موسم النبي موسى وارتباطه بالتراث الشعبي الفلسطيني ودوره في حماية الأرض من الغزاة
20 أبريل 2026
في الوجدان الفلسطيني الأصيل، لا يمر شهر نيسان كغيره من شهور السنة؛ بل هو حالة طقوسية استثنائية تُعرف بـ "شهر الخميس" أو "شهر العيد". في هذا الشهر، تجلت عبقرية الفلسطيني في تطويع التراث والاحتفاء بالربيع لخدمة أهداف كبرى تتجاوز البهجة الموسمية المجردة. لقد حول الفلسطيني "الخميسات الأربعة" التي تميز هذا الشهر من مجرد طقوس فلكلورية مرتبطة بخصوبة الأرض والزراعة، إلى ترسانة من الوعي السياسي والاجتماعي.
وبينما كانت الزهور تتفتح في ربوع البلاد، كانت الهوية الوطنية تُصاغ في أروقة المقامات وساحات القدس، حيث تحول الاحتفاء بالربيع إلى أداة سيادية للحفاظ على الوجود وحماية الأرض من الأطماع الخارجية. ويبرز "موسم النبي موسى" كأوضح وأهم مثال على هذا الامتزاج الفريد بين القداسة الدينية، والفرح الشعبي، واليقظة الوطنية، ليصبح العمود الفقري الذي يربط القرى بالمدن، والماضي بالمستقبل، في وحدة زمنية ومكانية.
يقع مقام النبي موسى في بقعة استراتيجية وصحراوية، شرقي مدينة القدس وعلى بعد نحو 28 كيلومترًا منها، وجنوب مدينة أريحا بنحو 8 كيلومترات
النشأة التاريخية.. من رؤية صلاح الدين إلى حماية العثمانيين
تعود الجذور الأولى لاستحداث هذا الموسم وتوظيفه سياسيًا إلى عهد صلاح الدين الأيوبي بعد تحرير المدينة عام 1187؛ إذ أدرك صلاح الدين أن القدس تظل عرضة للاختراق والاقتحام خلال فترة أعياد الفصح المسيحية لللاتين، حيث كانت المدينة تفيض بآلاف الحجاج الأجانب من "الفرنجة" الذين قد يشكلون نواة لتمرد أو محاولة لاستعادة السيطرة على المدينة المقدسة.
من هنا، استحدث صلاح الدين نظام "المواسم" لضمان وجود تجمع إسلامي ضخم ومسلح داخل القدس وفي محيطها خلال هذه الفترة الحساسة، لخلق حالة من التوازن البشري والمؤازرة. وجاء من بعده الظاهر بيبرس ليعزز هذا التقليد، فقام ببناء المقام الضخم وتطويره ليكون نقطة ارتكاز دائمة. وقد اختار بيبرس مواقع استراتيجية للمقامات لتطويق المناطق الحساسة؛ فوضع مقام النبي موسى شرق القدس، والنبي صالح غربًا في الرملة وشمالًا في قرية النبي صالح.
وقد استمرت السلطات العثمانية لاحقًا في تشجيع هذه المواسم، خاصة موسم النبي موسى، موفرة لها الدعم اللوجستي والأمني، إدراكاً منها لدورها في تثبيت الوجود الإسلامي في بيت المقدس. وعلى الرغم من وجود مواسم هامة أخرى في فلسطين تعزز هذه الشبكة الدفاعية، مثل موسم النبي روبين قرب يافا، وموسم وادي النمل في غزة، إلا أن موسم النبي موسى ظل هو "الموسم الأكبر".
موقع مقام النبي موسى وطقوسه.. دراما القداسة والحشود
يقع مقام النبي موسى في بقعة استراتيجية وصحراوية، شرقي مدينة القدس وعلى بعد نحو 28 كيلومترًا منها، وجنوب مدينة أريحا بنحو 8 كيلومترات. يتألف المقام من بناء ضخم يضم ساحات واسعة وعشرات الغرف والقباب، مما يسمح باستيعاب آلاف الزوار المقيمين خلال أسبوع الموسم.
