ultracheck
ذاكرة وطنية

موسم المطر وطقوس التنبؤ بالغيث في التراث الفلسطيني

16 نوفمبر 2025
موسم المطر وطقوس التنبؤ بالغيث في التراث الفلسطيني
فريد طعم الله
فريد طعم اللهصحفي ومزارع وناشط سياسي وبيئي

يحتلّ المطر مكانة وجودية في حياة الفلاح الفلسطيني الذي يعتمد على الزراعة البعلية، فالأمطار عماد الحياة ومحدّد المصير. فالأعمال الزراعية والاجتماعية، وحتى أوقات الزواج، كانت تُربَط بموسم الحصاد ووفرة المحاصيل التي يضمنها الغيث.

ينقسم المناخ في فلسطين إلى موسمين: الأول الصيف الجاف (من أيار إلى تشرين الأول) والثاني الشتاء الماطر (من منتصف تشرين الأول حتى نيسان). في منطقة اعتمدت زراعتها على الغيث الموسمي، لم يكن نزول الأمطار مجرد ظاهرة طبيعية، بل هو وعد بالبقاء ورخاء اجتماعي واقتصادي. 

المطر لم يكن يومًا حدثًا عابرًا في الوجدان الفلسطيني، بل هو محور الحياة ورمز الخصب والبقاء

هذه الأهمية القصوى للماء جعلت منه عنصرًا محوريًا في النسيج الثقافي. لقد ابتكر الفلاح الفلسطيني القديم تقويمًا موسميًا خاصًا يعكس فهمًا عميقًا لدورة الطقس، معتمدًا على توقيت نزول المطر وكميته لتحديد مواسم العمل الزراعي، وهذا المقال يسلّط الضوء على هذا الإرث المعرفي وأنماط التنبؤ المتوارثة.

يقسّم الموروث الشعبي لفلاحي فلسطين موسم المطر إلى أقسام وفترات دقيقة اعتمدت على مشاهدات وخبرات امتدت على مئات السنين:

القسم الأول: مطر الوَسِم

يبدأ موسم المطر عادةً بـ"الشتوة" الأولى الخفيفة التي تأتي في نهاية شهر أيلول أو بداية تشرين أول، وتسمّى "مطرة الصليب" أو "شتوة المساطيح" والتي تُعدّ إيذانًا ببدء دورة الحياة من جديد بعد جفاف الصيف، وإشارة للفلاحين للعودة من مساكنهم المؤقتة (المناطير أو المساطيح)، والبدء في قطف الزيتون. فالنظرة الشعبية لا تعتبر المطر الأول مجرد ماء، بل بركة وتطهير؛ إذ يغسل وجه الأرض وينظفها، ويُعتقَد أنّ ماءه يحمل الشفاء، وهو العلامة الفعلية لانطلاق التحضير للزراعة.

بعد ذلك يأتي مطر الوَسْم خلال شهري تشرين، وهو نوعان: وسم بدري في تشرين الأول، ووسم وخري أو "لَكشي" في تشرين الثاني. فالوَسْم البدري، أي المطر الذي ينزل مبكرًا في تشرين الأول، ضروري لبدء نمو البذور المبكرة "العَفير" وضمان التعمير في الأرض، وهو ما تعبّر عنه الأمثال الشعبية بكل وضوح: "إن أوسمت عَ عيد لِد أُحرث وقِدّ" أي ابدأ بالحرث والزراعة. أما الوسم الوخري، فهو مهم لبدء موسم الزراعة الحقيقي والجدي قبل قدوم مطر الشتاء الغزير.

القسم الثاني: مطر الشتاء الغزير

يمتد هذا القسم من كانون الأول وحتى شهر آذار، وتسقط فيه الكمية الأكبر من المطر الغزير الذي يُشبّع الأرض ويملأ الصهاريج والبرك ويعيد تغذية الينابيع، وهو ضروري لتأمين إمدادات المياه للصيف. ويتكوّن هذا القسم من المربعانية والخمسينية (السعودات)، أي ما مجموعه تسعون يومًا تمثّل فصل الشتاء.

المربعانية هي فترة الأربعين يومًا من 21 كانون الأول حتى نهاية كانون الثاني، وتمثّل قلب الشتاء والمطر: "كانون فحل الشتا"، وهي الأشد برودة: "برد كوانين أحدّ من السكاكين". وقيل عنها: "المربعانية يا شمس تحرّق يا مطر تغرق"، للدلالة على دورها الحاسم في تحديد مصير المحصول. أما خمسينية الشتاء، فهي خمسون يومًا تلي المربعانية، وتُقسّم إلى أربعة أقسام تسمّى "السعودات" وترتبط بنهاية البرد وتباشير الربيع.

