ultracheck
راصد

"يناي".. الذكاء الاصطناعي يدخل منظومة المراقبة الإسرائيلية في الضفة

15 سبتمبر 2026
"يناي".. الذكاء الاصطناعي يدخل منظومة مراقبة الضفة الغربية
(Photo by HAZEM BADER/AFP via Getty Images)
أنس أبو عرقوب
أنس أبو عرقوب صحفي مختص بالشأن الإسرائيلي

دخلت منظومة "يناي" المعتمدة على الذكاء الاصطناعي إلى الخدمة في الضفة الغربية، في تطور يعكس انتقال منظومة المراقبة الإسرائيلية من مجرد جمع المعلومات عن الفلسطينيين إلى استخدام الخوارزميات لتحليل حركتهم وفرز سلوكهم وتحديد ما تعتبره "تهديدًا في الوقت الحقيقي".  

من "الميدان الذكي" إلى "الذئب الأزرق" و"الذئب الأحمر"، وصولًا إلى "يناي"، يبدو المسار واضحًا: المراقبة تتحول تدريجيًا من منظومة تسعى إلى رؤية الفلسطينيين لمنظومة تسعى إلى فهم حركتهم وتصنيفها وتحليلها آليًا

لا تكمن أهمية "يناي" فقط في كونها منظومة عسكرية جديدة، بل في أنها تكشف عن تجاه أوسع يتبلور داخل الضفة الغربية: تسخير الذكاء الاصطناعي لمعالجة الكم الهائل من البيانات التي تنتجها شبكة متزايدة من الكاميرات والمستشعرات والرادارات والطائرات المسيّرة، وتحويل هذه البيانات إلى صورة استخبارية متواصلة عن الميدان الفلسطيني.

وبحسب القناة 12 الإسرائيلية، طوّر قادة وضباط في هيئة حماية الحدود التابعة لجيش الاحتلال منظومة "يناي" لمساعدة مجندات الرصد والاستطلاع على التعامل مع تدفق المعلومات من وسائل الرصد المختلفة. وتجمع المنظومة الصور والمعطيات من الكاميرات والوسائل الحرارية والرادارات والطائرات المسيّرة، ثم تدمجها في صورة ميدانية واحدة، تستخدم فيها تقنيات الرؤية الحاسوبية والذكاء الاصطناعي لاكتشاف التحركات "غير الاعتيادية" وإطلاق إنذارات فورية.

وعند رصد ما تصفه المنظومة بـ"تهديدات"، مثل زرع العبوات أو رشق الحجارة أو محاولات التسلل، تستطيع تحديد موقع الحدث ونقل المعلومات مباشرة إلى الجنود ومركبات الدوريات. وبهذا لا يعود الهدف مجرد مراقبة ما يجري، وإنما اختصار الزمن بين رصد الحركة وتصنيفها ثم توجيه القوة إليها.

وتكشف هذه الوظيفة عن التحول الأهم في طبيعة منظومة الرصد والاستطلاع الإسرائيلية. ففي السابق كانت الكاميرا تنقل صورة، وكان الجندي أو عنصر الاستخبارات يفسرها. أما الآن، فتدخل الخوارزمية بين الصورة والإنسان، فتقوم بفرز البيانات وتحديد الأحداث التي تعتبرها "غير اعتيادية"، وتدفعها إلى انتباه العنصر البشري. أي أن الذكاء الاصطناعي لا يراقب فقط، وإنما يشارك في تحديد ما الذي يستحق المراقبة.

بدأ استخدام "يناي" قبل نحو عام في طولكرم وقلقيلية وفقًا لما كشفته القناة 12، قبل توسيع نطاق استخدامها تدريجيًا في غرف العمليات في أنحاء الضفة الغربية. ويأتي ذلك في بيئة ميدانية شديدة التعقيد، تتداخل فيها المدن والقرى والطرق والمناطق الزراعية والمستوطنات وخطوط التماس، وتتحرك فيها أعداد كبيرة من الأشخاص والمركبات بصورة يومية.

