ultracheck
تقارير

هكذا يبتلع "الغسيل" أيام نساء غزة ويستنزف صحتهن

12 سبتمبر 2026
هكذا تبتلع الملابس أيام نساء غزة وصحتهن
خلف مشهد الملابس النظيفة معلّقة في الهواء، يختفي الثمن الحقيقي لهذه النظافة الذي يُدفع من أجساد النساء وصحتهن | Gettyimages
آصال أبو طاقية
آصال أبو طاقية صحفية ومدونة فلسطينية من غزة

قبل أن تضع أم يزن غطاس أول قطعة ملابس في وعاء الغسيل، تكون قد قطعت شوطًا كبيرًا في هذه الرحلة الشاقة التي تبدأ في الصباح الباكر، وتبتلع يومًا كاملاً من حياتها، فلا يتاح لها أن تفعل خلاله شيئًا آخر.

الجلوس والانحناء لساعات طويلة، وفرك الملابس وعصرها وهي مثقلة بالماء، إلى جانب رفع الأوعية ونقلها، كل ذلك يسبب تشنجات وآلامًا في الظهر واليدين

تستيقظ غطاس عند السادسة صباحًا، تنتظر وصول المياه إلى مخيم النزوح شرق مدينة غزة، ليبدأ أبناؤها في نقل المياه عبر جالونات، وبعد أن يتمكنوا من ملئ الخزان المخصص للاستخدام المنزلي، عندها فقط تبدأ عملية الغسيل.

"يوم استنفار كامل"

في حياة طبيعية كالتي يعيشها غالبية الناس حول العالم، تختصر الغسالة معظم خطوات الغسيل في دورة واحدة. أما في غزة فعلى العائلة بأكملها أن تقوم بالمهمة، غير أن النساء يحملن العبء الأكبر منها: تأمين الماء، وتجميع الأواني، واختيار ما يمكن غسله وما يجب تأجيله، ثم النقع والفرك والعصر باليد، وأخيرًا البحث عن حبل أو زاوية تصلها الشمس من دون أن تعرقل حركة الآخرين.

تبدأ معضلة الغسيل من انعدام الماء الذي يسبق كل شيء، وهي الأزمة التي أكدها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في تقرير له خلال شهر آب/أغسطس الماضي، أكد فيه أن 90% من سكان قطاع غزة يواجهون انقطاعات متكررة وغير متوقعة في الوصول إلى مياه آمنة وموثوقة للشرب والطهي والنظافة.

وأوضح التقرير أن نحو ثلاثة أرباع سكان القطاع يعتمدون على نقل مياه الشرب بالصهاريج، بوصفه وسيلتهم الأساسية للحصول عليها.

تصف غطاس يوم الغسيل بأنه "يوم استنفار كامل"، إذ غالبًا ما تكون الملابس قد تراكمت بسبب عدم انتظام وصول المياه، وتزداد المهمة مشقة لكونها تتولى شؤون أسرة مكوّنة من ستة أفراد، ما يجعل الغسيل يتراكم سريعًا، ويحوّل تنظيفه يدويًا إلى عمل يمتد لساعات طويلة.

أزمة مركبة وعواقب صحية

لكن المعضلة ليست في أزمة الماء فحسب، فالكهرباء شبه معدومة، والمنازل والأجهزة الكهربائية ومنها الغسالات دُمرت أو تُركت خلف موجات النزوح،  فيما لا تستطيع غالبية العائلات تحمّل كلفة بدائل الطاقة، ما أجبر النساء على العودة إلى الأوعية البلاستيكية، وإلى حركة متكررة من الانحناء والفرك والعصر.

يزيد من العناء، أن الملابس لا تصل إلى الغسيل باتساخ منزلي معتاد، ففي الخيام والمناطق المتضررة، تحمل الأقمشة غبار الطرق والركام، ورائحة الدخان والطهو على النار، وآثار الأرض الموحلة أو الرملية، وإزالة هذه الطبقات تحتاج إلى ماء أكثر وفرك أطول، في وقت تُقاس فيه المياه بالجالون ويصعب تعويض ما نُفد منها.

توضح أم وليد قنيطة جانبًا آخر من معضلة الغسيل في غزة، وهو نقص المنظفات والاضطرار إلى غسل الملابس بالماء فقط في كثير من الأحيان.

وتضيف أن مهمة الغسيل تترك آثارًا جسدية واضحة على النساء، فالجلوس والانحناء لساعات طويلة، وفرك الملابس وعصرها وهي مثقلة بالماء، إلى جانب رفع الأوعية ونقلها، كل ذلك يجعل من الغسيل عملاً بدنيًا شاقًا.

