موسم العنب والتين وطقوس التعزيب والمنطرة
17 أغسطس 2026
يُعدّ موسم العنب والتين في فلسطين، والمعروف في الثقافة الفلاحية والتقويم الشعبي بـ "موسم القيظ"، أحد أهم المعالم الاجتماعية والزراعية والروحية التي تشكل الوجدان والذاكرة الجمعية للفلاح الفلسطيني. هذا الموسم ليس مجرد فترة زمنية عابرة لجني الثمار وتوفير القوت، بل هو فصل كامل من أسلوب الحياة المتناغم مع الطبيعة، يمتد عبر أشهر الصيف الدافئة من أواخر شهر تموز وصولاً إلى أواخر أيلول مع حلول "عيد الصليب".
موسم التين والعنب بطقوس "التعزيب"، وبناء "المناطير"، وإقامة "المساطيح"، هو وثيقة حية تجسد عمق ارتباط الفلسطيني بأرضه وحضارته الأصيلة.
تبدأ بشائر هذا الموسم بنضوج "الدافور" أو "البواكر" من التين والعنب. ومع اشتداد حرارة الصيف في شهر تموز، الذي يطلق عليه الفلاحون بحكم الخبرة الزراعية لقب "طباخ العنب والتين"، تكتمل حلاوة الثمار ويمتلئ المشهد الفلسطيني بكروم العنب الدانية وأشجار التين المورقة في جبال القدس ورام الله والخليل وسائر القرى. في هذه الفترة، تتغير ملامح الحياة اليومية؛ إذ يُغلق الفلاحون بيوتهم الحجرية في القرية مؤقتاً، وتتجه العائلات بكامل أفرادها نحو الحقول والبساتين لتبدأ تجربة عميقة وممتعة تُعرف بـ "التعزيب".
التعزيب يعني الانتقال الميداني والإقامة الكاملة في أحضان الأرض والكروم طوال فترة نضوج المحصول، حيث يبني الفلاحون مساكن حقلية تقليدية تُعرف بـ "المناطير" أو "القصور" أو "العرايش". وهناك، في قلب الطبيعة المفتوحة تحت أشجار التين والدوالي المتمددة على "السناسل" الحجرية، تعيش العائلات حياة ريفية بسيطة ومستقلة، تسودها أوجاع الكدح الصباحي الممزوج ببهجة المساء والسمر ولذة قطاف الخيرات.

