وجوه في الثلاجة: رحلة غزة للبحث عن هوية الشهداء
7 فبراير 2026
في غرفة "البركس" المؤقتة في مستشفى الشفاء بغزة، قبل أن تُنذر عقارب الساعة بالتاسعة صباحًا، يُجهّز العمال المقاعد الحديدية أمام شاشة العرض، ويتأكد طاقم الطب الجنائي من وضع أدوات العرض وملفات الصور خاصتهم.
وبرغم أنه على بُعد أمتار من المكان، يصطف العشرات من المواطنين أمام مشرحة المستشفى لوداع أكثر من عشرة شهداء لهذا اليوم، يُنذر الموظف المسؤول ببدء العرض. العيون شاخصة نحو شاشة تعرض صورًا لجثامين بلا معالم جسدية، تُشمّ منها رائحة الوجع اللامحدود.
لا تتجاوز نسبة النجاح في التعرف البصري 30%، وهي نسبة "غير مؤكدة"
في الصور تظهر أيدي الأطباء الشرعيين، يرتدون قفازات مختلطة برذاذ الجثث المتحللة، يشيرون إلى ما يجب التركيز عليه في الجثمان: الأسنان التي تبقى دون تحلل، والملابس الداخلية التي نجت من التآكل والدماء، والأحذية التي صمدت واحدةٌ منها على الأقل، وحزام البنطال.
إنها "غرفة الاستعراف" التي سجل فيها "الترا فلسطين" تفاصيل المحطة الأخيرة والأكثر قسوة في رحلة آلاف العائلات الفلسطينية للبحث عن جثمان شهيد. إلى هناك يبدأ المواطنون بالوصول قبل الموعد المحدد. تدخل امرأة تلو الأخرى مع رفيقٍ لها، تظهر على ملامحها لهفة وحزن كبيران.
تجلس السيدة الستينية أم محمود البسوس في المقعد الأول، جاءت قبل الجميع كي لا يسبقها أحد في النظر إلى الشاشة. لقد تحملت فقدان ستة من أبنائها استشهدوا في حي الزيتون، وظل قلبها كـ"النار" على سابعهم الذي فُقد جثمانه. حلمها الآن أن يُوارى جثمانه الثرى مثل أشقائه.
"أنا أم لسبع شهداء، مش شهيد واحد"، بهذه الجملة، تبدأ أم محمود حديثها. منذ بداية الحرب، وهي تعيش فاجعة تلو الأخرى، لكنها بقيت صامدة في شمال غزة، وتقول: "ضلّتني صابرة وصامدة والحمد لله".
رحلة البحث عن ابنها السابع لم تبدأ اليوم، فقد ذهب زوجها مرارًا إلى خانيونس "وما لقاهوش". لكن هذه المرة، أصرت على المجيء بنفسها رغم معارضة زوجها الذي خاف على قلبها من هول المشهد. تقول لـ"الترا فلسطين": "سألني زوجي: بتقدري تتحملي؟ قلت له: آه، والله لأصبر".
طيلة الليلة الماضية، ظلت أم محمود في قلق شديد، تجمع في ذاكرتها كل علامة يمكن أن تراها في الجثامين. أمنيتها بسيطة ومؤلمة: "والله نفسي أواري ترابه زي ما واريت إخوته. يا ربي الحمد لله عرفتهم ودفنتهم، اطمأنيت عليهم، بس أنا نفسي أطمئن على هذا".
تتمسك بصورة ملابسه الأخيرة، تقول: "بلوزته سكني، وعليها شريط أخضر من هنا. بنطلونه أفتح منها، وبوته أسود". ابنها الشاب، ذو الـ29 عامًا، كان يحلم بالزواج، لكن "ربنا اختاره شهيد"، تقول وهي ترفع يديها بالدعاء له.

على مقربة من أم محمود، تجلس موظفة التحاليل الطبية تغريد الدلو، جاءت وهي ترتدي ثوبها الطبي بعد أن استأذنت مديرها. تأمل تغريد في التعرف على جثمان شقيقها الذي كان يعمل ممرضًا في ذات المستشفى، وتم اعتقاله في الاجتياح الثاني للمستشفى في آذار/مارس 2024. تقول ونظرها يحدق في الشاشة: "بعد أيام من اعتقاله جاءنا خبر يفيد باستشهاده تحت التعذيب، وما يزال ابناه الاثنان في السجون لا نعرف عنهما شيئًا".
تأتي تغريد وحدها، حاملةً على كتفيها آلام عائلة بأكملها. تخبر "الترا فلسطين" بحسرة بأن "زوجته امرأة كبيرة في السن ومريضة، لا تقوى على المجيء إلى هنا. وأحفاده أطفال صغار، لا رأوا جدهم ولا رأوا آباءهم". وتلخص أمنيتها قائلة: "لذلك أي دفعة جثامين تصل، نأتي لنبحث فيها. نتأمل خيرًا. نريد معرفة مكانه، حتى نستطيع دفنه ونطمئن عليه. هذا أهون من أن يظل مجهولًا هكذا".
