ultracheck
قول

وراء كل فتاة حنونة مخيم: ميس

17 فبراير 2020
00_3.jpg
صالح مشارقة
صالح مشارقة صحافي وأستاذ إعلام

"وراء كل فتاة حنونة مخيم"، هذا عنوانٌ وجدته على صفحة الانستغرام الخاصة بالطالبة الأسيرة ميس أبو غوش. عنوانٌ صنعتُه معها كي نُجمِل فكرة تحقيق اجتماعي قصير يرد على افتراض شعبي بأن بنات المخيم قاسيات وكاسرات. جاء مشبك التحقيق من نقاشات حول الهوية النفسية والاجتماعية  للمرأة، كيف تتشكل؟ وهل هي موحدة؟ وما العوامل المؤثرة على بنائها؟ فكان الرد بمقابلة أربع فتياتٍ لاجئاتٍ وفتح الموضوع معهن بهدءٍ وبدون آراء مسبقة.

راح التقرير في حاله وحصلنا على إجابات مختلفة ومتعارضة ومناهضة للمقولة الاجتماعية التي رأينا أنها تصنع صورًا نمطية وتقوّلب بناتنا في المخيم.

مضت أشهر على سجن الصغيرة ميس، نعم هي صغيرة ولا أحب وصفها بأوصاف سوفييتية

تقابلني صورة ميس كل صباح على مدخل مبنى الإعلام في جامعة بيرزيت، على شجرة عيد ميلاد سيدنا المسيح، هي وساجي درويش وفتحي الشقاقي وأحمد ياسين وقسام ابن الدكتورة وداد البرغوثي المعتقل، وعلى الجدران القريبة صور للطالب الأسير منذ سنوات عبد الكريم الريماوي وياسر عرفات وجورج حبش، أختم بطاقة الحضور وأنا أنظر إلى كل هؤلاء وأمضي.

اقرأ/ي أيضًا: هكذا أفشل أبو غوش محاولة الشاباك ابتزاز ابنته ميس

مضت أشهر على سجن الصغيرة ميس، نعم هي صغيرة ولا أحب وصفها بأوصاف سوفييتية: "بطلة، قائدة طلابية، مناضلة"، فهي بالنسبة لي -ورغم الملفات السياسية التي حملتها كطالبة جامعية- ميس العفوية المليئة بالحزن على شقيقها الشهيد حسين وابن عمها الشهيد، وهي المتحركة بلطف بين محاضرات الدائرة، وصاحبة العلاقة الناضجة مع كل المحاضرين، الرافضة لمهارات الحضور الإجباري على طريقة البنات المسيسات، الضابطة لعنفوانها الداخلي بعيدًا عن أي انفعالات طلابية صاخبة.

ميس، حتى في دورها النقابي في نادي الإعلام لم تكن فجَّة، بل انفتحت على كل الانتماءات السياسية، وكانت صاحبة محاولاتٍ خاصةٍ في ترتيب العلاقة بين الطلاب والدائرة، وباحثة دائمًا عن كل ما قد يقدم ولا يؤخر، بعيدًا عن المزايدات أو التطبيل والنفخ الذي تصل إليه الأمور كثيرًا في الحياة النقابية والطلابية.

راقبت سلوكها دائمًا، شخصيتها كانت متحررة من الفكر التنظيمي المتكلس، وباحثة عن أفق ممارسة، لا أفق تنظير للفكر الذي تحمله، متصالحة مع مناطق في الدين أحيانًا، وفي الوجود المجرد أحيانًا أخرى، وراضية بكل ما ننتقده صباح مساء: منظمة التحرير وشريط أحزابها وأيدولوجياتها المنتهية، محافظة على فكرة أن مسارنا هنا في نهج ممارسات نضالية تثور وتخبو، تندفع وتتراجع، تنجرف أحيانًا وتنحسر في مراحل، وهكذا في حياة كاملة نكون فيها جنودًا منطقيين وفاعلين في هذا المسار الطويل.

ليست يسارية متكلسة ميس، ولا يمكن احتسابها على اليسار التقليدي المتعطش للتنظير فقط، بل تجميعه شبابية رائعة تشكل مخرجًا لكل المنهار والمتجمد من فكرنا اليساري الذي صار تراثًا أكثر منه ممارسات.

ليست يسارية متكلسة ميس، ولا يمكن احتسابها على اليسار التقليدي المتعطش للتنظير فقط

في الأزمات الطلابية كنت أحرص أن أعرف رأيها، وأفتش كيف يكون متحررًا من المواقف المسبقة أو من البناء على محازبة سياسية لفصيل دون آخر، وأتحرى كم أضافت للحل من وجهة نظرها، وكيف تحاول أن تفتح ثغرات جانبية للنقاش بحثًا عن مكان آمن للآراء حتى لو كانت جذرية أو خارج الإجماع.

وكان هذا يحدث.

طبيعيةٌ تمامًا هي ميس، يساريةٌ طبيعيةٌ بكل معنى الكلمة، تشبه شخصيات الروايات الذين لا يرهنون التحول إلى قوى عظمى ولا أفكار خلاصية كبرى، بل مثل مؤمنين في طريقهم إلى معابد، يثقون بأصواتهم الداخلية وطاقات الآخرين العاديين وكلماتهم وأحلامهم واحتياجاتهم.

