هل تفشل مسيّرات حزب الله رهان "الخط الأصفر" في جنوب لبنان؟
28 أبريل 2026
لم يكن دخول الجيش الإسرائيلي إلى جنوب لبنان مجرّد عملية برّيّة تقليدية، بل كان مواجهة مباشرة مع تحوّل جذريّ في عقيدة القتال لدى حزب الله. هذا التحول، الذي تمثل في الانتقال من القصف الصاروخي الكلاسيكي إلى الاعتماد الكليّ على "المسيّرات الانتحارية"، وضع المؤسسة العسكريّة الإسرائيليّة أمام مرآة عجزها.
إن ما كشفته تقارير إذاعة الجيش والقنوات العبرية (12، 13، 14) لا يتوقف عند حدود التهديد العسكريّ، بل يمتد ليشخّص أزمة قياديّة عميقة، وتبادل اتهامات حادًا بين أذرع الأمن، وفشلًا استراتيجيًا في قراءة الميدان الذي لم تعد "التكنولوجيا المتفوقة" قادرة على حمايته.
"سماء لبنان" باتت تخبئ مفاجآت لا تستطيع الرادارات الإسرائيلية، حتى الآن، فكّ شفرتها
يضع مراسل الشؤون العسكرية في القناة 12، تومر ألموغ، النقاط على الحروف فيما يخص المعضلة التقنية التي تواجهها الدفاعات الإسرائيلية. ويوضح ألموغ أن الجيش الإسرائيلي دخل المعركة وهو يمتلك أدوات جزئية للتعامل مع النوع الأول من المسيّرات، وهي تلك التي تدار عبر "الترددات اللاسلكية"، حيث يمكن للتشويش والحرب الإلكترونية تحييدها.
لكن الصدمة الحقيقية تمثلت في النوع الثاني: مسيّرات الألياف البصرية. يشرح ألموغ تفاصيل هذا السلاح "الشبح" الذي يمتد منه سلك مادي يصل حتى المشغل. هذا الرابط السلكي يجعل الطائرة محصنة تمامًا ضد أعظم تقنيات التشويش الإلكتروني في العالم.
وبحسب ألموغ، فإن هذه التقنية تسمح للمشغل برؤية الهدف بوضوح تام وتوجيه الطائرة يدويًا بدقة جراحية من مسافات تصل إلى 15 كيلومترًا. هذه المسيّرات، التي تحمل شحنات تصل إلى 6 كيلوغرامات من المواد المتفجرة، قادرة على اختراق النوافذ، والالتفاف حول التحصينات، واستهداف تجمعات الجنود داخل الآليات الثقيلة. إن "التشغيل اليدوي" هو ما جعل الاعتراض مستحيلًا، حيث لا يوجد "عقل إلكتروني" للتشويش عليه، بل عين بشرية تقود المتفجرات حتى نقطة الصفر.
خلف الستار، وفي الاجتماعات المغلقة لهيئة القيادة العليا في قاعدة "رامات دافيد"، تفجرت الخلافات بشكل غير مسبوق. وبحسب المراسل العسكري دورون كدوش، تحول ملف المسيّرات إلى كرة لهب يتقاذفها القادة. فقد تعرض قائد سلاح الجو، اللواء تومر بار، لانتقادات لاذعة من رئيس الأركان إيال زامير، الذي اتهمه صراحة بالإخفاق في بناء منظومة دفاعية فعالة رغم أن "الإنذار المبكر" لهذا التهديد كان واضحًا منذ حرب أوكرانيا في منتصف 2023، ومنذ أحداث السابع من أكتوبر حين عطلت حماس منظومات المراقبة بمسيّرات بدائية.
الخلاف لم يكن تقنيًا فحسب، بل بنيويًا؛ إذ يرى قادة الميدان أن هيئة الأركان استعدت لـ "حروب الماضي" وتجاهلت "حروب المستقبل منخفضة التكلفة". ووفقًا لكدوش، فإن حالة من الإحباط تسود القوات البرية، حيث صرح أحد القادة بمرارة: "لا يوجد الكثير مما يمكن فعله، التوجيهات التي نتلقاها بدائية وتقتصر على طلب اليقظة وإطلاق النار بالبنادق".