ساد المعتقد الشعبي الفلسطيني بأن هذا المكان يضم ضريح النبي موسى -عليه السلام- رغم الروايات التاريخية الأخرى التي قد تختلف حول مكان وفاته. الفولكلور الفلسطيني طوّر رواية تقول أن موسى فرّ من ملك الموت (عزرائيل) من جبل نيبو، وعبر الأردن إلى هذه المنطقة، ولم يدركه الموت إلا عند وصوله إلى موقع الضريح الحالي .كما تشتهر المنطقة المحيطة بالمقام بوجود نوع من الحجار السوداء التي تشتعل وتصدر ناراً. ارتبطت هذه الظاهرة في ذهن الزوار بـ "كرامات" المكان وصاحبه؛ حيث كانوا يندهشون من حجارة "تشتعل" ويستخدمونها للتدفئة أو للإضاءة داخل المقام وللتبرك بها.
يتسم الموسم بطقوس فريدة تدمج بين الجانب العسكري الشعبي والروحانية الصوفية، وتتمثل في:
- مواكب البيارق: تبدأ الاحتفالات في "الخميس الثالث" من نيسان (خميس الموسم)، حيث تنطلق الوفود من شتى بقاع فلسطين حاملة "البيارق" (الأعلام) التي تمثل العائلات والمدن الكبرى (بيرق القدس، بيرق الخليل، بيرق نابلس). يسلم المفتي البيرق رسمياً للموكب الذي يخرج من المسجد الأقصى، متجهاً نحو المقام قرب أريحا ترافقها الطبول والصنوج في مشهد عظيم.
- دور النساء والأطفال: كانت المرأة الفلسطينية المحرك الوجداني للموسم؛ فهي التي تعد الطعام والصدقات، وتؤدي الزغاريد والأهازيج التي تشحن همم الرجال. كما كان الموسم موعداً لنذور الأطفال؛ حيث تُجرى طقوس قص الشعر والختان في رحاب المقام تبركاً بصاحبه.
- الذبح والمطاقشة: يذبح الرجال الأضاحي والنذور ويوزعونها كـ "سماط" للفقراء، بينما يمارس الأطفال والشباب ألعاباً شعبية مثل "مطاقشة البيض".
- الطقوس الاجتماعية: يشهد الموسم ذروة النشاط الاجتماعي؛ حيث يتم ختان الأطفال (الذي يُعتقد أنه يكون مباركاً في هذا الوقت)، وتُقام سباقات الخيل، والرقص بالسيف والترس، وعروض خيال الظل "قراقوز"، إضافة الى أهميته الاقتصادية في البيع والتجارة.
- البركة الجماعية: يعتقد الفلاحون أن زيارة هذه المواسم "تمسح الذنوب" وتجلب البركة للعام الزراعي القادم.
- التكاليف: تُغطى التكاليف الضخمة لإطعام الحشود خلال هذه الأيام السبعة من إيرادات أوقاف النبي موسى، ومن فاعلي الخير وخاصة اعيان مدينة القدس.

الأهازيج الشعبية الخاصة بالموسم
ارتبطت الأهازيج بموسم النبي موسى خاصة لدى النساء والشباب. كانت المواكب، ولا سيما موكب البيرق، تضج بالأغاني الشعبية في حلقات يرقص فيها الشباب، حيث يردد قائد "اللاوية" مقطعًا شعريًا وتكرره المجموعة من خلفه. وتصاحب هذه الأهازيج آلات مثل الطبل، والمزاهر، والشبابة، والمزمار، بينما تستقبل النساء المواكب بـ "الزغاريد". كما تميز الموكب برقصات "السحجة" و"الدبكة" وعروض "السيف والترس". على وقع أهازيج خاصة منها:
- أهازيج الترحيب والزيارة: "يا زوار موسى سيروا بالتهليل، زرنا النبي موسى وعقبال الخليل"، و"يا زوار موسى زوروا بالدرقة، وشعرك يا موسى حرير في ورقة".
- أهازيج الطريق والقدوم: "كوني هنية يا طريق النبي، زبدة طرية تحت اجرين الزوار"، و"مسيك بالخير يا موسى يا ابن عمران، يلي تقوم من منامك تشبه الغزلان".
- أهازيج تفضيل الموسم: "العرس ما هو فرحة، ولا طهور الصبيان، ما فرحة إلا زيارة موسى"، و"لولاك يا موسى ما جينا، ولا تعنينا، ولا دهسنا الحصى ولا الرمل برجلينا".
