ultracheck
قول

هل حل خريف نتنياهو؟

12 سبتمبر 2026
هل حل خريف نتنياهو؟
نبهان خريشة
نبهان خريشة صحفي وكاتب فلسطيني

ربما يكون هذا الخريف مختلفًا عن كل الفصول السياسية التي مر بها نتنياهو منذ أن أصبح الشخصية الأكثر حضورًا وتأثيرًا وإثارة للانقسام في السياسة الإسرائيلية. فبعد إغلاق باب تقديم القوائم لانتخابات الكنيست المقررة في السابع والعشرين من تشرين الأول المقبل، بدأت الحسابات تنتقل من مرحلة المناورات والتحالفات إلى مرحلة الأرقام، والأرقام حتى الآن لا تبدو مريحة لبنيامين نتنياهو.

كان نتنياهو يراهن على أن يعيد إنتاج إحدى وصفاته القديمة، وهي إدخال وجوه جديدة وشخصيات ذات حضور عسكري أو إعلامي أو مجتمعي إلى قائمة الليكود، بما يمنح الحزب جرعة انتخابية جديدة، ويعيد اجتذاب جزء من الناخبين الذين ابتعدوا عنه. وبالفعل استخدم المقاعد التي يملك حق تخصيصها لإدخال شخصيات جديدة إلى القائمة. لكن المفارقة أن هذه العملية لم تحدث حتى الآن التحول الذي كان ينتظره. فالليكود، الذي حصل على 32 مقعدًا في انتخابات 2022، يدور في استطلاعات حديثة حول عشرين مقعدًا، في مؤشر إلى أن المشكلة لم تعد في أسماء المرشحين بقدر ما أصبحت في رأس القائمة نفسه وفي حصيلة سنوات حكمه.

هنا تكمن المعضلة الحقيقية لنتنياهو. فهو يستطيع تغيير الأسماء، وإعادة ترتيب القائمة، واستحضار شخصيات عسكرية وإعلامية، ويمكنه أن يعقد التحالفات ويفكك أخرى، لكنه لا يستطيع أن يخرج نفسه من الانتخابات. فالانتخابات المقبلة تبدو، أكثر من أي انتخابات إسرائيلية سابقة، استفتاء على نتنياهو نفسه.

والأهم أن المشكلة لا تتعلق بعدد المقاعد التي سيحصل عليها الليكود فقط. في النظام السياسي الإسرائيلي، ليس ضروريًا أن يكون الحزب الأول هو الذي يشكل الحكومة؛ السؤال الحاسم هو "من يستطيع الوصول إلى 61 عضوا في الكنيست؟"، ومن هنا فإن أزمة نتنياهو مضاعفة. فهو يحتاج إلى أن يحافظ الليكود على قوته، وفي الوقت نفسه يحتاج إلى أن تعبر الأحزاب الحليفة له نسبة الحسم وأن يمتلك معسكره مجتمعا أغلبية برلمانية.

ولهذا أمضى نتنياهو الأسابيع الأخيرة في محاولة منع ضياع أصوات اليمين، والضغط باتجاه دمج الأحزاب الصغيرة خشية أن تسقط تحت نسبة الحسم. وقد نجح جزئيا في دفع بتسلئيل سموتريتش إلى التحالف مع موشيه فيغلين، لكنه لم ينجح في توحيد جميع مكونات اليمين، فيما رفض إيتمار بن غفير العودة إلى التحالف مع سموتريتش. وهذا يفسر حالة القلق داخل معسكر نتنياهو: بضعة أعشار من النسب المئوية قد تكون الفارق بين استمرار حكمه وانتقاله إلى المعارضة.

في المقابل ابرمت أحزاب المعارضة اتفاقات فائض الأصوات. ففي النظام الانتخابي الإسرائيلي تستطيع قائمتان توقيع اتفاق لتجميع فائض الأصوات المتبقي بعد توزيع المقاعد، بما يزيد فرص إحداهما في الحصول على مقعد إضافي كان يمكن أن يضيع بسبب طريقة احتساب المقاعد. ولهذا لا تبدو هذه الاتفاقات مجرد ترتيبات تقنية، بل جزءا من معركة دقيقة على كل مقعد في كنيست قد تفصل فيه مقاعد قليلة بين نتنياهو والحكومة.

لذلك لم يعد غريبا أن تتسرب من داخل أوساط الحملة الانتخابية لليكود تقديرات أكثر تشاؤما. فالمعركة لم تعد بالنسبة إلى نتنياهو مع خصوم الوسط واليسار وحدهم، وإنما داخل اليمين نفسه. هناك ناخب يميني لا يريد الانتقال إلى اليسار، لكنه في الوقت ذاته لم يعد مقتنعا بأن نتنياهو هو الرجل القادر على قيادة إسرائيل في المرحلة المقبلة.

وهنا يظهر العامل الذي حاول نتنياهو طوال السنوات الثلاث الماضية تأجيل لحظة الحساب بشأنه: السابع من أكتوبر.

