ultracheck
قول

هل يعيش النظام الصهيوني سنواته الأخيرة؟

6 أغسطس 2026
هل يعيش النظام الصهيوني سنواته الأخيرة؟
باسم خندقجي
باسم خندقجيكاتب فلسطيني وأسير محرر

لا يعتمد هذا المقال، في إطاره العام، على تنبؤات آخر الزمان والرؤى الخلاصية للسرديات الكبرى في هذا العالم، بل يعتمد بصورة أساسية على قراءة واقعية عميقة للسياق المؤسس لنظام الأبارتهايد الكولونيالي الصهيوني، ومدى تآكل محددات وعوامل بقاء هذا النظام.

إذ إنه، ومنذ نكبة عام 1948 على الأقل، يحمل في جوهره تناقضاته الرئيسية والثانوية، التي استطاع ديفيد بن غوريون، باني ومؤسس الدولة الصهيونية، إدارتها والسيطرة عليها بكل براعة سياسية كفلت له بلورة مفهوم دولة الأمة بوصفها دولة مؤسسات وأنظمة تشريعية وقضائية وتنفيذية، والأهم من ذلك أنه استطاع بناء ما يُطلق عليه بالعبرية "المملختيوت"، أي الدولة الرسمية والحكومية، المستقلة عن الأهواء السياسية والرغبات الفئوية والشخصية، والتي تُعدّ أيضًا بمثابة الكهنوت المُنظِّم والضامن لاستمرارية الدولة بوصفها دولة مؤسسات وإجراءات ذات أبعاد رسمية وطقوسية. وتتمثل الدولة الرسمية في مؤسسات تُعدّ بدورها القواعد التي شُيّد عليها هرم الهيمنة ببعده الأشكنازي الأبيض، وما يسمى ببوتقة الصهر، بالإضافة إلى المجتمع الصهيوني بأطيافه المتعددة، ومن أهم هذه المؤسسات: الجيش، والكنيست، والمحكمة العليا، والكيبوتس، والنظام السياسي الديمقراطي الصهيوني.

كيف نساعد النظام الصهيوني على هزيمة نفسه من الداخل والقضاء على مكوناته التأسيسية الرسمية؟

وعند الخوض في أعماق التركيبة الديمغرافية والاجتماعية والسياسية الصهيونية، ليس من الصعوبة بمكان اكتشاف عدة صدوع طالت هذه التركيبة منذ اللحظة النكبوية التأسيسية للنظام الصهيوني، بدءًا من الصدع الديني العلماني، الذي استطاع بن غوريون إدارته، بل رأبه قليلًا، حين اتفق مع التيارات الدينية اليهودية الأرثوذكسية على إضفاء الطابع الديني على الصورة العامة للدولة المنشودة، عبر موافقته على احتكار الحاخامية اليهودية الرسمية لقضايا الأحوال الشخصية، وتحليل الطعام وفق الشريعة اليهودية "الكشروت"، وأن يكون يوم السبت هو العطلة الرسمية للدولة، بالإضافة إلى تمويل الحكومة الصهيونية للمؤسسات التعليمية الدينية، ومنحها استقلالية تامة عن منظومة الدولة التعليمية. ولم تنص الاتفاقية على إعفاء كامل للمتدينين من الخدمة العسكرية، بل إن بن غوريون قرر منح إعفاء محدود لبضع مئات من طلبة المعاهد الدينية عام 1948، ليتحول ذلك الإعفاء، مع مرور الوقت، إلى إجراء دائم ذي صفة قانونية متفق عليها بين أركان النظامين السياسي والحكومي الصهيونيين.