وهنا تواجه منظومة المراقبة مشكلة أساسية: ليس كل ما تلتقطه الكاميرات يمثل تهديدًا. فالمركبات والحيوانات والنشاط الزراعي وحركة السكان تنتج كمًا هائلًا من المعلومات والإنذارات. ولذلك صُممت "يناي" لتصفية جزء من هذه البيانات، وتقليل الإنذارات الكاذبة، ومساعدة مجندات الرصد والاستطلاع على التركيز على الأحداث التي تعتبرها الخوارزمية أكثر أهمية. لكن هذه العملية تحمل دلالة تتجاوز الجانب العسكري المباشر. فكلما أصبحت الآلة قادرة على التمييز بين "السلوك الطبيعي" و"السلوك غير الطبيعي"، أصبحت قادرة أيضًا على بناء تصورات عن طبيعة الحركة البشرية في المكان.

ومن هنا تنتقل المراقبة من سؤال "ماذا يحدث؟" إلى سؤال أكثر تعقيدًا: "من يتحرك؟ وكيف يتحرك؟ وهل يتوافق سلوكه مع النمط الذي تعتبره المنظومة طبيعيًا؟".

وهذه ليست بداية استخدام التكنولوجيا لمراقبة الفلسطينيين، وإنما أحدث مرحلة في مسار طويل بدأ يتبلور بصورة واضحة في الضفة الغربية، لا سيما في الخليل. 

ففي عام 2020، ظهرت منظومة إسرائيلية عُرفت باسم "الميدان الذكي"، اعتمدت على شبكة من الكاميرات والمستشعرات والرادارات، وربطت المعلومات القادمة من الميدان بغرف عمليات تابعة لقوات الاحتلال. وكانت الخليل، بسبب انتشار الحواجز ونقاط التفتيش وتداخل المستوطنات مع الأحياء الفلسطينية، مختبرًا بارزًا لهذه التقنيات.

كانت الفكرة في ذلك الوقت تقوم على زيادة قدرة الجيش على رؤية ما يحدث في المدينة، وربط مصادر مختلفة للمعلومات في غرفة عمليات واحدة. تصل البيانات من الجيش وشرطة الاحتلال وحرس الحدود وجهاز المخابرات الإسرائيلية "الشاباك"، ثم يقوم أفراد الاستخبارات بتصنيفها وتحليلها وإعادة توزيعها على القوات.

لكن مسار التطور لم يتوقف عند مراقبة المكان، فقد انتقل لاحقًا إلى مراقبة الأشخاص أنفسهم، من خلال أنظمة التعرف على الوجوه وقواعد البيانات البيومترية، ومن أبرزها "الذئب الأزرق" و"الذئب الأحمر".

وكشفت تقارير صحفية وحقوقية عن استخدام "الذئب الأزرق" لتصوير الفلسطينيين وربط الصور بقاعدة بيانات عسكرية أوسع عُرفت باسم "Wolf Pack"، فيما ارتبط "الذئب الأحمر" بأنظمة التعرف على الوجوه عند نقاط التفتيش، خاصةً في الخليل.

وبهذا أصبحت المراقبة قادرة على الانتقال من رصد المكان إلى التعرف على الأشخاص وربط هوياتهم بمعلومات مخزنة مسبقًا. ومن هنا يمكن فهم "يناي" باعتبارها مرحلة جديدة في منظومة متراكمة، وليست نظامًا منفصلًا عنها. فالكاميرات والمستشعرات تجمع المعلومات، وقواعد البيانات تحفظها وتربطها، وأنظمة التعرف على الوجوه تساعد في تحديد الأشخاص، فيما يأتي الذكاء الاصطناعي ليضيف قدرة على معالجة هذا التدفق الهائل من البيانات واكتشاف الأنماط والحركات "غير الاعتيادية".

أي أن إسرائيل تنتقل تدريجيًا من بناء منظومة تستطيع "رؤية" الفلسطينيين إلى منظومة تستطيع "تحليلهم". وهذا التحول "مهم" لأن قيمة البيانات لا تكمن فقط في جمعها، وإنما في القدرة على الربط بينها. صورة شخص في نقطة تفتيش يمكن أن تصبح جزءًا من قاعدة بيانات، وحركة مركبة يمكن أن تُقارن بحركات سابقة، ومشهد تلتقطه كاميرا يمكن أن يرتبط بمعلومات من طائرة مسيّرة أو مستشعر أو مصدر استخباري آخر.

ومع تكرار العملية، تتراكم البيانات لتكوين صورة أكثر تفصيلًا عن المجال الفلسطيني. ومن منظور المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، يجري تقديم هذه التقنيات باعتبارها أدوات لتحسين الأمن، واكتشاف الهجمات في مراحلها الأولى، وتقليل زمن الاستجابة وحماية الجنود والمستوطنين.