استطاع نتنياهو، إلى حد بعيد، إدارة النقاش الإسرائيلي بعد الهجوم باتجاه الحرب: غزة، إيران، لبنان، سوريا، الأسرى، "النصر"، والتهديدات الإقليمية. وكلما ابتعد النقاش عن صباح السابع من أكتوبر كان ذلك أفضل بالنسبة إليه. لأن السؤال الأخطر سياسيا ليس ماذا فعل نتنياهو بعد الهجوم، وإنما ماذا فعل قبله؟ وماذا كان يعرف؟ ولماذا وقعت أكبر كارثة أمنية في تاريخ إسرائيل الحديث وهو رئيس للحكومة؟

ثم جاء تحقيق صحيفة هآرتس ليعيد فتح الجرح في أسوأ توقيت انتخابي ممكن. فالتحقيق المنشور أخيرا يزعم أن الرئيس الإماراتي محمد بن زايد اتصل بنتنياهو قبل نحو عشرة أيام من الهجوم، وحذره من أن يحيى السنوار يعد لتحرك كبير قد يشعل المنطقة. ووفقا للتقرير، تعامل نتنياهو مع التحذير بهدوء ولم ينقله إلى القيادات الأمنية. نفى مكتب نتنياهو التقرير، أمّا خطورة القصة سياسيًا، لا تحتاج إلى حكم محكمة، لأنها تعيد السؤال الذي يحاول نتنياهو الهرب منه: ماذا كنت تعرف قبل السابع من أكتوبر؟

وهذا هو المكان الذي يتحول فيه نتنياهو إلى ما يشبه الثور الجريح. الضربات تأتيه من أكثر من اتجاه، وكل ضربة تدفعه إلى مزيد من الهجوم، لا إلى الدفاع. وهو يعرف أن الاعتراف بأي قدر من المسؤولية قد يفتح الباب أمام انهيار الرواية التي بناها طوال السنوات الماضية، والقائمة على تحميل المؤسسة الأمنية والعسكرية العبء الأكبر من الإخفاق.

ولهذا قاوم تشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة في أحداث السابع من أكتوبر، بينما أصبح خصومه يعتبرون هذه القضية المدخل الأكثر قدرة على إسقاطه سياسيا. وبعد تقريرهآرتس، عاد نفتالي بينيت وغادي آيزنكوت وغيرهما إلى المطالبة بالمحاسبة والتحقيق، لأن القضية لم تعد بالنسبة إليهم مجرد إخفاق استخباري، وإنما سؤال عن مسؤولية رأس الهرم السياسي نفسه.

قد يستطيع نتنياهو أن يقول للناخب الإسرائيلي إنه غير خريطة الشرق الأوسط، وإنه خاض حروبا على جبهات متعددة، وإن إسرائيل أصبحت أكثر قوة وردعا. وسيحاول بالتأكيد أن يجعل الأمن الإقليمي وإنجازاته العسكرية محور حملته الانتخابية. لكن خصومه سيطرحون سؤالا أبسط وأكثر إيلاما: إذا كنت الرجل الذي يستطيع إعادة تشكيل الشرق الأوسط، فكيف لم تستطع حماية المستوطنات المحاذية لغزة صباح السابع من أكتوبر؟

ذلك السؤال قد يكون أقوى من عشرات الخطب الانتخابية. فالناخب الإسرائيلي لا يصوت فقط على ما حدث في غزة أو إيران أو لبنان، وإنما على إحساسه بالأمن الشخصي. والسابع من أكتوبر حطم واحدة من أهم المسلمات التي قامت عليها العلاقة بين الإسرائيلي ودولته: أن المؤسسة العسكرية والأمنية قادرة، في اللحظة الأخيرة، على حمايته.

وقد دفع قادة عسكريون وأمنيون أثمانا متفاوتة بسبب ذلك الإخفاق، بينما بقي نتنياهو متمسكا بمعادلة تقول، عمليا، إن المسؤولية تقع تحت مكتبه لا داخله. وهذه المعادلة هي التي ستخضع للاختبار في صندوق الاقتراع.

مع ذلك، سيكون من الخطأ إعلان نهاية نتنياهو قبل فرز الأصوات. الرجل أثبت أكثر من مرة قدرته الاستثنائية على النجاة السياسية، وعلى تحويل الأزمات إلى أدوات تعبئة لجمهوره. كما أن الانتخابات الإسرائيلية لا تحسمها شعبية شخص واحد فقط، وإنما خريطة معقدة من الأحزاب والتحالفات ونسبة الحسم والقدرة على بناء ائتلاف من 61 نائبا.

لكن الفارق هذه المرة أن نتنياهو يدخل المعركة وهو يدافع عن إرثه، لا عن برنامجه فقط. يدخلها محملا بالسابع من أكتوبر، وبسنوات الحرب والانقسام الداخلي، وبأسئلة المسؤولية التي تأجلت طويلا ولم تختف.