ويضعف موسم المطر الغزير بعد انتهاء "المستقرظات" وهي الأيام السبعة التي تقع بين شهري شباط وآذار، وتُروى حولها الحكايات الشعبية حول العجوز صاحبة الأغنام التي سخرت من شهر شباط لقلة أمطاره، فقرّر الانتقام منها، فقال مخاطبًا آذار: "آذار يا ابن عمّي ثلاثة منك وأربعة مني تنخلي واد العجوز يغني" حتى يأخذ العجوز ونعجاتها. وقد يستمر المطر سبعة أيام بلياليها في هذه الفترة التي تنتهي بشهر "آذار أبو الزلازل والأمطار".

القسم الثالث: مطر الربيع المتأخر

يسقط هذا المطر من منتصف آذار حتى نهاية الموسم في نيسان أو في أحيان نادرة في أيار. يُعتبر المطر المتأخر حيويًا جدًا، حيث يأتي في نهاية دورة نمو الزرع في شهر نيسان، ويتسبّب في تضخّم سنابل الحبوب (الذرة، القمح، الشعير، الفول) قبل النضج مباشرة. يُقال في الأمثال: "شتوة نيسان بتحيي الإنسان" أو "تسوى السكة والفدان" لأن فشله يعني أن المحاصيل "تحترق" قبل الإزهار، مما يؤدي إلى المجاعة.

أما سقوط الأمطار بعد نهاية شهر نيسان فلا يكون ذا فائدة كبيرة، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فيكون لعنة إذا تزامن مع فترة إزهار الزيتون نهاية نيسان وبداية أيار لأنه يتسبّب في تلفها وبالتالي ضعف المحصول. لذا يأملون بهبوب الرياح الجافة الدافئة (السَّموم) خلال فترة الإزهار: "يا رب السَّموم عند عقد الزيتون".

الثلوج

عرفت فلسطين سقوط الثلج منذ الأزمنة البعيدة ولكن ليس بشكل منتظم. حيث إنّ هناك سقوطًا متوقعًا للثلج في شهري كانون أول وكانون ثاني، خاصة في المناطق الجبلية مثل جبال الجليل والقدس ورام الله والخليل ونابلس. ولكن هذا لا يمنع الناس من توقع سقوط الثلج في شهري شباط وآذار: "أبو الزلازل والأمطار فيه سبع ثلجات كبار". وكذلك أرّخ الناس لبعض السنوات بـسنة الثلجة إشارة للعام 1920 والعام 1950 حيث وصل فيه "الثلج للركَب".

موسم المطر وطقوس التنبؤ بالغيث في التراث الفلسطيني

منظومة التنبؤ بالمطر في التراث الشعبي الفلسطيني

في زمن غياب علم الأرصاد الجوية، حاول الفلاح الفلسطيني التنبؤ بقدوم المطر والطقس بالاعتماد على الظواهر الطبيعية والمحيط الحيوي. وقد شكّل هذا الاعتماد منظومة متكاملة من الملاحظات الدقيقة للنجوم، تغيّرات الغلاف الجوي، والظواهر الطبيعية الأخرى، إلى جانب ممارسات شعبية خاصة:

1. الإشارات الزمنية والفلكية

اعتقد الفلاحون أن سقوط المطر مرتبط بشروق وغياب نجوم معينة مثل الثريا وسهيل، فظهور الأخير دلالة على قرب المطر: "إذا طلع سهيل لا تأمن السيل"، بينما غياب الثريا هو الذي يجلب المطر وظهورها يبعده، حيث قيل: "الثريا بتغيب ع سَدّ حابس وبتطلع ع غمر يابس". كما يُعد ظهور الهالة حول القمر في أيلول أو حول الشمس في تشرين إشارة إلى وفرة الأمطار المتوقعة.

