مواليد حرب غزة.. التهديد يبدأ في بطون أمهاتهم
17 ديسمبر 2024
حياةٌ خارجة عن كل مخططات الأهل تنتظر رُضّعا بحجم الكف، وقد يكونوا بحجم الكفّ حقيقة لا مجازًا، فالولادة بوزن أقل من الطبيعي من الملاحظات الشائعة بخصوص المواليد خلال الحرب الإسرائيلية على غزة البالغ عددهم 3940٠ مولودًا على مدار شهورها الأربعة عشر.
الشُحّ في كل شيء
من مدينة غزة، حيث المجاعة التي تفتك بالصامدين فيها، تتحدث ياسمين محيسن عن ولادة طفلها الأول بعد سنوات من الانتظار.
سُجّلت 1300 حالة ولادة على الأقل لرضع ولدوا بوزن أقلَّ من الوزن الطبيعي، خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة
واندلعت الحرب وياسمين في شهرها السادس من الحمل، فواجهت مخاطر كادت تودي بحياة الجنين، لانقطاع أدوية تثبيت الحمل اللازمة لها، ولعدم تمكنها من زيارة الأطباء للاطمئنان على جنينها.
مرّت مرحلة نقص الغذاء وغياب الدواء بصعوبة، إلى أن اقترب موعد الولادة، واقتربت معه قوات الاحتلال من البيت الذي لجأت إليه، فاضطرت ياسمين محيسن للنزوح إلى مدرسة تبعد عن المكان قليلاً، لكن الخطر والرعب فيها قائمان.
في الطريق إلى مجمع الصحابة الطبي، لم يكن يشغل تفكيرها سوى وصولها وجنينها أحياء، ولما وصلت كان بانتظارها خوف آخر، فغرفة العمليات تفتقر لأدنى معايير النظافة والدماء تُغرق أرضها، على حد وصفها.
تقول ياسمين: "الطبيب المُكلف بإجراء العملية القيصرية كان في وضع نفسي يُرثى له بسبب حصار عائلته، كان عاجزًا عن التفكير وتردد في إجراء العملية، ولم ينفذها إلا بعد محاولات إقناع كثيرة".
وفور انتهاء العملية، وبينما تشعر بالخوف لعدم وجود أمها وأخواتها حولها، حيث نزحن إلى جنوب القطاع، وقبل أن تصبح قادرة على المشي، كان الهروب تحت الرصاص ضروريًا، فالمستشفى مهدد بالحصار.
عادت ياسمين محيسن، بصغيرها إلى المدرسة، حيث الشُحّ في كل شيء، فلا أدوية ولا مسكنات ألم، ولا تغذية تساعدها على منح رضيعها حليبًا مشبعًا، حتى الملابس المناسبة له كانت محدودة تمامًا.
وتضيف ياسمين: "عدا عن سوء تغذيتي، فإن توتري زاد مشكلة الحليب سوءًا، فاشتريت له حليبًا صناعيًا بأسعار مرتفعة، وبالطبع لم يكن الحصول عليه سهلاً لنقصه في الأسواق، حاله حال الحفاضات". وتبين أنه "لا حصر للمخاطر على المواليد، من أبسطها دخان النيران التي نشعلها باستخدام الحطب، لكن لا مفر منها".
كلما كبر الطفل، زادت احتياجاته، لكن المدينة فرغت من أغلب الأساسيات، بالإضافة إلى المشاكل المادية بعد تعطل والده عن العمل بسبب الحرب، فكان لا بد من البدائل، "فمثلًا أُعد له (العصيدة) من الدقيق والماء والسكر بديلا عن الحليب، وأستخدم الأقمشة بدل الحفاضات".
وتؤكد ياسمين أن نقص التغذية ترك آثارًا واضحة على نمو ابنها الذي يوشك أن يتم عامه الأول، فقد بدأ ينمو دون تناول الخضروات والفواكه، لذا فهو بحاجة للمكملات الغذائية، لكن الحصول عليها شبه مستحيل.
وبرد الخيمة أيضًا...
قبيل الفجر، والدبابات على مقربة من المنزل، خرجت مريم الشوبكي من بيتها بصعوبة بعدما طالته القذائف وبدأت النيران بالتهام أجزاء منه، وبعد أيام قليلة كانت ترتعد خوفًا وهي تمشي بصغيراتها الثلاثة أمام جنود الاحتلال نازحة لمحافظة خانيونس.