غير أن هذا الصدع الديني العلماني بات، مع مرور الوقت وتبدل الحكومات، تناقضًا على أهبة الاستعداد ليغدو تناقضًا رئيسيًا يحمل إمكانية تدمير الطابع الرسمي للدولة "المملختيوت"، خاصة في ظل الخلاف الحالي المتصاعد بين الحكومة الصهيونية الحالية، بقيادة نتنياهو، وشركائه في الحكم من الأحزاب الدينية الرئيسية. ففي حين تطالب هذه الأحزاب بإقرار قانون رسمي لإعفاء طلبة المعاهد والمدارس الدينية من الخدمة العسكرية، فإن الجيش الصهيوني، الذي يُعدّ بوتقة صهر الدولة وتناقضاتها المتعددة، يطالب بتجنيد المتدينين بحجة أنه يعاني من نقص في موارده البشرية، لتؤازره في استغاثته العاجلة المحكمة العليا الصهيونية، التي تُعدّ الصمغ اللاصق لصدوع المجتمع الصهيوني ودرة تاج الديمقراطية الصهيونية، وذلك حين قضت بأنه لا يوجد أساس قانوني للاستمرار في إعفاء المتدينين من الخدمة العسكرية، وبالتالي ألزمت حكومة نتنياهو بالشروع في عملية تجنيدهم الإجباري.

لتتجلى الأزمة بين أهم ثلاث قواعد رسمية شُيّدت عليها الدولة الصهيونية، ألا وهي: الجيش، والسلطة القضائية، والسلطة التنفيذية، مما انعكس أفقيًا على تركيبة المجتمع الصهيوني الشاملة، وذلك من خلال دعم التيارات القومية العلمانية وبعض تيارات الصهيونية الدينية لمبدأ المساواة أمام القانون وتقاسم الأعباء التي تتسبب بها العقيدة الأمنية الصهيونية في حمايتها وصونها للمشروع الصهيوني. فأن يخدم الصهيوني الأشكنازي أو الشرقي في الجيش، ويدفع الضرائب أيضًا لكي يحمي ويموّل النظام التعليمي والاجتماعي للجماعة الدينية اليهودية المستقلة عن الدولة، فإن هذا يعني انعدام المساواة في ظل تمنّع وإعفاء طلبة المعاهد الدينية من التجنيد والانخراط في المؤسسة الأمنية والعسكرية الصهيونية.

لتكشف هذه الأزمة "المملختية" عن عمق وفداحة الصدع الديني العلماني، الذي استحال صدعًا متعمقًا في طبقات الدولة الرسمية المؤسسة أيضًا للعقيدة الصهيونية ووعيها الجمعي، مما يفتح الباب أمام ربط الصدوع الأخرى، المتمثلة بالصدع الأشكنازي الشرقي، والصدع الفلسطيني الصهيوني، والصدع الإثني والجنساني، بالإضافة إلى صدوع أخرى ثانوية، لكنها ستلتحق عاجلًا أم آجلًا بالصدع الأعمق، ألا وهو الصدع الديني العلماني الرسمي.

ويزداد تآكل وتفكك منظومة الدولة الرسمية، وفق رؤية بن غوريون، نتيجة تنامي الرغبات السياسية الفئوية، وصعود قياسي للقومية الشعبوية المتطرفة، التي باتت تطالب بهدم أسوار وحصون المحكمة العليا الصهيونية، وعدم الانصياع لقراراتها وفتاواها القضائية. والأهم من ذلك أن تفاقم التناقضات الداخلية الصهيونية، وتعاظم صدوعها وتعمقها، يعود، في مستوى من مستوياته، إلى تراجع حدة الصراع الفلسطيني الصهيوني، وتلاشي فزاعة المخاطر الوجودية المهددة للنظام الصهيوني إثر الحرب التي تلت السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، رغم أن تقرير جهاز الاستخبارات العسكرية الصهيونية "أمان" الأخير ما زال يصر على اعتماد خطاب المخاطر الوجودية التي قد تندلع من عدة جبهات، مرفقًا إرهابه للمجتمع الصهيوني بالتحذير من أزمة متفاقمة في الجيش ناتجة عن نقص في الكادر البشري.