المشكلة أن هذه الجهد ليس الوحيد الذي تتكبده النساء في غزة، فهناك إعداد الطعام وتنظيف مكان النزوح ورعاية الأطفال والمرضى وكبار السن.

وتؤكد قنيطة أن تكرار هذه المهمة لساعات يسبب لها تشنجات وآلامًا في اليدين والظهر، وهو ما تشتكي منه عموم النساء في قطاع غزة، حيث تحول الغسيل من أسهل المهام المنزلية إلى عبء يومي يستنزف أجسادهن ووقتهن.

ومع ما يتطلبه الغسيل من جهد شاق ومتراكم، فإن المعاناة لا تنتهي بانتهائه، ففي مراكز النزوح وتجمعات الخيام تبدأ مهمة أخرى، لا تقل صعوبة، وهي العثور على مساحة مناسبة لنشر الملابس وتجفيفها، فالحبال المتاحة محدودة وتتقاسمها عدة عائلات، والممرات ضيقة ويجب إبقاؤها مفتوحة للحركة، هذا عدا عن انعدام الخصوصية تمامًا.

وتشير قنيطة إلى أنها قد تضطر إلى نقل الملابس المبللة من موضع إلى آخر بحثًا عن الشمس أو مساحة فارغة، وإذا ارتفع الغبار، أو اشتعلت نار للطهو قرب الحبال، أو سقطت الملابس في الرمل، تعود إلى الوعاء مجددًا، وتبدأ دورة جديدة من الغسل والشطف والعصر.

معاناة في الظل

تكشف رحلة الغسيل شكلاً من المعاناة لا تظهر في التقارير التي تتحدث عن تبعات الحرب والحصار، إذ إن ساعات طويلة تُستهلك في الحفاظ على الحد الأدنى من النظافة، وكل ساعة تقضيها النساء في انتظار الماء أو فرك الملابس هي ساعة تُنتزع من راحتها، أو من رعاية نفسها، أو من متابعة أطفالها وتعليمهم، أو من البحث عن طعام ومساعدة.

وبهذا المعنى، يفتح الغسيل نافذة على الطريقة التي أعادت بها الإبادة والحصار تشكيل اليوم العادي نفسه، فصورة الملابس النظيفة التي تجف على حبل بين خيمتين لا توضح حقيقة ما استهلكته من انتظار وماء وقوة جسدية ويوم كامل من العمل الشاق.

تحاول الأخصائية النفسية سيرين العبسي شرح جزء العناء الكامن في مشهد الغسيل قائلة: "حين تضطر المرأة إلى غسل ملابس أسرتها ونشرها أمام الآخرين، وفي مكان مزدحم ومكشوف، فإنها تفقد جزءًا من خصوصيتها ومن إحساسها بأن لها مساحة تخصها، ومع غياب مكان ثابت للغسيل أو النشر، وعدم ضمان توافر الماء، تصبح حتى هذه المهمة البسيطة مرتبطة بتوتر وانتظار وشعور بأن تفاصيل حياتها لم تعد تحت سيطرتها".

مع استمرار هذا الضغط، قد تظهر لدى النساء آثار مثل اضطراب النوم، وسرعة الغضب، وضعف التركيز، والشعور بالعجز أو فقدان الحافز

وتوضح العبسي أن المعاناة تصبح مضاعفة عندما تضطر إلى إعادة الغسيل بسبب الغبار والتلوث والحشرات، خصوصًا مع شح الماء ومواد التنظيف، ما يولّد شعورًا لدى النساء بأن الجهد لا ينتهي، وأنهن يبذلن طاقة كبيرة من أجل الوصول إلى حد أدنى من النظافة، لكنهن يرجعن بعد وقت قصير إلى النقطة نفسها.

ومع استمرار هذا الضغط، قد تظهر لدى النساء آثار مثل اضطراب النوم، وسرعة الغضب، وضعف التركيز، والشعور بالعجز أو فقدان الحافز، ويزيد من ذلك، بحسب العبسي، شعور النساء بأنهن يبذلن جهدًا كبيرًا من دون ملاحظة تحسن في ظروف أسرتها.

وتضيف: "القلق الدائم من عدم القدرة على توفير ملابس نظيفة للأطفال أو حمايتهم من الأمراض يضيف أيضًا شعورًا ثقيلاً بالمسؤولية والضغط النفسي".

وتؤكد العبسي أن هذا الاستنزاف للنساء يؤثر على علاقتهن بأطفالهن وأسرهن، فالمرأة التي تقضي جزءًا كبيرًا من يومها في البحث عن الماء والغسيل وإعادة الغسيل تصل في كثير من الأحيان إلى نهاية يومها منهكة جسديًا ونفسيًا، وقد تصبح أسرع انفعالاً وأقل قدرة على الصبر أو الاحتواء.