وقال مصدر عسكري للقناة 12 الإسرائيلية، إن مجندات الرصد والاستطلاع كنّ دائمًا "عيون" القوات في الميدان، وإن "يناي" تمنحهن قدرة إضافية على معالجة كميات أكبر من المعلومات، واكتشاف الحالات "غير الاعتيادية" بسرعة أكبر.

لكن السؤال الذي تطرحه هذه التكنولوجيا يتجاوز الرواية الأمنية الإسرائيلية: ماذا يحدث عندما تصبح مراقبة السكان عملية مستمرة، وعندما لا تكتفي الخوارزمية بتسجيل ما حدث، وإنما تبدأ بتحديد ما تعتبره سلوكًا يستحق الانتباه؟

هنا تظهر المخاوف الحقوقية التي رافقت أنظمة مثل "الذئب الأزرق" و"الذئب الأحمر". فقد انتقدت منظمة العفو الدولية استخدام أنظمة التعرف على الوجوه وجمع البيانات البيومترية للفلسطينيين، معتبرة أنها جزء من شبكة أوسع للمراقبة والسيطرة عليهم في الأراضي المحتلة. كما تناولت دراسات أكاديمية استخدام هذه التقنيات في الخليل باعتبارها نموذجًا على العلاقة بين المراقبة الرقمية والسيطرة على المجال والحركة.

ولا تكمن المشكلة، في هذا السياق، في وجود كاميرا أو رادار منفرد، بل في دمج هذه الأدوات داخل منظومة واحدة. فكل تقنية منفردة قد تبدو محدودة القدرة، لكن جمع الكاميرات والمستشعرات وقواعد البيانات والتعرف على الوجوه والذكاء الاصطناعي يخلق منظومة مختلفة نوعيًا، قادرة على إنتاج صورة مستمرة ومتراكمة عن السكان والمكان والحركة.

ومن هذه الزاوية، تبدو "يناي" أهم باعتبارها جزءًا من تحول أوسع في فلسفة المراقبة الإسرائيلية. فالمطلوب لم يعد فقط أن تكون هناك "عيون" كثيرة ترى الفلسطينيين، وإنما أن تكون هناك منظومة قادرة على معالجة ما تراه هذه العيون بسرعة تفوق قدرة الإنسان، وفرز المعلومات وتحديد الأولويات وإيصالها إلى القوات.

وهذا يقود إلى المرحلة الأكثر حساسية: الانتقال من اكتشاف الأحداث إلى محاولة التعرف على الأنماط. فكلما تراكمت البيانات، يصبح من الممكن نظريًا تدريب الأنظمة على تحديد ما تعتبره سلوكًا متكررًا أو "غير مألوف"، وربط الأحداث الحالية بمعلومات سابقة. وعندها يصبح الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة للرصد، وإنما جزءًا من عملية إنتاج المعرفة الأمنية عن المجتمع الفلسطيني. 

وبذلك فإن التطور الأبرز الذي تكشفه "يناي" لا يتمثل في إضافة منظومة جديدة إلى ترسانة الاحتلال التكنولوجية، وإنما في دخول الخوارزميات إلى قلب عملية مراقبة الفلسطينيين. فبعد سنوات من بناء شبكة من الكاميرات والمستشعرات وقواعد البيانات وأنظمة التعرف على الوجوه، يأتي الذكاء الاصطناعي ليمنح هذه الشبكة القدرة على معالجة ما تجمعه وتحديد ما ينبغي أن يحظى بالاهتمام.

من "الميدان الذكي" في الخليل إلى "الذئب الأزرق" و"الذئب الأحمر"، وصولًا إلى "يناي"، يبدو المسار واضحًا: المراقبة الإسرائيلية في الضفة الغربية تتحول تدريجيًا من منظومة تسعى إلى رؤية الفلسطينيين إلى منظومة تسعى إلى فهم حركتهم وتصنيفها وتحليلها آليًا.

وهنا تكمن المسألة الأكثر أهمية: لم تعد التكنولوجيا مجرد وسيلة تساعد الجندي على رؤية الميدان، بل أصبحت طرفًا في تحديد صورة الميدان نفسه. وكلما توسعت قدرة الخوارزميات على جمع البيانات وربطها وتحليلها، أصبحت الضفة الغربية أقرب إلى بيئة تُراقب بصورة مستمرة، ويُعاد تفسير حركة سكانها لحظة بلحظة بواسطة أنظمة لا تكتفي بما تراه، وإنما تحاول تحديد ما يعنيه ما تراه.