دمرتني فكرة أن تكون ميس قد تعرضت للشبح والتحقيق القاسي، وأنها لم تقوَ على الوقوف أمام أهلها في الزيارة من شدة الشبح، فهي طفلة بكل معنى الكلمة، لم أستوعب بشاعة أن تضربها محققة مخابرات الاحتلال، أو أن تقوس جسدها على كرسي تعذيب وتكسر نفسيتها. لكن أملي وإيماني بميس كان يكبر، بأنها كما عرفناها بهدوئها ترتب الأشياء، بهدوء مقاتل ترتب اللحظات وتخرج منها وتصنع منها المخارج والمساحات الجديدة.

ميس أبو غوش، طالبة جامعة بيرزيت الأسيرة، كتبت عنوان تحقيقها الصحفي، وصارت هذا العنوان. ولها عندي بوستر لصورتها تركها الطلاب بعد وقفة تضامن، سأخبئ لها البوستر إلى يوم حريتها.


اقرأ/ي أيضًا: 

30 يومًا من الإرهاب في التحقيق مع ميس أبو غوش

عائلات أسرى تعرضوا للتحقيق العسكري: لم نعرفهم في اللقاء الأول

الكلمات المفتاحية

ثلاث سنوات بحثًا عن يوم عادي

ثلاث سنوات بحثًا عن يوم عادي

أشتاق إلى مشوار تكون لديّ في نهايته حكاية عادية


حين احتضنت قونية فلسطين

حين احتضنت قونية فلسطين

عندما ظهر أطفال غزة في الملعب، شعرت أنني لم أعد أشاهد المباراة من بعيد، بقيت عيني معلقة بهم؛ أطفال أعرف المكان الذي جاؤوا منه، وأعرف جيدًا ما تعنيه غزة حين تظهر في الأخبار


السؤال هل ستجري الانتخابات أم لا يكشف أزمة الحكم

السؤال هل ستجري الانتخابات أم لا يكشف أزمة الحكم

حين يسأل الفلسطينيون "هل ستجري الانتخابات التشريعية أم ستؤجل مرة أخرى؟"، فإنهم لا يعبرون عن فضول تجاه حدث سياسي مقبل، بل يكشفون عن أزمة عميقة في علاقتهم بالنظام الذي يحكمهم


إبادة المرأة الفلسطينية في زمن الإبادة

إبادة المرأة الفلسطينية في زمن الإبادة

الخطاب المضاد للإبادة ذكوري الطابع، فهو يعتمد أيضًا على لغة شمولية عنيفة وبطولية للغاية، يمارس من خلالها الضغط على إمكانيات بروز لغة أنثوية ونسوية مضادة

تحقيق: عقوبات أميركية على ألبانيز وقضاة في الجنائية الدولية بسبب تحقيقاتهم في جرائم حرب إسرائيلية
أخبار

ألبانيز: إبادة غزة مستمرة.. والعالم أمام مفترق طرق

اتهمت ألبانيز الولايات المتحدة بدعم الإبادة في غزة وباستخدام التهديد ضد الدول التي تصفها واشنطن بأنها شريكة لها.

الاحتلال يعزل الأسيرة الصحفية بشرى الطويل في سجن الرملة
أخبار

الاحتلال يواصل عزل الصحفية بشرى الطويل منذ 46 يومًا

قضية الطويل تسلط الضوء على تصاعد سياسة العزل بحق الأسرى والأسيرات.


بدو النقب - فلسطينيو النقب
راصد

بدو النقب في مرآة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية: تحولات الهوية وانفجار التناقضات

لا تقتصر المخاوف الإسرائيلية حيال النقب على البعد الأمني والعسكري الطارئ، بل تلتحم بها بعمق هواجس ديموغرافية ووجودية مزمنة.

هآرتس: البنوك الإسرائيلية تخشى عقوبات دولية بسبب تمويل الاستيطان
أخبار

هآرتس: البنوك الإسرائيلية تخشى عقوبات دولية بسبب تمويل الاستيطان

أفادت "هآرتس" بأن البنوك الإسرائيلية تخشى تعرضها لعقوبات دولية بسبب تمويل مشاريع استيطانية في الضفة الغربية، وسط قلق متزايد من تداعيات المشاركة في مشروع E1 الاستيطاني

الأكثر قراءة

1
تقارير

ملف الترا فلسطين | الإبادة بعد عام من "وقف إطلاق النار": كيف حال غزة؟


2
مقابلات

من الحبر إلى الأمن.. الخالدي يكشف لـ "الترا فلسطين" ترتيبات الانتخابات التشريعية بغزة


3
تقارير

ملف | الانتخابات الإسرائيلية 2026: أسئلة الحرب واليمين والمعارضة وفلسطين


4
قول

الجنرالات التائبون


5
تقارير

تسمم وأمراض تهدد النازحين.. من يضمن سلامة مياه الشرب في غزة؟