هذا الفراغ في الحلول الرسمية دفع القوات إلى "الارتجال الميداني"، مثل نصب الشباك المعدنية فوق المواقع والنوافذ، وهي حلول وصفها ضباط مشاركون في القتال بأنها "محرجة" ولا توفر حماية حقيقية أمام مسيّرة قادرة على المناورة والالتفاف.
على الصعيد الاستراتيجي، يقدم المحلل العسكري ألون بن ديفيد قراءة قاسية للواقع السياسي-العسكري. يرى بن ديفيد أن "المنطقة الأمنية العازلة" في الخط الأصفر التي يسعى الجيش لإقامتها في جنوب لبنان لم تعد توفر الأمان المنشود، بل أصبحت عبئًا يستنزف دماء الجنود يوميًا.
ويكشف بن ديفيد عن ضغوط سياسية هائلة يمارسها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي طلب من الجيش إيجاد "حلول قاطعة" لمشكلة الصواريخ والمسيّرات. ومع ذلك، فإن رد المؤسسة العسكرية، كما ينقله بن ديفيد، كان اعترافًا صريحًا بالعجز: "الجيش لا يملك حلًا حاسمًا حاليًا".
هذا الاعتراف ينسف الرواية الرسمية حول القدرة على حماية المستوطنات الشمالية، حيث يؤكد بن ديفيد أن المسيّرات باتت تقترب بشكل متكرر من إصابة أهداف عسكرية ومدنية، وأن "المنطقة العازلة" لا تمنع طائرة انتحارية صغيرة من اختراق الأجواء والوصول إلى منازل المستوطنين. والنتيجة هي "كلفة يومية مستمرة تدفع من دم الجنود" دون أفق لحل تقني قريب.
لم يعد التهديد نظريًا، فالمعطيات تشير إلى أن جولة القتال الحالية شهدت إصابة عشرات الجنود بجروح متفاوتة نتيجة هذه الانفجارات. الحادثة "الصعبة" التي قتل فيها الرقيب أول عيدان فوكس كانت نقطة تحول أثبتت أن حتى الآليات الثقيلة والتحصينات لا توفر الأمان المطلق.
وفي محاولة بائسة لسد الفجوة التكنولوجية، طرحت بعض الدوائر العسكرية فكرة بدائية تقوم على استخدام بنادق "الشوتغن" لإسقاط المسيّرات على مسافات قريبة (50-100 متر). هذا الطرح، الذي ذكره عدي كرمي (المسؤول السابق في الشاباك)، يعكس حجم المأزق؛ ففي الوقت الذي تمتلك فيه إسرائيل "الأقمار الصناعية" و"الليزر"، يجد الجنود أنفسهم مضطرين للعودة إلى أسلحة بدائية لمواجهة طائرات حزب الله.
ينتقد المراسل العسكري للقناة 14، نوعام أمير، ما يصفه بـ "عقلية رد الفعل" لدى الجيش الإسرائيلي. يرى أمير أن المسيّرات المفخخة لم تعد مجرد "إزعاج"، بل أصبحت "عنصرًا يعيد تشكيل أنماط القتال".
المفارقة التي يبرزها أمير هي أن حزب الله، وبدعم وتوجيه إيراني، استطاع سد الفجوة العسكرية بوسائل "منخفضة التكلفة" لا تتجاوز بضع مئات من الدولارات، بينما تنفق إسرائيل المليارات على أنظمة لا تستطيع رصد طائرة بلاستيكية صغيرة.
ويضيف أمير بعدًا استراتيجيًا جديدًا: المسيّرة ألغت الحاجة إلى "المراقبين البشريين" لتوجيه النيران؛ فهي تقوم بالاستطلاع، التوجيه، والتنفيذ في آن واحد. بل إنها تحولت إلى أداة "حرب نفسية" من خلال توثيق الهجمات وتصوير لحظات الانفجار فوق رؤوس الجنود، مما يخلق ضغطًا هائلًا على الجبهة الداخلية وقيادة الجيش.
وحول "حرب العصابات الرقمية الاستخبارية والعسكرية"، يوضح عدي كرمي، وهو ضابط سابق في الجيش وأيضًا ضابط رفيع سابق في الشاباك، للقناة 12، أن النجاح الميداني لحزب الله يرتبط بطبيعة الانتشار الإسرائيلي؛ فالقوات الإسرائيلية منتشرة في نقاط ثابتة ومرئية، مما يجعلها أهدافًا سهلة لـ "خلايا المسيّرات" التي تعمل بأسلوب حرب العصابات.