عندما مرّت مريم الشوبكي بهذا الخوف وما سبقه وتلاه من مواقف صعبة، لم تكن تعلم أنها في شهرها الأول من الحمل وتحتاج لراحة جسدية ونفسية لضمان سلامتها وسلامة جنينها.
تراجُع صحتها أجبرها على التوجه لنقطة طبية قريبة من خيمتها، ولما أخبرها الطبيب أنها حامل، قررت أن تعتني بنفسها، "لكن هذا شبه مستحيل" كما تقول.
وتضيف: "الخيمة ليست بيئة صحية على الإطلاق، وفيها ما يكفي من المهام الشاقة مثل العجن والطبخ على الحطب وغسل الملابس يدويًا، أما التغذية الجيدة فهي بعيدة المنال، حيث المعلبات التي لا بديل عنها". وتتابع: "النتيجة أنني فقدت 30 كيلو جرامًا من وزني خلال الحمل، وبالتالي كان وزن ابنتي عند الولادة 2300 جرامًا فقط".
صغيرتها "رسيل" رأت النور في ظروف معقّدة، فبعد ولادتها بأربعة أيام فقط، اجتاحت قوات الاحتلال المنطقة، ونزحت أسرتها لخيمة للأقارب تكدس فيها 18 شخصًا.
في هذا النزوح، التهب جرح العملية القيصرية للأم، فلم تعد قادرة على رعاية الرضيعة التي غطت الحبوب جسدها بسبب حرارة الخيمة العالية الناتجة عن كثرة النازحين فيها.
تقول مريم الشوبكي: "عندما أتمت ابنتي أسبوعها الأول لم يكن حصولها على اللقاح الخاص بهذا العمر متاحًا، نتيجة إغلاق النقاط الطبية إثر اجتياح المنطقة، فتأخر الأمر 10 أيام أخرى".
وتضيف: "أما تطعيم الشهر الأول فلم يتأخر، لكن حرارتها ارتفعت على إثره، ولم أجد في الصيدليات ميزان حرارة، فتنقلتُ بها بين نقاط طبية، وتبين أنها مصابة بفيروس ويجب إبقاءها في المستشفى خمسة أيام".
وتابعت: "هنا ظهر صراع بيني وبين نفسي، هل أبقى مع رضيعتي في المستشفى أم أذهب لبناتي في الخيمة؟ كان القرار صعبًا جدًا، فلا يمكنني البعد عن طفلاتي الثلاث في ظروف الحرب". في النهاية، اضطرت الشوبكي للبقاء في المستشفى؛ لأن الخيمة لا تصلح لرعاية الرضيعة ولا توفر ظروفًا مناسبة لتعافيها.
وعلى نفس المنوال، استمرت الصعاب بالظهور في حياة المولودة، فالمياه التي قال الأطباء، إنها سبب مرضها الأول لا تزال ملوثة، وبالتالي فإن الأمراض الجلدية تتوالى في الظهور، مع غيابٍ شبه تامٍ للأدوية المطلوبة.
وتوضح مريم الشوبكي، أن "مشاكل النظافة في الخيمة كثيرة وخارجة عن سيطرتي، والمياه ملوثة، والرمل يملأ المكان، والذباب لا يفارقنا، ودورة المياه بعيدة عن الخيمة ما يزيد الأمر صعوبة، ناهيك عن أزمة حفاضات الأطفال، فالعبوة الواحدة قد يصل سعرها إلى نحو 70 دولارًا".
وتُبين مريم الشوبكي، أنها تعاني كثيرًا في توفير التغذية السليمة للرضيعة، فالحليب المتوفر باهظ الثمن، وبأنواع رديئة، أما الخضروات والفواكه فلا يمكنها شراؤها باستمرار لارتفاع سعرها، هذا إن توفرت في الأسواق، لذا تضطر؛ لأن تسقي رضيعتها مشروبات أعشاب مثل البابونج. وتشير السوبكي إلى أن ابنتها بحاجة لحبوب الفيتامينات لمدة سنتين، لكنها غير متوفرة. ومما يفاقم مشكلة التغذية، أن "حليب الأم لم يعد مغذيًا كما يُفترض، لأن الأمهات لا يجدن طعامًا مناسبًا" كما تقول.