2. الرياح والتقلبات الجوية

  • يتفاءل الفلاحون بهبوب الرياح الجنوبية الغربية "الهوا المصري" لأنها تجلب الأمطار الغزيرة فهي "باب الشتا"، حيث يُعتقد أنها تحمل الرطوبة من البحر.
  • الرياح الشرقية (الشعلوبة): تُخشى هذه الرياح الجافة في أواخر الشتاء والربيع، ويتشاءم الناس منها لأنها تجفف الوجه وتقشر الجلد، ويقولون: "سنة الشراقي بتدور ما بتلاقي"، ويأملون زوالها بالقول: "شرقية حلّي عنا خلي المطر يصلنا". وهناك اعتقاد بأنها إذا هبّت ليلًا فإنها تتلاشى مع طلوع الشمس، أما إذا بدأت بعد الشروق، فمن المرجّح أن تستمر ثلاثة أيام متواصلة تنتهي بالمطر.

3. المؤشرات الطبيعية والممارسات الشعبية

  • قوس قزح: إذا ظهر في الصباح الباكر، يُتوقع أن يكون اليوم مشمسًا وتوقف هطول المطر: "إذا قوّست من باكر احمل عصاتك وسافر"، أما إذا ظهر آخر النهار، فستشهد الليلة المقبلة أمطارًا غزيرة: "إذا قوّست عصرية، دوّر على مغارة دفيّة".
  • الندى والضباب: يُعد الندى الصباحي والضباب خلال فصل الصيف علامة على محصول جيد في الشتاء المقبل، لاعتقاد الفلاح أن الندى يخصب الأرض الجرداء خصوصًا خلال فترة حصاد القمح: "لولا الندى سمّم الزرع وردا".
  • السماء الحمراء: طغيان اللون الأحمر على السماء في الأفق قبل الغروب كان يدل على طقس معتدل في الأيام المقبلة.
  • أكوام الملح (التشريب): تُستخدم للتنبؤ بكمية المطر لكل شهر، حيث يتم وضع أكوام من الملح (تمثل أشهر السنة المطرية) في منتصف الليل قبل عيد الصليب (نهاية أيلول)، ويُتنبأ بكمية المطر لكل شهر بناءً على درجة رطوبة الكومة في الصباح التالي.

4. سلوك الكائنات الحية

  • الطيور: قدوم بعض الطيور المهاجرة يبشّر بوفرة الأمطار ومحصول جيد: "في سنة الزرزور، احرث في البور". ويُفرح بوصول اللقلق (أبو سعد) لاعتقادهم بأنه يجلب الازدهار والخير.
    ويتشاءم الناس من طيور أخرى مثل القطا والحمام وفقًا للأمثال: "سنة القطا بيع الغطا"، و"سنة الحمام افرش ونام" (دلالة على الكسل).
  • الحيوانات: يُعتقد أنّ سلوك الحيوانات يسبق تغيرات الطقس، فمثلًا: إذا رفعت البقرة رأسها إلى السماء فهذا يعني أن الأمطار قادمة.
  • الحشرات والزواحف: يرتبط ظهور ديدان الورور أو "حب إرقص" في منتصف شباط ببدء دفء الهواء والماء والتراب، مؤشّرًا على تغييرات متوقعة في الطقس.
  • العقارب والحيايا (الثعابين): خروج هذه الزواحف يشير إلى أن درجة الحرارة أصبحت ملائمة، ويُقال عنها خلال فترة سعد الخبايا في آذار: "بسعد الخبايا بتطلع العقارب والحيايا".

كما ربطوا الخصب والجفاف بمواليد البشر، فاعتبروا كثرة ولادة الذكور مؤشرًا على القحط: "سنة الفحولة محولة"، بينما اعتُبرت كثرة ولادة الإناث تبشيرًا بالخير والبركة: "سنة البنات نبات".

إن خلاصة هذا الإرث المعرفي تؤكد أن المطر لم يكن يومًا حدثًا عابرًا في الوجدان الفلسطيني، بل هو محور الحياة ورمز الخصب والبقاء. هذه المنظومة من التقويم والتنبؤ تشهد على عبقرية الفلاح القديم، الذي حوّل قلقه المصيري إلى علم عملي، مسطّرًا بذلك دورة حياة متكاملة بين الإنسان والأرض والغيوم. 

هذا الإرث ليس مجرد حكايات، بل هو نظام معرفي متكامل يثبت أن الإنسان، بالرغم من بساطة أدواته، كان قادرًا على صياغة قوانينه الخاصة للبقاء في بيئة اعتمدت كليًا على الغيث الموسمي. ويبقى هذا التقويم دليلًا قاطعًا على الارتباط الوثيق والمصيري الذي يجمع الفلسطيني بأرضه وتراثه، رابطًا الأجيال بحكمة الماضي نحو استدامة المستقبل.