مجموعات صغيرة تتحرك بخفة، وتستخدم المسيّرات لتعقب القوات بدقة متناهية. المشغل يبقى في موقع محمي، وأحيانًا داخل أنفاق، ويوجه طائرته نحو الهدف دون أن يكشف نفسه.
هذا الواقع، بحسب كرمي، منح حزب الله تفوقًا تكتيكيًا حوّل الوجود الإسرائيلي في الجنوب إلى فخ دائم، حيث يمكن لأي طائرة أن تنفجر في أي لحظة، ليس فقط في خط التماس، بل حتى في مناطق الإمداد والقيادة الخلفية.
إن مأزق المسيّرات الانتحارية في جنوب لبنان هو قصة "فشل في التكيف". لقد كشفت هذه المواجهة أن الغطرسة التكنولوجية الإسرائيلية أعمت القيادة عن رؤية التحولات البسيطة والقاتلة في آن واحد.
الخلافات الحادة بين نتنياهو وهيئة الأركان، وتبادل الاتهامات بين سلاح الجو والقوات البرية، هي أعراض لمرض أعمق: وهو عدم القدرة على مواجهة خصم يستخدم "التكنولوجيا الرخيصة" بذكاء ميداني عالٍ.
بين تفاصيل "ألموغ" حول الألياف البصرية، وتحذيرات "بن ديفيد" من سقوط المنطقة العازلة، وإحباطات القادة التي نقلها "كدوش"، يبرز واقع جديد: "إسرائيل" تخوض سباقًا مع الزمن لتطوير وسائل اعتراض، لكن الميدان يسبقها بخطوات. ويبقى "عشرات الجنود المصابين" شاهدًا حيًا على أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على حماية القوات، وأن "سماء لبنان" باتت تخبئ مفاجآت لا تستطيع الرادارات الإسرائيلية، حتى الآن، فكّ شفرتها.
الكلمات المفتاحية
حملة إسرائيلية جديدة لتوجيه إجابات "تشات جي بي تي" حول مجاعة غزة والجيش الإسرائيلي
ليست هذه المرة الأولى التي تعتمد فيها إسرائيل على شبكة "هافاس" لمحاولة التأثير على روبوتات الدردشة الذكية
ماذا يعني قرار يسرائيل كاتس نقل صلاحيات "إنفاذ القانون" بالضفة إلى شرطة الاحتلال؟
وفق الصحفي الإسرائيلي رون بن يشاي، فإن ما وراء القرار يعود إلى كون كاتس لم يسمح أساسًا بمواجهة "مثيري الشغب اليهود في قرية قصرة" من قبل الجيش الإسرائيلي، ولذلك طالب إيال زامير بإعفائه من المسؤولية.
تعطيش الفلسطينيين.. كيف تتحول مياه الأغوار إلى أداة للتهجير؟
المستوطنون تمكنوا خلال العامين الماضيين من السيطرة على عدد من أكبر وأهم الينابيع في غور الأردن والمنحدرات الشرقية للضفة الغربية.
موسم العنب والتين وطقوس التعزيب والمنطرة
يُعدّ موسم العنب والتين في فلسطين، والمعروف في الثقافة الفلاحية والتقويم الشعبي بـ "موسم القيظ"، أحد أهم المعالم الاجتماعية والزراعية والروحية التي تشكل الوجدان والذاكرة الجمعية للفلاح الفلسطيني
أشياء لم تستطع إسرائيل إبادتها
يموت الإنسان مرتين في حياته، مرةً حين يُستهدف جسده، ومرةً عندما تُستهدف حكايته، وبما أن الحكاية ليست شيئًا ماديًا يمكن كسره/قتله، فهي أيضًا غير قابلة للإبادة
إسلام حجازي يروي شهادته على الإعدام وعذابات السجون
الأسير المحرر إسلام حجازي يروي شهادته عن عذابات السجون ويتحدث عن إعدام الاحتلال الإسرائيلي الطبيب عدنان البرش، بالإضافة إلى أسرى في معسكر الاعتقال سديه تيمان.
المتطرف إيتمار بن غفير يدعو إلى قتل 30 - 40 فلسطينيًا في غزة كل يوم
دعا وزير الأمن القومي للاحتلال المتطرف إيتمار بن غفير علنًا إلى قتل "30 إلى 40" شخصًا في غزة كل ليلة