نقطعها قبل الحرب بعشرين دقيقة".

الرحلة ذهابًا وإيابًا تعني أربع ساعات كاملة على الطريق، وهو زمن يقترب من الرحلة بين معبر رفح والقاهرة. تضيف ختام: "شوف قديش بيروح من عمر الواحد يوميًا بس عشان يوصل شغله أو جامعته أو حتى يطش مع أصحابه".

هذا التمدد الزمني ليس مجرد شعور عام، بل نتيجة انهيار واسع أصاب قطاع النقل والبنية التحتية معًا.

في غزة اليوم، لا تُقاس الطرق بالكيلومترات، بل بما تستهلكه الرحلة من وقت الناس وأجسادهم وأعمارهم.

قبل الحرب، كانت شوارع غزة تضم نحو 88 ألف مركبة مرخصة، أما اليوم فتشير تقديرات محلية إلى أن ما بين 25 ألفًا و32 ألف سيارة دُمّرت أو تضررت بفعل القصف، فيما لم يتبقَّ سوى جزء محدود من قطاع السيارات يعمل بصورة جزئية ومتقطعة.

وقدّرت وزارة النقل والمواصلات خسائر القطاع بأكثر من 3 مليارات دولار شملت الطرق والمركبات والمرافق المختلفة، بينما رفع تقييم مشترك للاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والبنك الدولي خسائر قطاع النقل وحده إلى نحو 3.2 مليار دولار. ولم تسلم مركبات الطوارئ من هذا الدمار، إذ دُمّرت 23 مركبة للدفاع المدني، وتضررت 211 سيارة إسعاف خلال عام 2025.

في غزة اليوم، لا تُقاس الطرق بالكيلومترات، بل بما تستهلكه الرحلة من وقت الناس وأجسادهم وأعمارهم.

الكلمات المفتاحية

ملف الترا فلسطين | الإبادة بعد عام من "وقف إطلاق النار": كيف حال غزة؟

ملف الترا فلسطين | الإبادة بعد عام من "وقف إطلاق النار": كيف حال غزة؟

لا يمكن النظر إلى الإبادة في غزة بوصفها حدثًا منفصلًا بدأ في 7 أكتوبر، أو باعتبارها حربًا لها تاريخ بداية ونهاية محددان


موسم الزيتون الدامي.. مزارعون يُقتلون وأشجار تُقتلع ومحاصيل تُسرق

موسم الزيتون الدامي.. مزارعون يُقتلون وأشجار تُقتلع ومحاصيل تُسرق

لم يبدأ موسم قطف الزيتون في الضفة الغربية هذا العام من تحت أغصان الأشجار فقط، بل وسط الرصاص والضرب والملاحقة، في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين وعنفهم


62 ألف اعتداء إسرائيلي في الضفة خلال 3 سنوات.. المستوطنون قتلوا 66 فلسطينيًا

هيئة مقاومة الاستيطان لـ"الترا فلسطين": 62 ألف اعتداء إسرائيلي بالضفة خلال 3 أعوام.. المستوطنون قتلوا 66 فلسطينيًا

هيئة مقاومة الجدار والاستيطان لـ"الترا فلسطين": الأمر لا يقتصر على الاعتداءات الميدانية، وإنما يشمل منظومة واسعة من القرارات التي مسّت الوضع القانوني والإداري للأرض الفلسطينية.


اتفاق غزة في عامه الأول.. وقف للحرب أم تغيير في شكل الإبادة؟

اتفاق غزة في عامه الأول.. وقف للحرب أم تغيير في شكل الإبادة؟

يؤكد قادة الاحتلال تمسكهم بخطة التهجير، وعلى هذا الأساس يتبين أن سياسة الاحتلال حاليًا تركز على دفع الناس إلى الهجرة

تحقيق: عقوبات أميركية على ألبانيز وقضاة في الجنائية الدولية بسبب تحقيقاتهم في جرائم حرب إسرائيلية
أخبار

ألبانيز: إبادة غزة مستمرة.. والعالم أمام مفترق طرق

اتهمت ألبانيز الولايات المتحدة بدعم الإبادة في غزة وباستخدام التهديد ضد الدول التي تصفها واشنطن بأنها شريكة لها.

الاحتلال يعزل الأسيرة الصحفية بشرى الطويل في سجن الرملة
أخبار

الاحتلال يواصل عزل الصحفية بشرى الطويل منذ 46 يومًا

قضية الطويل تسلط الضوء على تصاعد سياسة العزل بحق الأسرى والأسيرات.


بدو النقب - فلسطينيو النقب
راصد

بدو النقب في مرآة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية: تحولات الهوية وانفجار التناقضات

لا تقتصر المخاوف الإسرائيلية حيال النقب على البعد الأمني والعسكري الطارئ، بل تلتحم بها بعمق هواجس ديموغرافية ووجودية مزمنة.

هآرتس: البنوك الإسرائيلية تخشى عقوبات دولية بسبب تمويل الاستيطان
أخبار

هآرتس: البنوك الإسرائيلية تخشى عقوبات دولية بسبب تمويل الاستيطان

أفادت "هآرتس" بأن البنوك الإسرائيلية تخشى تعرضها لعقوبات دولية بسبب تمويل مشاريع استيطانية في الضفة الغربية، وسط قلق متزايد من تداعيات المشاركة في مشروع E1 الاستيطاني

الأكثر قراءة

1
تقارير

ملف الترا فلسطين | الإبادة بعد عام من "وقف إطلاق النار": كيف حال غزة؟


2
مقابلات

من الحبر إلى الأمن.. الخالدي يكشف لـ "الترا فلسطين" ترتيبات الانتخابات التشريعية بغزة


3
تقارير

ملف | الانتخابات الإسرائيلية 2026: أسئلة الحرب واليمين والمعارضة وفلسطين


4
قول

الجنرالات التائبون


5
تقارير

تسمم وأمراض تهدد النازحين.. من يضمن سلامة مياه الشرب في غزة؟