هناك أيضًا، الحاج أبو فادي، الذي جاء إلى "غرفة الاستعراف" للبحث عن شقيقته الأرملة التي لم تُنجب، والبالغة من العمر خمسين عامًا، يخبرنا أنها فُقدت في منطقة شارع النصر خلال نزوحها الأخير. وهذه هي المرة الأولى التي يأتي فيها للبحث بنفسه، كونه يعلم للمرة الأولى عن غرفة الاستعراف، ورغم صعوبة المشهد، يؤكد الرجل أنه سيعود مرة أخرى لمواصلة البحث إذا لم يجدها اليوم.
هذه العملية التي تبدو بدائية، هي كل ما تملكه غزة اليوم للتعامل مع ملف المفقودين الشائك. يشرح أحمد أبو طه، مدير ملف الجثامين المجهولة في الأدلة الجنائية، تعقيدات المشهد قائلًا: "نحن لا نتعامل مع نوع واحد من المجهولين، هناك جثامين يُفرج عنها الاحتلال، وأخرى تحت الأنقاض، وثالثة في مقابر جماعية. لكل منها طريقة تعامل، لكن أصعبها تلك التي تأتي من الاحتلال، غالبًا بلا معلومات".
الآلية المتبعة تبدأ بترميز الجثامين، ثم تأتي مرحلة "المعاينة البصرية" من قبل الأهالي. يقول أبو طه لـ"الترا فلسطين": "نعتمد على علامات مميزة في الجسد، ملابس، أسنان، أو حتى وشم"، لكنه يؤكد بحسرة: "هذه العملية يشوبها الخطأ، هي غير دقيقة. الطريقة المعتمدة عالميًا هي فحص الـDNA، وهو ما نأمل توفيره قريبًا بالتعاون مع الصليب الأحمر".
حتى ذلك الحين، لا تتجاوز نسبة النجاح في التعرف البصري 30%، وهي نسبة "غير مؤكدة" كما يشدد أبو طه. "أحيانًا، تتعرف الأم على ابنها من إحساسها، لكننا لا نستطيع اعتماد ذلك. هذا أمر غير عملي. نخفي بعض العلامات عنهم لنتأكد من صدق الأهل، لكن في النهاية، حتى لو تطابقت كل الأوصاف، يظل احتمال الخطأ واردًا علميًا. نحن نلجأ إلى الاستعراف كأمر طارئ ليرتاح بال الأهل في المقام الأول".
وتبقى هذه القضية جرحًا مفتوحًا، إذ قال قبل يومين مدير مستشفى الشفاء محمد أبو سلمية للتلفزيون العربي: "تسلمنا من الاحتلال 66 صندوقًا تحتوي فقط على جماجم لشهداء، وجثث نساء لا نعلم من أين اختطفها"، مضيفًا: "الاحتلال سلمنا جثامين مبتورة الأيدي وأخرى فتحت بطونها وأُعيد خياطتها". وتابع: "الاحتلال يعلم هوية جثامين الشهداء التي أعادها لكنه يرفض الإفصاح عنها".
الكلمات المفتاحية
حرب إيران تفتح شهية المستوطنين: تصعيد في القتل والاعتداء وتهجير للتجمعات البدوية
هيئة مقاومة الجدار والاستيطان لـ"الترا فلسطين": منذ حرب إيران، سقط 6 شهداء برصاص مستوطنين، والاحتلال أصدر 11 أمرًا عسكريًا لإزالة أشجار في مساحات واسعة من الضفة الغربية.
أحلام العمصي والحكاية الفلسطينية على لسان النساء
لم تأتِ فكرة الحكاية لدى أحلام من فراغ، بل من قصص عاشت بعضها وورثت بعضها الآخر منذ طفولتها
في يوم المرأة العالمي.. نساء غزَّة بين الفقد وصناعة الأمل
رغم الخسارات الكبيرة والندبات المؤلمة، لا تزال النساء الغزيات يتمسكن بالأمل ويكتبن حكايات صمود مستمرة.
اليوم العاشر للعدوان: صواريخ نحو إسرائيل وغارات على جنوب لبنان
دخل العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران يومه العاشر. وأعلنت وكالة تسنيم صباح الإثنين، إطلاق متزامن لصواريخ من لبنان وإيران نحو الأراضي المحتلة
3 شهداء إثر قصف مركبة غربي غزة
استٌشهد ثلاثة فلسطينيين إثر غارة إسرائيلية على مركبة غربي مدينة غزة مساء الأحد.
تقديرات إسرائيلية: كلفة العدوان على إيران قد تصل إلى 100 مليار شيكل
تشير تقديرات اقتصادية متداولة في إسرائيل إلى أن كلفة المواجهة العسكرية مع إيران قد ترتفع إلى أكثر من 100 مليار شيكل إذا استمرت لعدة أسابيع
وفاة وليد الخالدي.. أحد أبرز المساهمين في توثيق تاريخ فلسطين ونكبتها
ولد وليد الخالدي في القدس عام 1925، وهو ابن أحمد الخالدي، عميد الكلية العربية في القدس، وإحسان عقل شقيقة أمين عقل