أهمية الموسم والطقوس المرتبطة به
تتجلى أهمية موسم التين والعنب في أبعاده الاقتصادية، والاجتماعية، والمعيشية، وحتى في بناء الأمان الغذائي المستدام للفلاحة الفلسطينية. فمن الناحية الاقتصادية والغذائية، كانت الثمار الصيفية تشكل المصدر الأساسي للتغذية اليومية، بحيث توفر على العائلة مؤونة كبيرة ويقل الاستهلاك اليومي للخبز والعجين، كما حُفظ الفائض عبر تقنيات تجفيف وتصنيع متوارثة منذ العصور القديمة وتخزين "المونة" في الخوابي لموسم الشتاء البارد والخالي من المنتجات. ومن أهم الطقوس والممارسات التقليدية المرتبطة بهذا الموسم:
- الإقامة في "القصور" و"المناطير"
يُعد بناء "المنطار" أو "القصر" الحجري حجر الزاوية في عمارة الكروم الحقلية. والقصر عبارة عن بناء مستدير أو مربع يُبنى من الحجارة الجافة دون استخدام الطين ("على الناشف") بارتفاع يتراوح بين ثلاثة إلى خمسة أمتار، ويتكون من طبقتين:
- الطبقة السفلى: ذات باب صغير وعقد حجري، تُستخدم للمبيت الآمن، وتخزين الأدوات الزراعية، وحفظ المؤونة، وحماية العائلة من حرارة النهار وبرد الليل.
- الطبقة العليا (السطح): يعلوها مرقب أو عريشة مصنوعة من أغصان الشجر والأخشاب، يقف عليها "الناطور" لمراقبة الكرم بالكامل لحمايته من اللصوص أو الحيوانات المفترسة كالضباع والثعالب.
- العناية بالثمار وتغطيتها "التّقييش"
يتشارك المزارعون في تنفيذ عمليات تقنية لحماية جودة المحصول؛ ففي بداية تموز يقوم الفلاح بـ "تغطية" قطوف العنب بأكياس ورقية أو وضع أوراق ونبات "النتش" الشوكي فوق القشور والعناقيد لمنع الطيور والدبابير من نقرها، ولحمايتها من الندى الكثيف الذي قد يؤدي إلى تشقق الحبات.
- العمل في "المساطيح" وصناعة القطين والزبيب
تُعد "المساطيح" (ومفردها مسطاح) من أبرز معالم الكروم؛ وهي مساحات صخرية او ترابية مرتفعة ومستوية يُزال منها الشوك والحصى لتجفيف الثمار تحت أشعة الشمس المباشرة.
- صناعة القطين (التين المجفف): يُجمع التين الناضج الذي يسقط على الأرض والمعروف باسم "الذبيل"، ويُفضل جمعه وقت العصر لتجنب رطوبة الندى الصباحي. يُفرد التين على المسطاح لمدة ثلاثة أيام تقريباً، وخلالها تُمارس عملية "البرارة" وهي الانتقاء اليومي للحبات التي جفت تماماً. بعد ذلك تُكبس الثمار داخل حفرة تُسمى "المخبأ" لكي تتراص وتتماسك منعاً للعفن، ثم تُنظم في خيوط متينة تُعرف بـ "القلايد" (العقود) أو تُحفظ في "الخوابي" الفخارية و"الأجران" الحجرية و"النملية" لتكون مؤونة شتوية مضادة للجوع.
- صناعة الزبيب والدبس: يُجفف العنب ليصبح زبيباً، أو يُعصر في معاصر صخرية قديمة، ويُغلى العصير في قدور نحاسية ضخمة ("الدست") لساعات طويلة لينتج "الدبس" و"الخبيصة والملبن، مما يضمن الاكتفاء الذاتي للعائلة.
- طقوس السمر والطهي في ليالي التعزيب
تحتضن الكروم في الليل أجواء اجتماعية فريدة؛ حيث تجتمع العائلات والجيران حول "المساطيح" بعد نهار شاق من القطف. تُشعل نيران السمر باستخدام حطب العنب سريع الاشتعال وخشب التين، ويُعد الطعام الريفي البسيط كـ "قلاية البندورة" على الحطب، مع الشاي المغلي الذي يكتسب طعماً زكياً. وفي هذه السهرات، يلهو الأطفال بصيد العصافير بالفخاخ، ويمارسون طقس الدوس على التين في المخبأ وهم يرقصون ويغنون تعبيراً عن البهجة والسرور.
- ختام الموسم و"شتوة المساطيح"
تنتهي إقامة التعزيب مع اقتراب "عيد الصليب" في أواخر أيلول (27 أيلول حسب التقويم الشرقي). في هذا الوقت تهطل أمطار خفيفة تُعرف بـ "شتوة المساطيح" أو شتوة النقطة / شتوة الصليب. تُعد هذه المطرة إشارة تنبيهية ("منبهة الرعنات") للنساء ولمعزّبي الكروم للإسراع بجمع التين والزبيب المتبقي من المساطيح، وحزم الأمتعة، والعودة إلى قراهم قبل حلول البرد، والبدء في الاستعداد للموسم المبارك التالي وهو موسم قطف الزيتون.
المعتقدات الشعبية وحالة السعادة والفرح
لم يكن موسم العنب والتين مجرد نشاط زراعي واقتصادي، بل كان ظاهرة روحية وجدانية حافلة بالمشاعر والمعتقدات الشعبية التي جعلت منه موسم سعادة وفرح بلا منازع.
يرى الباحثون والمؤرخون للتراث الفلسطيني (أمثال الدكتور توفيق كنعان) أن التعزيب في الكروم يمثل "عطلة صيفية" ريفية بعد انتهاء موسم البيادر، ومخيماً كشفياً ثرياً يمنح الفلاحين تحرراً نادراً من ضغوط الحياة وتكاليفها داخل القرى المزدحمة. ففي الكروم، يتنفس الناس الهواء العليل، وينامون تحت النجوم الشافية، ويستمتعون بوفرة الرزق والخيرات دون حاجة للإنفاق الشديد؛ إذ إن الثمار متوفرة والخضار المزروعة طازجة ومجانية، والوجبات خفيفة وممتعة. كانت النساء والفتيات يجدن في الأودية والجبال فضاءً حرّاً لتبادل المهاهاة والزغاريد، وتتردد أصداء أغانيهن من جبل إلى جبل، مما يبعث البهجة والشعور بالحرية والأمان الاجتماعي.