لقد حل خريف نتنياهو فعلا. والسؤال لم يعد إن كان الليكود سيخسر مقعدين أو يكسب مقعدين، بل إن كان النظام السياسي الإسرائيلي قد وصل إلى اللحظة التي يصبح فيها نتنياهو عبئا على اليمين أكثر مما هو مصدر قوة له.

في السابع والعشرين من أكتوبر سيذهب الإسرائيليون إلى الصناديق. سيختارون أحزابا، لكن خلف أوراق الاقتراع سيقف سؤال واحد أكبر من أسماء القوائم كلها: من سيدفع ثمن السابع من أكتوبر؟

حتى الآن، تشير اتجاهات استطلاعات الرأي إلى أن نتنياهو يواجه أخطر انتخابات في مسيرته، وأن طريقه إلى تشكيل الحكومة المقبلة يزداد صعوبة. لكن الحكم النهائي سيبقى للصندوق. وقد يكون ذلك هو الخريف الذي يكتشف فيه الرجل الذي نجا من كل فصول السياسة الإسرائيلية أن هناك فصلا لا يمكن تأجيله إلى الأبد: فصل الحساب.

الكلمات المفتاحية

ثلاث سنوات بحثًا عن يوم عادي

ثلاث سنوات بحثًا عن يوم عادي

أشتاق إلى مشوار تكون لديّ في نهايته حكاية عادية


حين احتضنت قونية فلسطين

حين احتضنت قونية فلسطين

عندما ظهر أطفال غزة في الملعب، شعرت أنني لم أعد أشاهد المباراة من بعيد، بقيت عيني معلقة بهم؛ أطفال أعرف المكان الذي جاؤوا منه، وأعرف جيدًا ما تعنيه غزة حين تظهر في الأخبار


السؤال هل ستجري الانتخابات أم لا يكشف أزمة الحكم

السؤال هل ستجري الانتخابات أم لا يكشف أزمة الحكم

حين يسأل الفلسطينيون "هل ستجري الانتخابات التشريعية أم ستؤجل مرة أخرى؟"، فإنهم لا يعبرون عن فضول تجاه حدث سياسي مقبل، بل يكشفون عن أزمة عميقة في علاقتهم بالنظام الذي يحكمهم


إبادة المرأة الفلسطينية في زمن الإبادة

إبادة المرأة الفلسطينية في زمن الإبادة

الخطاب المضاد للإبادة ذكوري الطابع، فهو يعتمد أيضًا على لغة شمولية عنيفة وبطولية للغاية، يمارس من خلالها الضغط على إمكانيات بروز لغة أنثوية ونسوية مضادة

مركز "مدار" يناقش الضم الإسرائيلي الجاري في ضم الضفة الغربية
أخبار

مركز "مدار" يناقش الضم الإسرائيلي الجاري في الضفة الغربية

عقد المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية - مدار، طاولة مستديرة ثانية، لنقاش ورقة بعنوان "لا هل وإنما كيف: الضم الإسرائيلي الجاري في الضفة الغربية"

تحليل إسرائيلي: أربعة سيناريوهات لتشكيل الحكومة المقبلة
أخبار

تحليل إسرائيلي: أربعة سيناريوهات لتشكيل الحكومة المقبلة

تشمل السيناريوهات، تحالفات بين خصوم سياسيين، وانشقاقات داخل الليكود، وحتى تشكيل حكومة أقلية بدعم غير مباشر من الأحزاب العربية


حماس ترد على مزاعم الاحتلال بشأن استخدام مستشفيات غزة وتحذّر من استهدافها
أخبار

حماس ترد على مزاعم الاحتلال بشأن استخدام مستشفيات غزة وتحذّر من استهدافها

حماس: نحذّر من اتخاذ الادعاءات الكاذبة ذريعة للاعتداء على ما تبقى من مستشفيات غزة، وندعو الأمم المتحدة إلى زيارتها والتحقق من زيفها

مؤسسات الأسرى: 26 ألف حالة اعتقال وأكثر من 100 شهيد منذ بدء الإبادة
أخبار

مؤسسات الأسرى: 26 ألف حالة اعتقال وأكثر من 100 شهيد منذ بدء الإبادة

مؤسسات الأسرى: 92 شهيدًا بين صفوف الأسرى المعلومة هوياتهم خلال ثلاثة أعوام.. والإخفاء القسري يحجب مصير العشرات من شهداء معتقلي غزة

الأكثر قراءة

1
مقابلات

من الحبر إلى الأمن.. الخالدي يكشف لـ "الترا فلسطين" ترتيبات الانتخابات التشريعية بغزة


2
تقارير

ملف | الانتخابات الإسرائيلية 2026: أسئلة الحرب واليمين والمعارضة وفلسطين


3
قول

الجنرالات التائبون


4
تقارير

تسمم وأمراض تهدد النازحين.. من يضمن سلامة مياه الشرب في غزة؟


5
مقابلات

حوار | وليد حباس: المنافسة في الانتخابات الإسرائيلية على إدارة الاحتلال لا على إنهائه