الربط الطقوسي بين "الخميسات الأربعة" و"الجمعات الستة"
هناك ربط محكم بين الأيام الشعبية (الخميسات) الأربعة، والأيام الرسمية للموسم (الجمعات) الستة التي تليها. هذا التقسيم جعل من شهر نيسان وحدة زمنية لا تنفصم؛ حيث تمهد "الخميسات" للأجواء الفلكلورية (زيارة الموتى، تلوين البيض، حماية الماشية)، بينما تكرس "الجمعات" الأبعاد الدينية والسياسية (مواكب البيرق، استعراض القوى، زيارة المقام). هذا التبادل يجعل من نيسان وحدة زمنية متكاملة تدمج بين تقديس الأولياء (في الجمعات) وتوقير الأسلاف وحماية الرزق (في الخميسات).
الخميسات: بوابات الفولكلور والاجتماع
- خميس النبات: وفيه يحتفي الفلسطينيون بخصوبة الأرض ويجمعون الزهور والرياحين، وهو بمثابة إعلان شعبي عن بدء شهر الجمال والمواسم، وتليه جمعة "المناداة".
- خميس البيض (أو خميس الأموات): وهو يوم مخصص لزيارة القبور وتقديم الصدقات (البيض الملون والحلويات) عن أرواح الموتى. يرتبط هذا الخميس ارتباطاً وثيقاً بـ "جمعة النزلة" التي تليه، حيث يستعد الناس روحياً بالترحم على الأجداد قبل الانطلاق للموسم.
- خميس الموسم أو خميس الشيل: وهو الخميس الذي يمثل نهاية إقامة الأيام السبعة في المقام وبداية رحلة العودة (الطلعة) إلى القدس، وهو الرابط المباشر مع "جمعة العلمات" الكبرى.
الجمعات الستة: أعمدة الموسم والسياسة
نجح هذا التسلسل في حفظ ذاكرة الشعب الفلسطيني، خاصة في زمن الانتداب البريطاني، حيث كانت كل جمعة تحمل رسالة سياسية:
- جمعة المناداة: وهي الجمعة الأولى التي يتم فيها الإعلان عن الموسم، ويسبقها ما يطلق عليه الفلاحون "خميس النبات".
- جمعة النزلة (جمعة البيرق): وفيها تخرج البيارق رسمياً من القدس متجهة نحو المقام نزولاً للأغوار شرقي المدينة، ويسبقها "خميس البيض".
- جمعة العَلمات (الجمعة العظيمة): وهي الجمعة التي يعود فيها زوار الموسم إلى القدس، وتمثل ذروة الزحام؛ حيث تزدحم باحات الأقصى بالبيارق العائدة من المقام، ويجتمع فيها عشرات الآلاف. في زمن الانتداب، تحولت هذه الجمعة إلى تظاهرة وطنية ضد المشروع الصهيوني، وكان الزعماء كالحاج أمين الحسيني يخطبون في الجماهير، محولين الموسم إلى "برلمان شعبي" ثائر. بعد انتهاء مراسم "زفة العلمات" في يوم الجمعة العظيمة واليوم الذي يليه، تبدأ مواكب القرى بمغادرة مدينة القدس والعودة إلى ديارها.
- جمعة الرغايب (الأماني): تلي الجمعة العظيمة بثمانية أيام. يأتي الفلاحون في هذا اليوم إلى المدن لشراء الملابس والأحذية الجديدة والحلويات، ويرتبط هذا اليوم في الوجدان الشعبي بتلبية الأماني.
- جمعة الغرايب (الغرباء): الجمعة الخامسة في الترتيب، وورد في الموروث قول يواسي المرأة التي يغيب زوجها: "في جمعة الغرايب - يا ويل إلّي جوزها غايب"؛ لفقدانها من يشتري لها ولأطفالها الثياب والحلويات في هذا اليوم.
- جمعة الحزانى: وهي الختام، وتخصص للزيارات الاجتماعية ومواساة العائلات التي فقدت أحبة، وهي جمعة الوداع التي تغلق دورة الموسم بروح التكافل والبهجة.
الموسم كخندق للمقاومة: حين صدحت الحناجر ضد المحتل
لم يكتفِ موسم النبي موسى بكونه حارسًا للقدس في العصور القديمة، بل تحول إبان الانتداب البريطاني، إلى "منصة وطنية للثورة". ففي الوقت الذي كانت فيه سلطات الانتداب تحاول تقويض الهوية العربية وتسهيل المشروع الصهيوني، استثمر الفلسطينيون هذه الحشود المليونية لتحويل الموسم إلى تظاهرة سياسية كبرى.