هكذا، خلف مشهد الملابس النظيفة معلّقة في الهواء، يختفي الثمن الحقيقي لهذه النظافة الذي يُدفع من أجساد النساء وصحتهن.

الكلمات المفتاحية

هل تخيّل الغزيون أن يصبح مصاغهم المادة الخام لسوق الذهب والفضة؟

هل تخيّل الغزيون أن يصبح مصاغهم المادة الخام لسوق الذهب والفضة؟

شمل الدمار أفران الصهر والصب، والقوالب، وماكينة التفريغ، ومعدات النقش والطلاء. كما انقطعت مواد حمض النيتريك والبورق والشمع والجبس، فتوقفت صناعة أصناف تحتاج إلى تجهيزات متخصصة، وفي مقدمتها السلاسل وبعض الخواتم.


تأجيل الانتخابات الفلسطينية: هروب من المسؤولية وحرمان للعشب في اختيار ممثليه

تأجيل الانتخابات الفلسطينية: هروب من المسؤولية وحرمان للشعب في اختيار ممثليه

قال القيادي في حركة فتح أحمد غنيم إن قرار تأجيل الانتخابات "يعبر عن عدم الشعور بالمسؤولية أمام التحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني"


على خرائط غوغل.. الغزيون يبحثون عن بيوتهم بين الركام

على خرائط غوغل.. الغزيون يبحثون عن بيوتهم بين الركام

نحو 98% من مدينة رفح دُمّر بالكامل، وفق تقديراته، مقارنة بنحو 40 إلى 50% خلال التهدئة في كانون الثاني/يناير 2025


أعلام المستوطنين تحاصر محل قهوة وتهدد مصدر دخل عائلة في اللبن الشرقية

أعلام المستوطنين تحاصر محل قهوة وتهدد مصدر دخل عائلة في اللبن الشرقية

يروي مؤيد محمود (50 عامًا)، صاحب المحل الذي يعمل منذ نحو 30 عامًا، لـ"الترا فلسطين"، أن مستوطنين حضروا قبل يومين وزرعوا عشرات الأعلام الإسرائيلية أمام محله.

تقرير: إسرائيل تسمح بمسح مواقع لتسليم حماس سلاحها في غزة
أخبار

تقرير: إسرائيل تسمح بمسح مواقع لتسليم حماس سلاحها في غزة

ذكرت هيئة البث الإسرائيلية "كان 11" أن الشركة، المكلّفة من "مجلس السلام"، ستعمل على تحديد مواقع في رفح وخان يونس، ضمن مناطق خاضعة لسيطرة جيش الاحتلال

شو اللي رماك هالرمية يما؟ مهدي أبو عياش
قول

شو اللي رماك هالرمية يما؟

"شو اللي رماك هالرمية يما؟"، سؤال ما زال معلّقًا في ذاكرتي، بوجع أمي عندما سألت السؤال فوق جسد "مهدي". لم أبحث عن إجابة، وربما ليس لي حق في معرفتها، لأنها، قبل كل شيء، حق لأمي


هل تخيّل الغزيون أن يصبح مصاغهم المادة الخام لسوق الذهب والفضة؟
تقارير

هل تخيّل الغزيون أن يصبح مصاغهم المادة الخام لسوق الذهب والفضة؟

شمل الدمار أفران الصهر والصب، والقوالب، وماكينة التفريغ، ومعدات النقش والطلاء. كما انقطعت مواد حمض النيتريك والبورق والشمع والجبس، فتوقفت صناعة أصناف تحتاج إلى تجهيزات متخصصة، وفي مقدمتها السلاسل وبعض الخواتم.

فرنسا تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتدعو عباس إلى التراجع عن القرار
أخبار

فرنسا تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتدعو عباس إلى التراجع عن القرار

أبدت باريس استعدادها، إلى جانب شركائها الأوروبيين، للمساعدة في إنجاح العملية الانتخابية، بما في ذلك عبر بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات التي أطلقت بطلب فرنسي

الأكثر قراءة

1
تقارير

تأجيل الانتخابات الفلسطينية: هروب من المسؤولية وحرمان للشعب في اختيار ممثليه


2
مقابلات

حوار | رمزي رباح: قرار تأجيل الانتخابات متسرع ولم نوافق عليه والحوار الوطني لا يتعارض مع إجرائها في موعدها


3
تقارير

ملف الترا فلسطين | الإبادة بعد عام من "وقف إطلاق النار": كيف حال غزة؟


4
تقارير

ملف | الانتخابات الإسرائيلية 2026: أسئلة الحرب واليمين والمعارضة وفلسطين


5
قول

الجنرالات التائبون