الكلمات المفتاحية

صناعات عسكرية إسرائيلية

العقوبات الغربية تقترب من قلب القوة الإسرائيلية: هل تصل إلى مصانع السلاح؟

ما تخشاه "إسرائيل" الآن هو أن تتحول القيود المفروضة على منتجات المستوطنات إلى مسار أوسع يعزل الصناعات العسكرية الإسرائيلية عن شركات غربية.


عميرة هاس: المستوطنون يستمتعون بجرائمهم والمجتمع بأكمله مسؤول عنها

عميرة هاس: المستوطنون يستمتعون بجرائمهم وإسرائيل كلها مسؤولة عن اعتداءاتهم

طرحت هاس مقارنة قائلة: تخيلوا وقوع 1500 اعتداء سنويًا ضد اليهود في نيويورك، أو 300 اعتداء مماثل في برلين


ليبرمان يعلن برنامجه: منع الدولة الفلسطينية وتشكيل كونفدرالية مع الأردن

ليبرمان يعلن برنامجه: منع الدولة الفلسطينية وتشكيل كونفدرالية مع الأردن

يقوم برنامج أفيغدور ليبرمان على منع قيام دولة فلسطينية، وتعزيز الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة


حجب حملة تمويل طعن "بالستاين أكشن" أمام العليا البريطانية جراء العقوبات الأميركية

حجب حملة تمويل طعن "بالستاين أكشن" أمام العليا البريطانية جراء العقوبات الأميركية

فرضت الولايات المتحدة في آب/ أغسطس الماضي عقوبات على "بالستاين أكشن"، وصنفتها كـ"منظمة إرهابية عالمية"

تحليل إسرائيلي: أربعة سيناريوهات لتشكيل الحكومة المقبلة
أخبار

تحليل إسرائيلي: أربعة سيناريوهات لتشكيل الحكومة المقبلة

تشمل السيناريوهات، تحالفات بين خصوم سياسيين، وانشقاقات داخل الليكود، وحتى تشكيل حكومة أقلية بدعم غير مباشر من الأحزاب العربية

حماس ترد على مزاعم الاحتلال بشأن استخدام مستشفيات غزة وتحذّر من استهدافها
أخبار

حماس ترد على مزاعم الاحتلال بشأن استخدام مستشفيات غزة وتحذّر من استهدافها

حماس: نحذّر من اتخاذ الادعاءات الكاذبة ذريعة للاعتداء على ما تبقى من مستشفيات غزة، وندعو الأمم المتحدة إلى زيارتها والتحقق من زيفها


مؤسسات الأسرى: 26 ألف حالة اعتقال وأكثر من 100 شهيد منذ بدء الإبادة
أخبار

مؤسسات الأسرى: 26 ألف حالة اعتقال وأكثر من 100 شهيد منذ بدء الإبادة

مؤسسات الأسرى: 92 شهيدًا بين صفوف الأسرى المعلومة هوياتهم خلال ثلاثة أعوام.. والإخفاء القسري يحجب مصير العشرات من شهداء معتقلي غزة

موسم الزيتون في الضفة الغربية.jpg
أخبار

الاحتلال يحاصر موسم الزيتون.. تهديد بإغلاق الحقول إذا شارك المتضامنون

أفادت صحيفة "هآرتس" أن جيش الاحتلال يهدد بإعلان حقول زيتون فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة مناطق عسكرية مغلقة، في حال استعان أصحابها بمتضامنين أجانب.

الأكثر قراءة

1
مقابلات

من الحبر إلى الأمن.. الخالدي يكشف لـ "الترا فلسطين" ترتيبات الانتخابات التشريعية بغزة


2
تقارير

ملف | الانتخابات الإسرائيلية 2026: أسئلة الحرب واليمين والمعارضة وفلسطين


3
قول

الجنرالات التائبون


4
تقارير

تسمم وأمراض تهدد النازحين.. من يضمن سلامة مياه الشرب في غزة؟


5
مقابلات

حوار | وليد حباس: المنافسة في الانتخابات الإسرائيلية على إدارة الاحتلال لا على إنهائه