كانت الوفود القادمة من جبال نابلس، والخليل، والساحل الفلسطيني، تلتقي في ساحات المسجد الأقصى قبل الانطلاق للمقام، وهناك كانت تتحول الأهازيج الدينية إلى شعارات وطنية ملتهبة. وبرزت أسماء وطنية فذة مثل الحاج أمين الحسيني الذي كان يقود الحشود ويخطب فيهم، محولًا "موسم النبي موسى" في عام 1920 إلى شرارة لانتفاضة وطنية عارمة عُرفت بـ "هبة النبي موسى". لقد أدرك المحتل البريطاني حينها أن هذا الموسم ليس مجرد طقس ديني، بل هو "جيش شعبي" يرتدي ثوب التقوى، ويحمل في قبضته إرادة التحرير؛ مما جعل سلطات الاحتلال تضع قيوداً صارمة عليه، محاولةً وأد هذه الروح الثورية التي كانت تستمد قوتها من قداسة المكان وعنفوان الجماهير.
إرث المواسم.. الذاكرة التي تتحدى النسيان
تمثل هذه المواسم صمام أمان للهوية الفلسطينية؛ فقد نجح الفلسطيني في دمج الفرح الشعبي بالواجب الوطني، محولاً نيسان إلى درع يحمي القدس. ومع الأسف، بدأت هذه المواسم بالاختفاء تدريجياً بعد انتهاء فترة الانتداب البريطاني ووقوع النكبة عام 1948، حيث فرض الاحتلال قيودًا مشددة منعت الحشود من التجمع، وجزأت الأرض وحاصرت المقامات، لكن الذاكرة تظل عصية على النسيان.
الكلمات المفتاحية
من "القالوشة" إلى "الجورعة": موسم الدراس والبيدر
سمى الفلسطينيون شهر حزيران باسم "أقلاش" نسبة إلى القالوشة، وهي المنجل المستخدم لحصاد القمح والشعير وغيرها من الحبوب.
بعد 32 شهرًا في الاعتقال الإداري.. الإفراج عن القيادي في حماس حسن يوسف
أفرجت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، يوم الخميس، عن القيادي البارز في حركة "حماس" الشيخ حسن يوسف، بعد قضائه نحو 32 شهرًا رهن الاعتقال الإداري
القمح والخبز في التراث الفلسطيني: أساطير القداسة وطقوس الحصاد
لا يقتصر موسم الحصاد الممتد من أيار إلى آب على القمح وحده، بل يرافقه الشعير والبقوليات كالحمص والفول والعدس، والذرة والسمسم، وهي محاصيل تسد حاجة الإنسان، وتعلف الحيوانات التي هي شريكة الفلاح في الكد
عن بعد.. الولايات المتحدة وإيران توقّعان مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب
كان في الأصل مقررًا إتمام التوقيع الرسمي يوم الجمعة في سويسرا، غير أن مصادر دبلوماسية أفادت بأن مناقشات جرت لتقديم الموعد، وذلك بهدف فتح مضيق هرمز في أقرب وقت ممكن، وهو ملف توصّل إليه الطرفان إلى اتفاق مسبق.
إسرائيل تسرع اتصالاتها مع لبنان لسـحب ورقـة الانسحاب من الجنوب من يد إيران
قال مسؤول إسرائيلي إن تل أبيب لا تتوقع ضغطًا أميركيًا عليها للانسحاب من لبنان في الوقت الحالي
نقاش في الكنيست: تصاعد الهجرة من إسرائيل بين الشباب وأصحاب الكفاءات
تسلط الأرقام الضوء على تنامي ما يُعرف بـ"هجرة الأدمغة"، إذ تتركز الهجرة بصورة متزايدة بين أصحاب المؤهلات العلمية والمهنية العالية
"سي أن أن" تنشر نسحة من الاتفاق الأميركي الإيراني المكون من 14 بندًا
وصف مسؤولون أميركيون المذكرة بأنها "وثيقة سياسية" لا تعكس الالتزامات الجوهرية التي قدمتها إيران للولايات المتحدة عبر القنوات الخلفية