المعتقدات الشعبية والروحية حول الموسم:
- بركة بعل والندى الكثيف: يستبشر الفلاحون بالندى الصباحي الكثيف ("ندى غراق")، ويعتقدون أنه سُقيا مباركة تُشطب (تشقق) حبات التين من شدة امتلائها وحلاوتها، ويقولون بترديد فرح: "تين مشطب ع الندى".
- الأشجار والجان: تسود في الموروث الشعبي معتقدات روحية تُحيط بأشجار التين؛ إذ يُعتقد أن الجان يفضلون سكن أشجار التين القديمة (خاصة التين الأسود) والخروب، ولذا يُحذر المزارعون من الاقتراب منها أو النوم تحتها منفرداً ليلاً دون البسملة وذكر الله.
- تسمية الله والحماية من العين: يحرص القاطفون على التسمية عند بدء القطف لمنع الجان من سلب بركة المحصول، كما كانت بعض الأشجار المثمرة تُطلى بالصبغة الحمراء، أو تُعلق عليها خرزات زرقاء لحمايتها من "ضربة العين" والحسد.
- شخصية الأشجار وسلوكها: تشبه الثقافة الشعبية دالية العنب بـ "الست" (السيدة المدنية المدللة) التي تحتاج إلى عناية ودلال وتقليم مستمر، بينما تُشبه شجرة التين بـ "الفلاحة" الصبورة القوية التي تتحمل قسوة الجبل وجفافه.
- الطب الشعبي والوقاية: يعتقد الفلاحون أن التين فاكهة ملينة ومغذية، ولكنه إذا بات في معدة الإنسان ملأها بالغازات، في حين أن الخيار والمقاثي المجاورة تطفئ نار القلب. أما القطين المغموس بزيت الزيتون فهو العلاج والوقود السحري لمنح الجسم الدفء والطاقة لمواجهة الشتاء.
- البواحير ونجم سهيل: يراقب الفلاحون أيام "البواحير" في تموز للتنبؤ بحالة أمطار الشتاء القادم، كما يستبشرون برؤية نجم "سهيل" في أواخر آب للتنبؤ ببدء انكسار الحر وسهولة القطاف النهائي.
أهم المصطلحات التراثية الخاصة بالموسم
- القيظ: اسم موسم الصيف ونضوج الفاكهة والتين والعنب.
- التعزيب: انتقال العائلة بالكامل للإقامة المؤقتة في الكروم طوال أشهر الصيف.
- المنطار / القصر / العريشة: المباني الحقلية الحجرية والخشبية المخصصة للحراسة والإقامة.
- الناطور: حارس الكرم الذي يتولى مراقبة الثمار وحمايتها.
- المسطاح: المكان المستوي المخصص لتجفيف التين والعنب تحت الشمس.
- الذبيل: ثمار التين الناضجة التي تسقط طبيعياً على الأرض وتُجمع لصناعة القطين.
- البرارة: عملية التنقية اليومية لحبات التين التي جفت على المسطاح.
- المخبا: حفرة في الأرض يُكبس فيها القطين بالأرجل ليتراص ويتحول إلى كتل متماسكة لحفظه من العفن.
- القلايد (العقود): الخيوط والسلاسل التي يُنظم فيها القطين لتخزينه وتظليله.
- تشعاميز: هي اكوام القطين المتراصة على شكل هرم.
- التقييش: تغطية عناقيد العنب بالأكياس الورقية أو القش لحمايتها من الندى والحشرات.
- شتوة المساطيح (شتوة الصليب): المطر الخفيف الذي يهطل في أواخر أيلول معلناً نهاية موسم التعزيب ووجوب العودة للقرية.
- الدافور: الثمار المبكرة النضوج في بداية الصيف.
- الجاروعة: ما يتبقى على الأشجار من ثمار متفرقة بعد انتهاء الموسم ويُسمح للمارة بقطافها مجاناً.
الأمثال والأغاني الشعبية
"أيام عنبك وتينك كثرت محبينك، وأيام قشلو ونشلو ما حد بعينك"
"يوم عنبك وتينك كل الناس محبينك، خلص عنبك وتينك كل الناس عدوينك".
"في تموز بتغلي المية في الكوز
"بعشرين آب اقطف العنب ولا تهاب
"إن أجا الصليب روح يا غريب"
"إن طل العنب والتين بطلوا العجين" (أو "موسم التين ما فيه عجين
"إن وجد القطين إحنا من الجوع آمنين
"اللي في جيبه قطين بياكل بإيديه الثنتين
"الزيتونة ملكة، والتينة فلاحّة، والدالية ست.
"بدك عنب ولا بدك تقاتل الناطور؟
"اللي ما بطول العنب بيقول عنه حصرم.
"غبر التين وقرقر ورقُه، روّح الناطور يرقّع خلقُه".
"زی صوص التين بياكل وبنين".
الأغاني والأهازيج الشعبية
تغنّى الفلسطينيون بموسم الكروم في أهازيجهم ومواويلهم لتخفيف تعب العمل وتعزيز البهجة:
"سقا الله أيام العنب والتين .. يوم الحلوة تلاقيني"
"ترم العنب والتين والصبر استوا .. نعمة من الرحمان لعبدو دوا ..خيرات رب الكون نزلت علعباد .. والشكر للمتعال ما النا سوا".
"يا طير طاير ميل عالوادي .. وجيبلي من كرم العنب زوادي"
"شوية زعتر مع تين سوادي .. وزيت مرتب وحبة زيتونا"
"لا يا بلادنا يا أم العنب والتين .. عدونا يرحل وإحنا اللي نقيم"
"التين قرقع ورقه .. واللي يحبه يلحقه"
"خلص مسطاح التين والتم .. وأنا إن بكيت ع حالي ما بلتام"
خاتمة
موسم التين والعنب بطقوس "التعزيب"، وبناء "المناطير"، وإقامة "المساطيح"، هو وثيقة حية تجسد عمق ارتباط الفلسطيني بأرضه وحضارته الأصيلة. لقد استطاع الفلاح عبر هذه الممارسات تحويل العمل الزراعي الشاق إلى ملحمة إنسانية مفعمة بالفرح، والتعاون، والفلكلور. ورغم التغيرات المعاصرة التي تتهدد الكروم والمناطير، تظل ذاكرة "العزبة" ورائحة القطين والزبيب محفورة في الهوية الفلسطينية، شاهدة على أرضٍ تفيض بالخير والأمل والبقاء.
الكلمات المفتاحية