وتستذكر الشوبكي العناية التي كانت تقدمها لبناتها في مثل هذه المرحلة العمرية: "كنت أستمتع بإعداد وجبات خاصة من الخضروات والفواكه، ووفّرت لهن كل مستلزمات الأطفال كالسرير وكرسي الطعام والألعاب، وجهزت لكل منهن ملابس خاصة قبل الولادة، أما رسيل فلم أجد حاجتها حتى في محلات الملابس المستعملة".
استهداف جيل كامل
ويؤكد رئيس قسم الأطفال في مستشفى ناصر، الدكتور أحمد الفرا، أن الشهور الستة الأولى من حياة الإنسان تمثل فترة حساسة لبنائه، لا تناسبها أبدًا نشأة الخيام والأمراض وظروف الحرب.
ويوضح أحمد الفرا لـ"الترا فلسطين"، أن مخاطر الحرب على المواليد متعددة، والشكل المباشر منها هو القتل بالسلاح بأنواعه المختلفة، لكن أشدها ضررًا هو ما ينتج عن الحصار المفروض على القطاع، "فبسبب الحصار تصبح الحياة غير مناسبة للمواليد في أغلب نواحيها، مثل تلوث المياه وانعدام الأمن الغذائي".
ويقول: "ظروف الحرب والنزوح غير مواتية لحدوث الحمل، وإن حدث فالأم تعاني نقصًا شديدًا في العناصر الغذائية الأساسية، والعناصر النادرة مثل الحديد، وتحيط بها مشاكل كثيرة مثل المياه الملوثة، وعدم القدرة على متابعة الحمل".
ويضيف أحمد الفرا، أن في حال اكتمل الحمل، فلحظة الولادة بحد ذاتها عبء وخطر، "لأن الوصول للمستشفيات صعب نتيجة غياب وسائل المواصلات والخطر الأمني في الطريق إليها".
ويُلاحظ في حمل الحرب نقص وزن الأجنة، وشيوع التشوهات الخلقية، والولادة المبكرة، والإجهاض في حالات كثيرة، بحسب الفرا، الذي يؤكد أن صحة الأم وتغذيتها السيئة تنعكسان أيضًا على الرضاعة الطبيعية، فلا تعطي ابنها حليبًا مشبعًا مكتمل العناصر.
ويشير أحمد الفرا إلى أن الكثير من الأمهات تعزفن عن الرضاعة الطبيعية لانعدام الخصوصية في أماكن النزوح، وخاصة الخيام، في حين أن الحليب الصناعي ليس بديلاً يمكن الاعتماد عليه في الحرب، فهو لا يتوفر في الأسواق دومًا، وأسعار الموجود منه عالية.
يشير أحمد الفرا إلى أن الكثير من الأمهات تعزفن عن الرضاعة الطبيعية لانعدام الخصوصية في أماكن النزوح، وخاصة الخيام، في حين أن الحليب الصناعي ليس بديلاً يمكن الاعتماد عليه في الحرب
ويضيف: "نقص الحليب الصناعي يسبب للطفل ضعفًا شديدًا يُضاف للضعف الموجود أصلاً، عدا عن أن إعداده يحتاج مياها نقية مغلية، والمياه هنا ملوثة". هذا عدا عن "حاجة الطفل لمكملات أساسية وعناصر لازمة لنمو الدماغ، وكلها مفقودة".
ويشير الفرا إلى مشكلة المياه الملوثة وتأثيرها على المواليد الجدد، "بعدما انتقلت مياه الصرف الصحي للآبار الجوفية بسبب الخلل في معالجتها، وبالتالي يشرب الرضيع، حاله حال كل المواطنين، مياهًا ملوثة، ما يصيبه بنزلات معوية متكررة تؤدي لنقص التغذية والضعف في كل أجزاء جسمه". ويتابع: "الاستحمام بهذه المياه يصيب الرضع بالتهابات جلدية معاندة للعلاجات الدوائية العادية".
ويصف الدكتور أحمد الفرا استخدام الأقمشة بدل الحفاضات بالكارثة، فهي تصيب الرضيع بـ"التهاب جلد حفاضي"، ما يسبب له ألمًا شديدًا وحكة وبكاء متواصلا.
