ultracheck
قول

هل يعامل العالم الفلسطيني بفوقية؟

18 يونيو 2026
هل يُنظر إلى الفلسطيني بفوقية؟
عامر المصري
عامر المصري كاتب فلسطيني

بعد خروجي من البلاد، واختلاطي بشعوبٍ وثقافاتٍ مختلفة، بدأت أتحسس نظرات العالم للفلسطيني. وببراءة ضَحية كنت أعتقد أن البشر العاديون -أمثالنا- حتمًا يعرفون الحقيقة، وهم بالتأكيد يصطفّون إلى جانب المسحوقين، ولا يحتاجون في ذلك لأيّ حجةٍ أو برهان. ولكن، ما وجدتُه وشعرتُ به طوال أربع سنوات زرتُ فيها بلدانًا عديدة، كان مختلفًا تمامًا، فقد كنتُ دائمًا بحاجة لشرح نَفسي وشرح مدينتي كأنني بذلك أحاول إثبات معاناتي، وطوال هذه الرحلة لم يغب عن ذهني أبدًا جُملة الروائي إلياس خوري: "يحبون فلسطين، ويكرهون الفلسطينيين".

هناك مسافة -ليست جغرافية فقط- تفصل الفلسطيني عن العالم، ما يُسهّل تحويل الفلسطيني إلى فكرة، وتناقل معاناته كقصة، واختزال كونه ضحيّة في صورة أو مشهد

على الرغم من ذلك، لم أفكر في الكتابة عن الأمر، فالكتابة عن الإبادة دائمًا أولى بالنسبة لي. ولكن، عندما سمعتُ حديث محمد عساف، في بودكاست "قصتي" مع الإعلامي محمد قيس، عن "النظرة الدونية" التي يواجهها الفلسطيني، ثمّ رأيتُ وسمعتُ ردود الأفعال الغاضبة عليها، قلت: هذا وقت الكتابة. خصوصًا مع شعوري أنّ هذه النظرة مرتبطة بالإبادة بشكلٍ ما، فكيفَ لا يكون التعامل مع الفلسطيني بفوقية محاولة لتصنيفه ووضعه في مرتبة أقل؟ وبالتالي التشكيك في معاناته وحقوقه، ما يجعل قتله وإلغاء وجوده أمرًا قابلاً للتبرير.

الفلسطيني الذي لا يُشبهنا

اعتقدتُ طويلاً أن الأمر مرتبط بجَهل البعض بالفلسطيني وبما يعانيه في حياته اليومية، ولكنني اكتشفتُ لاحقًا شيئًا آخر، وهو أن العالم ليس بحاجة لمعرفة ما يحدث، فهو يحمل فكرة جاهزة عن الفلسطيني قبل أن يلتقي به أصلاً، فكرة تجرده من كونه إنسانًا عاديًا يحبّ الحياة، يذهب إلى عمله في الصباح، يغضب، يصيب ويخطئ، وعندما يحب يخلع قلبه ويقدّمه هديةً لحبيبته. فكرة تجعله محصورًا بين صورتين فقط: إما قتيلًا يُمكن البكاء عليه، أو بطل أسطوري لا يعرف التعب ولا الانكسار.

اكتشفتُ ذلك في جلساتي العابرة مع أصدقاء وغرباء، وفي نقاشاتٍ مطولة عن الإبادة والخوف والجوع جعلتني أصمتُ كثيرًا، مرةً لمحاولة استيعاب ما أسمع، ومرةً رغبةً في بكاء لا يتوقف. ففي مرةٍ وأنا أتحدّث مع شخصٍ عن الحرب، قال: "بغضّ النظر عن الذين ماتوا..." ثمّ أكمل حديثه كأنّ شيئًا لم يكن، بينما أنا، ظللتُ عالقًا في تلك الجملة، أتساءل: كيف يمكن تجاوز موت عشرات الآلاف بهذه السهولة؟ وكيف يتحول بشرٌ عاديون لديهم عائلات وأحلام وطموحات لهامشٍ في جملة اعتراضية؟!

ولم يكن هذا الموقف الوحيد، ففي مرةٍ أخرى لا يمكن الحديث عنها دون القول إنها نابعة من نظرة فوقية، تجرّد الفلسطيني من آلامه وتقزّمها، سألني أحدهم: هل ما نراه على السوشيال ميديا من قتل ودمار حقيقي؟ فصَمتُّ ولم أردّ، وقلت بيني وبين نفسي باستهزاء ويأس: أوصل بي الحال إلى أن أثبتَ صحة موتي المعروض على التلفاز بالبثّ المباشر؟

لماذا علينا أن نشرح دائمًا؟

ربما لولا أن العالم ينظر إلينا بفوقيه، لما كنتُ مضطرًا في كلّ مرة أن أشرح نفسي ومدينتي وبلدي. فقد كان عليّ دائمًا أن أشرح الوضع في فلسطين -وغزة تحديدًا- لمَن أقابلهم. يبدأ الأمر دائمًا بشرح الخريطة، وكيف يتوزّع الفلسطيني في بلادٍ ممتلئة بالجدران والحواجز، ثمّ شَرح طريق الغزّي في الحياة والسفر، والحديث عن الحروب وتأثيرها ووصف كيف يموت الناس في بلادي بشكلٍ يومي، وكان عليّ في كلّ مرة أن أتجاهل الدهشة التي أراها في أعين المستمعين، كأنني أحكي قصة أناسٍ يعيشون في العصور الوسطى، ولم يصل من حياتهم للبشر إلا القليل.