إن الأزمة الداخلية الصهيونية يتوجب قراءتها بعمق، بعيدًا عن الصور النمطية المعبأة باليأس والإحباط نتيجة إمعان النظام الصهيوني في كيّ وعي الجماعات المقاومة والمناوئة له، كما أنه لا يتوجب قراءة هذه الأزمة قراءة خلاصية تراهن على سقوط النظام من داخله فحسب، بل يجب أن تعتمد هذه القراءة سعيًا نقديًا جادًا وعميقًا يكفل الإجابة عن السؤال المركزي التالي:

كيف نساعد النظام الصهيوني على هزيمة نفسه من الداخل والقضاء على مكوناته التأسيسية الرسمية؟

الكلمات المفتاحية

جردة حساب بعد ثلاثة وثلاثين عامًا على أوسلو

جردة حساب بعد ثلاثة وثلاثين عامًا على أوسلو

الدولة الفلسطينية لم تعد على مرمى حجر. الحقيقة الأكثر إيلاما أنها ابتعدت إلى الحد الذي أصبحت معه بالكاد مرئية في الأفق السياسي


هل حل خريف نتنياهو؟

هل حل خريف نتنياهو؟

كان نتنياهو يراهن على أن يعيد إنتاج إحدى وصفاته القديمة، وهي إدخال وجوه جديدة وشخصيات ذات حضور عسكري أو إعلامي أو مجتمعي إلى قائمة الليكود


البريد السرّي للأسرى وتهريب الإنسانية: رسالة إبراهيم حامد لوليد دقة نموذجًا

البريد السرّي للأسرى وتهريب الإنسانية: رسالة إبراهيم حامد لوليد دقة نموذجًا

نأى بقلبه إبراهيم حامد عن شؤون السجن الخارقة للإنسانية، ليقترب أكثر من صورة ميلاد متأملًا فيها، فغدت ميلاد مرآته التي انعكس بها وجهه الإنساني


عن استحالة الانتخابات فلسطينيًا

عن استحالة الانتخابات فلسطينيًا

قد يكشف لنا قادم الأيام، تفاصيل هذه الهندسة، لكن المؤكد أن الإدارة الأميركية لن تكرر ما حدث في العام 2006 الذي أحرجها ووضعها في موقف

محكمة إسرائيلية تأمر بوقف مناقصة "الطابو" الإسرائيلي في الضفة
أخبار

محكمة إسرائيلية تأمر بوقف مناقصة "الطابو" الإسرائيلي في الضفة

أصدرت المحكمة المركزية أمرًا مؤقتًا يلزم الإدارة المدنية بالامتناع عن التقدم في إجراءات المناقصة، ردًا على التماس قدمته منظمة حقوقية

انتهاكات مستمرة.. 1,375 شهيدًا منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي
أخبار

انتهاكات مستمرة.. 1,375 شهيدًا منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي

أعلنت وزارة الصحة في القطاع وصول 3 شهداء جدد و27 مصابًا إلى المستشفيات خلال الـ24 ساعة الماضية


مشروع استيطاني جديد لتهويد سبسطية وبُرقة شمال نابلس
أخبار

كيف يحوّل الاحتلال "الإخطارات الأثرية" إلى أداة للسيطرة على الأراضي؟

هيئة مقاومة الجدار والاستيطان: "الإخطارات الأثرية" للاحتلال لا تعد أوامر استيلاء بحد ذاتها، ولكهنها قد تفضي عمليًاإلى فرض سيطرة وظيفية عليها.

7 سنوات من البناء تنتهي بالتهجير.. أبو عيسى من الطيبة: المستوطنون احتلوا بيتي
تقارير

7 سنوات من البناء تنتهي بالتهجير.. أبو عيسى من الطيبة: المستوطنون احتلوا بيتي

بعد إتمام بنائه، تحوّل منزل بشير كونه في قرية الطيبة إلى هدف لاعتداءات المستوطنين، فيما بقي عاجزًا عن السكن في منزله حتى اليوم.

الأكثر قراءة

1
تقارير

ملف | الانتخابات الإسرائيلية 2026: أسئلة الحرب واليمين والمعارضة وفلسطين


2
تقارير

بعد الزنازين.. أسرى محررون في غزة يواجهون جحيمًا آخر بلا رعاية نفسية وصحية


3
تقارير

انتخابات ممثلي الجالية الفلسطينية في الكويت للمجلس الوطني.. إشكال الشرعية


4
قول

الجنرالات التائبون


5
تقارير

تسمم وأمراض تهدد النازحين.. من يضمن سلامة مياه الشرب في غزة؟