الكلمات المفتاحية

موجز تاريخي.. فنزويلا والقضية الفلسطينية

موجز تاريخي.. فنزويلا والقضية الفلسطينية

خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، طرد تشافيز السفير الإسرائيلي لدى فنزويلا


خريفية الكانون والطابون: الحكاية الشعبية في الشتاء الفلسطيني

خريفية الكانون والطابون: الحكاية الشعبية في الشتاء الفلسطيني

تُعدّ الخراريف والحكايا الشعبية الركيزة الأساسية للوجدان الفلسطيني، فهي المستودع الأمين الذي حفظ هوية الشعب وقيمه عبر القرون


الحكواتي حمزة العقرباوي.. عمرٌ قصير ومسيرة طويلة من العطاء

الحكواتي حمزة العقرباوي.. عمرٌ قصير ومسيرة طويلة من العطاء

حمزة العقرباوي لم يكن باحثًا تقليديًا في التراث، بل كان أحد الأصوات البارزة التي أعادت للحكاية الشعبية مكانتها بوصفها فعلًا ثقافيًا ومقاومًا.


أبو عبيدة حذيفة الكحلوت

ناطق باسم القسام لـ20 عامًا.. من هو أبو عبيدة حذيفة الكحلوت؟

كان آخر ظهور مصور للناطق باسم القسام، في منتصف تموز/يوليو. وفي 29 آب/ أغسطس، نشر أبو عبيدة على قناته الرسمية في تلغرام تغريدات حول قرار الاحتلال شن حملة عسكرية على مدينة غزة واحتلالها

حوار عارف بكر | عن حرب لم تلتقطها الكاميرات.. كيف أبادت إسرائيل الثقافة في غزة؟
مقابلات

حوار عارف بكر | عن حرب لم تلتقطها الكاميرات.. كيف أبادت إسرائيل الثقافة في غزة؟

عارف بكر: المشهد الثقافي في غزة بعد حرب الإبادة يبدو مُثقلاً بالخسارة والغياب. العشرات من المواقع الأثرية والمراكز والمؤسسات الثقافية والمكتبات ودور النشر دُمّرت كليًا أو جزئيًا

البيت الأبيض يعلن تشكيلة "مجلس السلام" لغزة ويعين قائدًا لـ"قوة الاستقرار الدولية"
أخبار

البيت الأبيض يعلن تشكيل مجلس تنفيذي لـ"مجلس السلام" لغزة ويعيّن قائدًا لـ"قوة الاستقرار الدولية"

جرى تكليف نيكولاي ملادينوف، عضو المجلس التنفيذي، بمنصب "الممثل السامي لغزة"، فيما عُيّن الجنرال جاسبر جيفرز قائدًا لقوة الاستقرار الدولية


القطاع الصحي في غزة: كيف أعادت الحرب تعريف الخطأ الطبي؟
تقارير

القطاع الصحي في غزة: كيف أعادت الحرب تعريف الخطأ الطبي؟

لم يكن الوصول إلى الرعاية الصحية في قطاع غزة يومًا مسألة مضمونة، لكن الحرب الأخيرة نزعت عنه ما تبقّى من يقين

المنازل الآيلة للسقوط.. تهديد مستمر بالموت في غزة
تقارير

المنازل الآيلة للسقوط.. تهديد مستمر بالموت في غزة

انهيار 49 مبنى بشكل كلي، منها أكثر من 20 مبنى انهار نتيجة المنخفضات الجوية، في الوقت الذي تعرض فيه أكثر من 110 مبانٍ للتدمير الجزئي، فيما وصلت أعداد ضحايا هذه المنخفضات إلى 27 ضحية

الأكثر قراءة

1
راصد

نيكولاي ملادينوف: من المساهمة في إدارة الصراع إلى "مجلس السلام" لغزة


2
تقارير

المجلس الثوري لفتح يحدد موعد المؤتمر الثامن: محطة مفصلية أم استمرار للحالة القائمة؟


3
راصد

الطابو الإسرائيلي الجديد: نكبة صامتة وتمهيد لمصادرة نحو 70% من أراضي مناطق "ج"


4
تقارير

إبادة المستقبل.. كيف تصنع "إسرائيل" جيلًا مشوهًا في غزة؟


5
راصد

فرض السيادة الإسرائيلية على المناطق "ب" في الضفة: ملف صحراء القدس