والغريب أن الأمر لم يكن يتوقف عند حدود الدهشة، فمَع مرور الوقت بدأت أشعر أن الأسئلة الموجهة إليّ لا تنطلق من رغبة في الفهم، بقدر ما هي وسيلة لخلقِ مسافة بيني وبين السائل. هذه المسافة التي كانت تجعل حياة الفلسطيني دائمًا حدثًا استثنائيًا -يُشبه أفلام هوليود- لا تجربة إنسانية يُمكن التعاطف معها. عند هذه النقطة، اكتشفت أنني كفلسطيني عليّ أن أشرح حياتي وأبررها، كأنّ وجودي بحدّ ذاته بحاجة إلى تبرير وتفسير دائم.

التضامن مع فلسطين لا مع أهلها!

مع كلّ مظاهرة وحملة تضامن كُنت أراها على منصات التواصل الاجتماعي أو على شاشات الأخبار، كان سؤالٌ واحد يدقّ في رأسي دائمًا: لماذا لا أرى هذا التضامن عندما تتحوّل فلسطين من قضية إلى إنسان؟ وكنتُ دائمًا أجيب نفسي قائلًا: إن التعامل مع فكرة فلسطين، أسهل بكثير من التعامل مع إنسان فلسطيني مشوّه بفعل الحروب والخسارات، فذات الشوارع التي يخرج فيها المتظاهرون، يُمنع الفلسطيني من الوصول إليها، وإذا وصل قد لا يتمكن من الإقامة مطولًا، ولا يخلو الأمر من ساعات توقيف وتحقيق طويلة. وعند السؤال عن السبب، يمكن أن نسمع مبررات لا حصر لها، لكننا نادرًا ما نسمع اعترافًا بسيطًا يقول: إنّ العالم ما يزال ينظر إلينا من برجه العاجي.

ولا يتوقف الأمر عند حدود التضامن، بل يمتد ليشمل الطريقة التي يُنظَر بها إلى الفلسطيني نفسه، فعندما يفوز الفلسطيني في برنامج غنائي، أو يحصد جائزة أدبية، أو يحقق إنجازًا رياضيًا، يتعامل معه الكثيرون كحالة استثنائية تستحق الشفقة، لا كشخص موهوب عَمل طويلًا حتى حقق مبتغاه. كأنّ الفلسطيني لا يستحق النجاح العادي، وعليه أن يكون دائمًا عبارة عن "حالة خاصة".

عند هذه النقطة بالتحديد، نجد أن بعض أشكال التعاطف تتحوّل إلى نوع خفي من الانتقاص، وإلا، فلماذا لا يعامل الفلسطيني في البلدان الأخرى كغَيره؟ ولماذا يندهش الناس إذا نجح الفلسطيني، بينما لا يحدث ذلك عندما ينجح أيّ شخصٍ آخر في العالم؟ فإذا كان النجاح أمرًا طبيعيًا ومتوقعًا عند الآخرين، فلماذا يبدو استثنائيًا إلى هذا الحد عندما يتعلق الأمر بفلسطيني؟

صورة لم نلتقطها بإرادتنا

في نظري، لا يُمكن فَصل النظرة الدونية التي تلاحق الفلسطيني عن كونه إنسانًا ضعيفًا غير قادر على انتزاع حقوقه، والتمتع بحياة عادية مثل باقي البشر. لذلك، يُمكن القول إنّ التعامل مع الفلسطيني بفوقية ينبع أحيانًا من ضعفه، فالعالم مهما قَدّر الضعيف وتعاطف معه لن يستطيع أن يعيش معاناتَه وبالتالي سيظلّ عاجزًا عن فهمه، وقد يملّ من سَماع مأساته وتكرارها.

من جهةٍ أخرى، يميل الناس غالبًا إلى الإصغاء للمنتصر أكثر من إنصاتهم للمهزوم، وربما يرجع ذلك إلى أنّ القوي صاحب الصوت الأعلى، ما يجعله قادرًا على فرض روايته وصناعة صورته بالشكل الذي يشاء. بينما نحنُ، فما زلنا عاجزين عن القيام بذلك، سواء كان ذلك لضعفنا ومحدودية أدواتنا، أو لإصرارنا الدائم على وضع صورتنا خارج إطار الهزيمة، حتى في أكثر لحظاتنا انكسارًا. وربما هذا بالتحديد ما يجعل العالم يرانا من فوق كنقاط سوداء، فلا صورتنا واضحة ولا صوتنا مسموع، ولا حتى جروحنا ظاهرة بما يكفي.

