ultracheck
تقارير

موجة غلاء جديدة في الضفة الغربية: "تقنين فوق التقنين"

6 أبريل 2026
غلاء الأسعار في فلسطين
محمد غفري
محمد غفري صحافي من رام الله

ما إن أتم العدوان على إيران شهره الأول، حتى وجد المواطن الفلسطيني نفسه في مواجهة موجة جديدة من الضغوط الاقتصادية، بدأت بارتفاع أسعار المحروقات ولم تتضح بعد حدود تداعياتها على أسعار السلع الأساسية.

تقول فيحاء البحش إن أي ارتفاعات حالية تندرج ضمن حالات تلاعب فردية، وليست تغيّرًا عامًا في السوق، لكن هذا الاستقرار ليس مضمونًا على المدى المتوسط

وبين تطمينات رسمية باستقرار الأسعار خلال الفترة الحالية، وتحذيرات خبراء من استغلال محتمل، تتصاعد مخاوف المواطنين من مرحلة مقبلة قد تكون أكثر قسوة على قدرتهم الشرائية، في اقتصاد يعاني أصلًا من هشاشة مزمنة.

مطلع شهر نيسان/أبريل الجاري، أقرت الهيئة العامة للبترول رفعًا ملحوظًا على أسعار المحروقات والغاز، مدفوعة بارتفاعات عالمية في أسعار الطاقة نتيجة الحرب والتوترات الإقليمية. هذه الزيادة لم تكن تقنية أو هامشية، بل جاءت كبيرة نسبيًا، خصوصًا على السولار والغاز، ما انعكس فورًا على تكاليف النقل والتشغيل.

وأوضحت الهيئة في بيان صحفي، أن سعر لتر البنزين (95) سيبلغ 7.90 شواقل، بزيادة قدرها 1.05 شيقل، فيما سيصل سعر لتر البنزين (98) إلى 8.86 شواقل بارتفاع 1.06 شيكل، كما ارتفع سعر لتر السولار، وهو الأكثر استخدامًا، إلى 8.40 شواقل، بزيادة كبيرة بلغت 2.44 شيكل، في حين صعد سعر أسطوانة الغاز المنزلي (12 كغم) بنحو 20 شيقلًا ليصل إلى 95 شيقلاً في المحطات، يُضاف إليها تكلفة النقل إلى البيوت.

مخاوف من استغلال التجار

وفي الحالة الفلسطينية، لا تُسعر المحروقات بمعزل عن السوق الإسرائيلي، ما يجعل أي ارتفاع خارجي ينتقل بشكل شبه مباشر إلى السوق المحلي، مع الحفاظ على نفس البنية الضريبية، الأمر الذي يضاعف من الأثر على المستهلك النهائي.

ويؤكد الخبير الاقتصادي نصر عبد الكريم في حديث لـ"الترا فلسطين" أن هذا الارتفاع يمكن تفسيره ضمن هذه المنظومة، لكنه يشير إلى أن الزيادات في فلسطين كانت أعلى نسبيًا مقارنة ببعض الدول، ما يثير تساؤلات حول هامش التسعير المحلي.

ورغم ارتفاع المحروقات، تؤكد الجهات الرسمية وجمعيات حماية المستهلك أن أسعار السلع الأساسية لم تشهد حتى الآن تغييرات ملموسة.

وتقول رئيسة جمعية حماية المستهلك فيحاء البحش إن أي ارتفاعات حالية تندرج ضمن حالات تلاعب فردية، وليست تغيّرًا عامًا في السوق.

لكن هذا الاستقرار، وفق البحش، ليس مضمونًا على المدى المتوسط، إذ إن استمرار الحرب وارتفاع تكاليف النقل عالميًا ومحليًا قد ينعكس لاحقًا على الأسعار، خصوصًا في القطاعات الإنتاجية كالمخابز والمزارع والمصانع.

وتضيف في تعقيب لـ"الترا فلسطين" أن المخزون الحالي من السلع، الذي يتراوح بين 3 إلى 6 أشهر، يشكل عامل أمان مؤقت، يفترض أن يمنع أي ارتفاع فوري، خصوصًا أن هذه السلع تم استيرادها بأسعار سابقة، ما يجعل رفع أسعارها الآن غير مبرر اقتصاديًا.