موسم النبي روبين: حكاية "الكرنفال" الفلسطيني الذي وهب الساحل روحه الشعبية
يُعتبر موسم النبي روبين أعظم المواسم الشعبية والدينية في الساحل الفلسطيني قبل نكبة عام 1948

المقاثي والزراعة البعليّة في التراث الفلسطيني: عبقرية الفلاح في ترويض جفاف الصيف
جسدت المقاثي أسمى صور التضامن الاجتماعي وعادة التهادي؛ ففي ساعات الصباح الباكر وبعد جني الثمار الندّية، كان الفلاحون يضعون أظرفاً أو سلالاً صغيرة تضم البندورة البلدية والفقوس والكوسا خلف أبواب الأقارب والجيران والفقراء

لُقّب بـ"أحمد الياباني".. وفاة المناضل الأممي كوزو أوكاموتو
بعد تحرره، روى أوكاموتو أن الإسرائيليين كانوا يجبرونه على تناول الطعام بفمه ويداه مكبلتان من الخلف "مثل الكلاب"

انتهاكات مستمرة.. 1,375 شهيدًا منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي
أعلنت وزارة الصحة في القطاع وصول 3 شهداء جدد و27 مصابًا إلى المستشفيات خلال الـ24 ساعة الماضية

كيف يحوّل الاحتلال "الإخطارات الأثرية" إلى أداة للسيطرة على الأراضي؟
هيئة مقاومة الجدار والاستيطان: "الإخطارات الأثرية" للاحتلال لا تعد أوامر استيلاء بحد ذاتها، ولكهنها قد تفضي عمليًاإلى فرض سيطرة وظيفية عليها.

7 سنوات من البناء تنتهي بالتهجير.. أبو عيسى من الطيبة: المستوطنون احتلوا بيتي
بعد إتمام بنائه، تحوّل منزل بشير كونه في قرية الطيبة إلى هدف لاعتداءات المستوطنين، فيما بقي عاجزًا عن السكن في منزله حتى اليوم.

"يناي".. الذكاء الاصطناعي يدخل منظومة المراقبة الإسرائيلية في الضفة
القناة 12: طوّر قادة وضباط في هيئة حماية الحدود التابعة للجيش، منظومة "يناي" لمساعدة مجندات الرصد والاستطلاع على التعامل مع تدفق المعلومات من وسائل الرصد المختلفة