ومع دخول فصل الشتاء، تظهر مشكلة البرد، خاصة في الخيام، وهنا يؤكد الفرا أن "هذه الأجواء تسبب أمراضًا في الجهاز التنفسي، مع صعوبة الحفاظ على صحة الطفل الكاملة ونظافته". ويضيف: "لو أُصيب الطفل بمرض بسيط مثل الانفلونزا ولزمه مضاد حيوي عن طريق الفم فأغلب المضادات الفموية غير موجودة، ما يضطرنا لإدخاله المستشفى وحقنه بمضاد وريدي".
وبحسب وزارة الصحة، فإن عدد المواليد خلال الحرب، حتى تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، بلغ 39 ألفًا و400 مولود. بينما زاد عدد النساء الحوامل في الفترة ذاتها عن 57 ألف سيدة، وسُجلت 16 حالة وفاة، على الأقل، أثناء الولادة.
وبسبب انهيار أنظمة المعلومات في وزارة الصحة إثر الحرب، لا تتوفر أرقامٌ دقيقةٌ لوفيات المواليد، لكن رُصدت زيادة كبيرة في عدد المواليد الذين يتم إدخالهم وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة، فقد وصلت النسبة خلال الحرب إلى 7.5 في المئة، مقارنة بـ4.5 في المئة قبل الحرب. كما سُجّلت 1300 حالة ولادة على الأقل لرضع ولدوا بوزن أقلَّ من الوزن الطبيعي.
ووفق الملاحظات المرصودة لدى الوزارة، فإن من أكثر المخاطر التي يتعرض لها المواليد في الحرب سوء التغذية الناتج عن سوء تغذية الأمهات وصحتهن خلال الحمل، ونقص حليب الأطفال، ما يؤدي لمشاكل صحية كثيرة تصيبهم.
الكلمات المفتاحية
الكاتب باسم خندقجي يختتم "ثلاثية المرايا" برواية "فراشات مريم الجليلية"
اختتم الكاتب الفلسطيني باسم خندقجي مشروعه الروائي "ثلاثية المرايا" بجزء أخير تحت عنوان "فراشات مريم الجليلية"، يركّز على تطوّر العلاقة بين شخصيتي "مريم فاطم" و"أور"، في سردية تتناول صراع الهوية عبر اللغة والذاكرة.
كتاب "ماء ورد": تأمل سردي في المجزرة والألم الإنساني
يقدّم الكتاب نصوصًا تتأمل المجزرة بوصفها حضورًا يوميًا يطال الوعي والذاكرة
تقرير مدار الاستراتيجي: مأزق "إسرائيل الجديدة".. فائض القوة بلا إنجاز سياسي
يختم التقرير بالإشارة إلى أن البيئتين الدولية والإقليمية، لا سيما في ظل إدارة دونالد ترامب، وفّرتا لإسرائيل هامشًا واسعًا للتحرك عبر تقويض منظومات الضبط الدولي
القناة 12: كتيّب سري لدى شرطة الاحتلال يوثق قادة "الإرهاب اليهودي" بالضفة
القناة 12 تنشر تقريرًا يرصد اتساع نفوذ "فتية التلال" وتصاعد هجمات المستوطنين في الضفة.
الاحتلال يرحّل سيف أبو كشك وتياغو أفيلا بعد أسبوعين من اعتقالهما
عدالة: مجمل الإجراءات التي تعرض لها الناشطان منذ اعتراض السفينة وحتى ترحيلهما تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي.
العليا الإسرائيلية تصادق على قرار بمنع الصليب الأحمر من زيارة الأسرى
حكومة الاحتلال ستسمح للصليب الأحمر بزيارة السجون التي يُحتجز فيها أسرى فلسطينيون، دون السماح بعقد لقاءات مباشرة مع المعتقلين أنفسهم.
غزة تحت النار: شهيدان من الشرطة بقصف مركبة في خانيونس
استشهد مدير مباحث خانيونس، وسام عبد الهادي، ومرافقه فادي هيكل، إثر قصف نفذته طائرة مسيّرة إسرائيلية استهدف مركبة في حي الأمل.