ويتعلق أحد أبرز محاور الجدل في السوق حاليًا بسلوك بعض التجار، في ظل هذه المتغيرات. إذ يشير نصر عبد الكريم إلى وجود خيارين أمام التجار: إما الامتناع عن البيع مؤقتًا انتظارًا لارتفاع الأسعار، أو رفع الأسعار بشكل مباشر استباقًا للمرحلة المقبلة.

ويصف عبد الكريم هذه الخيارات بأن "أحلاهما مر"، لكنها في الحالتين تصب في خانة الضغط على المواطن، وتفتح الباب أمام ما يعده "استغلالًا واضحًا".

في المقابل، يؤكد ممثلو القطاع الصناعي والغذائي أن الوضع أكثر تعقيدًا، إذ تواجه الشركات ارتفاعًا في تكاليف الإنتاج، إلى جانب ضعف القدرة الشرائية، وتراجع فرص التصدير، خصوصًا مع العراقيل المفروضة على حركة البضائع.

وفي محاولة لاحتواء أي موجة غلاء، توصلت وزارة الاقتصاد إلى اتفاق مع ممثلي القطاع الخاص بتثبيت أسعار السلع الغذائية خلال شهر نيسان/أبريل، مع تشكيل لجان متخصصة لدراسة التكاليف الفعلية، وتحديد أي زيادات مستقبلية بشكل مدروس.

وقال مدير عام اتحاد الصناعات الغذائية بسام أبو غليون أن هذا القرار جاء رغم التحديات الكبيرة التي تواجهها المصانع، مؤكدًا أن القطاع الصناعي سيتحمل هذه الضغوط مؤقتًا، على أمل اتضاح الصورة لاحقًا.

وأضاف أبو غليون في تعقيب لـ"الترا فلسطين" أن ضعف القدرة الشرائية يشكل عاملًا رادعًا لأي ارتفاع، إذ إن السوق يعاني أصلًا من ركود، والبضائع متكدسة، وأي زيادة جديدة قد تؤدي إلى مزيد من الكساد، وربما تلف المنتجات، خصوصًا الغذائية منها.

الفلسطيني أكثر تأثرًا بالأزمات من غيره

وما يجعل تأثير هذه الأزمة أكثر حدة في فلسطين، بحسب نصر عبد الكريم، هو غياب أدوات الحماية الاجتماعية، مقارنة بدول أخرى، مبينًا أن تأثر المواطن الفلسطيني بارتفاع الأسعار يفوق نظيره في العديد من الدول، وذلك لعدة أسباب جوهرية.

ويشرح عبد الكريم أسباب التأثر مبينًا أن أولها يرتبط بضعف الإمكانيات والظروف العامة في فلسطين، سواء على مستوى الحكومة أو المواطنين، إذ تفتقر السلطة الفلسطينية إلى القدرة الكافية على التدخل للدعم أو السيطرة الفاعلة على الأسواق.

وفي المقابل، يعاني المواطن أصلًا من إرهاق اقتصادي متراكم نتيجة سنوات من التراجع في الأوضاع المعيشية، وتذبذب الاقتصاد، وتعدد الأزمات، ما يجعل انكشافه أمام المتغيرات العالمية أكبر وأكثر إيلامًا مقارنة بغيره.

أما السبب الثاني وفقًا لعبد الكريم فيتمثل في غياب ما يُعرف بالتعويض عن غلاء المعيشة، وهو إجراء معمول به في العديد من الدول لموازنة أثر ارتفاع الأسعار على المواطنين. فعلى سبيل المثال، رفعت إسرائيل الحد الأدنى للأجور بالتزامن مع ارتفاع الأسعار، بما يضمن بقاء جزء من مظلة الحماية للمواطن.

وتحدث عبد الكريم عن سبب ثالث لتأثر الفلسطينيين بارتفاع الأسعار أكثر من غيرهم، ويتعلق بضعف أو شبه غياب منظومة الحماية الاجتماعية، إذ تفتقر فلسطين إلى شبكات دعم متكاملة كالتي تتوفر في دول أخرى، والتي تشمل إعانات البطالة، والضمان الاجتماعي، والمساعدات النقدية، والتأمينات، والرعاية الصحية الشاملة.