أن نُرى كما نَحنُ

بعد سنواتٍ من رؤية العالم، يمكنني القول: هناك مسافة -ليست جغرافية فقط- تفصل الفلسطيني عن العالم، ما يُسهّل تحويل الفلسطيني إلى فكرة، وتناقل معاناته كقصة، واختزال كونه ضحيّة في صورة أو مشهد. بينما خلف هذه المسافة، يوجد إنسان يُحاول أن يعيش ويبتسم ويجرّب، وينتظر أن يُرى فقط كما هو، لا كما يتخيّله الآخرون.

الكلمات المفتاحية

هل يعيش النظام الصهيوني سنواته الأخيرة؟

هل يعيش النظام الصهيوني سنواته الأخيرة؟

الأزمة الداخلية الصهيونية يتوجب قراءتها بعمق، بعيدًا عن الصور النمطية المعبأة باليأس والإحباط نتيجة إمعان النظام الصهيوني في كيّ وعي الجماعات المقاومة والمناوئة له


في غزة.. حتى الموتى ينتظرون دورهم

في غزة.. حتى الموتى ينتظرون دورهم

في غزة، فقد يسقط البيت فوق من فيه، ويعرف الناجون أن أهلهم تحته، لكنهم لا يملكون طريقًا إليهم. لا معدات كافية، ولا وقت آمن للحفر


نحو صياغة عهد تربوي جديد

نحو صياغة عهد تربوي جديد

إن فكرة المعهد الوطني التربوي، ضرورة وطنية ملحّة، فما نراه من ارتجالية في رسم السياسات التعليمية، ينذر بذهابنا في التعليم إلى هناك.


تركة الزميل الراحل أحمد طرازعة

تركة الزميل الراحل

أخرجوا المعتقل الإداري أحمد طزازعة (18 عامًا)، من بلدة قباطية جنوب جنين، وكان وحيد والديه. وبعد دقائق عادوا ليأخذوا غطاءه.

ضغوط أميركية لوقف النار ونزع سلاح حماس... وأوغندا تنضم للقوة الدولية
أخبار

ضغوط أميركية لوقف النار ونزع سلاح حماس... وأوغندا تنضم للقوة الدولية

هيئة البث الإسرائيلية: إسرائيل لم توقع بعد على الاتفاق الذي يتيح إدخال قوة الاستقرار الدولية إلى قطاع غزة

تحقيق: شهادات عن تعذيب واعتداء جنسي بحق نشطاء أسطول الصمود
راصد

تحقيق: شهادات عن تعذيب واعتداء جنسي بحق نشطاء أسطول الصمود

كشف التحقيق عن نمط منهجي من سوء المعاملة والانتهاكات الجسدية، وحالة اعتداء جنسي موثقة، تعرض لها نشطاء "أسطول الصمود العالمي" خلال احتجازهم لدى القوات الإسرائيلية في أيار الماضي


هيئة مقاومة الجدار: 59 أمرًا للاحتلال بإزالة الطبقة الشجرية من أراضي المواطنين منذ مطلع العام
أخبار

مقاومة الجدار: 59 أمرًا بإزالة الطبقة الشجرية من أراضي المواطنين منذ مطلع العام

أصدر الاحتلال ثمانية أوامر عسكرية، نصّت على إزالة النباتات البرية واقتلاع أشجار الزيتون من الأراضي المحددة في الخرائط المرفقة بالأوامر، واستهدفت مساحة إجمالية بلغت 316,636 دونمًا

غضب في الكابنيت من نتنياهو.. رئيس الشاباك: موافقة حماس على خريطة الطريق "7 أكتوبر سياسي"
أخبار

غضب في الكابنيت من نتنياهو.. رئيس الشاباك: موافقة حماس على خريطة الطريق "7 أكتوبر سياسي"

كشفت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن اجتماع "الكابينت"، خصص جزءًا واسعًا من مداولاته لبحث تطورات الأوضاع في قطاع غزة ومسار المفاوضات مع حركة حماس بشأن الاتفاق

الأكثر قراءة

1
تقارير

خاص | مسودة قرار تعدّل تشكيل المجلس الوطني: 67 عضوًا من الداخل بـ"التوافق والتشاور" ومقعد للرئيس


2
تقارير

من أبو حسنة إلى أبو راشد.. تهم "الإرهاب" تلاحق نشطاء إغاثة غزة في الخارج


3
راصد

قراءة في التقرير السنوي لمعهد الأمن القومي الإسرائيلي: تآكل النواة الصلبة واستنزاف الجدار الحديدي


4
تقارير

خاص الترا فلسطين | بنود اتفاق غزة: السلاح وحقوق الموظفين والمساعدات


5
تقارير

منير البرش لـ"الترا فلسطين": 53% من أدوية غزة رصيدها صفر والقطاع يواجه انهيارًا صحيًا