يقول: "هذه الأدوات تشكل في تلك الدول سندًا للمواطن في أوقات الأزمات، بينما يفتقدها المواطن الفلسطيني إلى حد كبير، ما يزيد من هشاشته الاقتصادية".

ويشير عبد الكريم إلى أن المواطن الفلسطيني يتعرض لضغوط معيشية متراكمة منذ سنوات، ما أدى إلى تآكل قدرته الشرائية بشكل ملحوظ. وحتى في حال توفر دخل ثابت، فإن هذا الدخل لم يعد يتناسب مع الارتفاع المتواصل في الأسعار، وهو ما يُعرف بتراجع "القوة الشرائية المعادلة"".

وعند مقارنة الوضع بدول أخرى، تتضح الفجوة بشكل أكبر، إذ إن الأسعار في فلسطين تقترب من مستوياتها في إسرائيل، في حين يبقى متوسط الدخل أقل بكثير لدينا.

ويبلغ الحد الأدنى للأجور في فلسطين نحو 1830 شيقلًا، مقابل ما يقارب 6500 شيقل في إسرائيل، أي أن الحد الأدنى للأجور في إسرائيل أكثر من ضعفين ونصف الحد الأدنى في فلسطين، ما يعكس حجم الاختلال بين الدخل وتكاليف المعيشة.

وبناءً على ذلك، فإن أي ارتفاع في الأسعار في السياق الفلسطيني يكون أشد وقعًا، نظرًا لأن المواطن يعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية وانكشاف مسبق، حتى قبل دخول هذه الارتفاعات حيّز التنفيذ.

على المستوى الرسمي، عقد رئيس الوزراء اجتماعًا "لبحث سبل تعزيز الرقابة على الأسواق، وضبط الأسعار، والتصدي لأي استغلال".

وأكدت الحكومة على ضرورة الحفاظ على استقرار أسعار السلع الأساسية، وضمان توفر مخزون استراتيجي يشمل 16 سلعة رئيسية، إلى جانب تكثيف الجولات الرقابية، وتفعيل قنوات الشكاوى.

ما يجعل تأثير هذه الأزمة أكثر حدة في فلسطين، بحسب نصر عبد الكريم، هو غياب أدوات الحماية الاجتماعية، مقارنة بدول أخرى

كما شددت على أهمية التنسيق مع القطاع الخاص، الذي أبدى التزامًا واضحًا بتثبيت الأسعار، في إطار ما وصفته الحكومة بـ”الشراكة الوطنية” لمواجهة تداعيات الأزمة.

لكن رغم هذه الإجراءات، تبقى المخاوف قائمة، بل ومتزايدة، خصوصًا مع استمرار الحرب بلا موعد متوقع لنهايتها، وما تفرضه من ضغوط على سلاسل التوريد العالمية.

تشير فيحاء البحش إلى أن تأثير مضيق هرمز على فلسطين غير مباشر، لكن الارتفاع العالمي في الأسعار قد يصل في نهاية المطاف إلى السوق المحلي، نظرًا لاعتماد الاقتصاد الفلسطيني على الاستيراد، فضلاً عن أن التغيرات في حركة النقل، سواء عالميًا أو حتى داخل الضفة الغربية، قد تلعب دورًا إضافيًا في رفع التكاليف.

ويسود شعور بالقلق والترقب في الشارع الفلسطيني. فالمواطن، الذي يعاني أصلًا من تراجع دخله وارتفاع تكاليف المعيشة، يخشى من موجة غلاء جديدة قد تفوق قدرته على الاحتمال. ووسط هذه الظروف فإن الحديث عن "تقنين فوق التقنين" لم يعد مبالغة، بل واقعًا تعيشه العديد من الأسر، التي اضطرت لتقليص استهلاكها إلى الحد الأدنى.

الكلمات المفتاحية

المرور عبر معبر كرم أبو سالم

رحلة العودة إلى غزة.. ساعات طويلة من التفتيش والمصادرة والاعتقال عند كرم أبو سالم

إجراءات إسرائيلية مشددة وانتهاكات متكررة بحق المسافرين تشمل سرقة المقتنيات والاعتقال وسوء المعاملة، ازدادت تعقيدًا عقب استحداث نقطة تفتيش جديدة داخل معبر كرم أبو سالم.


محمود عباس.jpg

الانتخابات التشريعية.. هل يصمد موعد نوفمبر أمام تحديات الانقسام والقدس وغزة؟

يتناول هذا التقرير فرص الالتزام بالموعد المعلن للانتخابات، في ظل التعقيدات السياسية والأمنية والقانونية التي لا تزال تحيط بالعملية الانتخابية.


الغارديان: التعذيب والموت في سجون إسرائيل أمر اعتيادي لا يحاول الإسرائيليون إخفاءه

الغارديان: التعذيب والموت في سجون إسرائيل أمر اعتيادي لا يحاول الإسرائيليون إخفاءه

كل ذلك يحدث على مرأى من الجميع، ومع ذلك، نادرًا ما تُقابل باحتجاج داخل إسرائيل، أو تثير غضبًا حقيقيًا لدى حلفاء إسرائيل في الغرب


قرار رئاسي: زيادة عدد أعضاء المجلس التشريعي وخفض سن الترشح ونسبة الحسم

من المجلس الوطني إلى التشريعي.. لماذا غيّر محمود عباس وجهة الانتخابات الفلسطينية؟

يرى مراقبون أن القرار لا يمكن فصله عن المتغيرات التي فرضتها حرب غزة، ولا عن النقاشات الدولية المتصاعدة بشأن الدور الذي يُفترض أن تضطلع به السلطة في المرحلة المقبلة.

المرور عبر معبر كرم أبو سالم
تقارير

رحلة العودة إلى غزة.. ساعات طويلة من التفتيش والمصادرة والاعتقال عند كرم أبو سالم

إجراءات إسرائيلية مشددة وانتهاكات متكررة بحق المسافرين تشمل سرقة المقتنيات والاعتقال وسوء المعاملة، ازدادت تعقيدًا عقب استحداث نقطة تفتيش جديدة داخل معبر كرم أبو سالم.

المكتب الحكومي بغزة: 3689 خرقًا إسرائيليًا لاتفاق وقف إطلاق النار خلال 275 يومًا
أخبار

المكتب الحكومي بغزة: 3689 خرقًا إسرائيليًا لاتفاق وقف إطلاق النار خلال 275 يومًا

أشار المكتب يوم الثلاثاء إلى دخول 58,664 شاحنة فقط إلى قطاع غزة من أصل 165,000 شاحنة كان يفترض دخولها حتى اليوم


داخلية غزة: استشهاد مدير شرطة مخيم جباليا وضباط جراء مجزرة للاحتلال غربي المخيم
أخبار

داخلية غزة: استشهاد مدير شرطة مخيم جباليا وضباط جراء مجزرة للاحتلال غربي المخيم

ارتكب جيش الاحتلال الإسرائيلي ظهر يوم الثلاثاء، مجزرةً جراء استهدافه نقطة للشرطة غربي مخيم جباليا شمال قطاع غزة

اعتقالات في عدة مناطق بالضفة وهدم منشآت في بيت لحم وسلفيت
أخبار

الضفة: هدم منازل وردم بئر مياه وحملة احتجاز واعتقالات واسعة

شنت قوات الاحتلال فجر اليوم حملة مداهمات واعتقالات طالت ما لا يقل عن 22 مواطنًا، بالتزامن مع حملة احتجاز وتحقيق ميداني واسعة في مدينة الخليل.

الأكثر قراءة

1
مقابلات

خاص | محمود مرداوي: اتفاق على غالبية بنود مفاوضات القاهرة وإسرائيل تعطل التوصل لاتفاق


2
تقارير

الانتخابات التشريعية.. هل يصمد موعد نوفمبر أمام تحديات الانقسام والقدس وغزة؟


3
تقارير

شهادات لـ"الترا فلسطين": نساء بالضفّة يتعرضن للإرهاب الجنسي من المستوطنين


4
تقارير

قبل أن يحمل ابنته ويحرس عرين فلسطين.. رصاصة الاحتلال تُسقط حلم الحارس سليم الأشقر


5
تقارير

"بابا تعال عندنا".. آخر مكالمة بين مالك ووالده قبل استشهاده في دير البلح