يومٌ من داخل الإبادة في غزة
3 مايو 2025
تلاحقنا المسؤوليات، وتجثم على ظهورنا وكاهلنا؛ تبدأ صباحك بجدول لا ينتهي من الالتزامات التي فرضتها ظروف الحرب. لا مرآة تقف أمامها لتحسين مظهرك، فتستعين عن ذلك بهاتفك إن لم تنفد بطاريته – هكذا الحال في الخيام. تقرأ الأذكار على عجل، لأن الوقت في الحرب يركب على ظهر خيلٍ في مضمار السباق.
هُنا، يتمسّك الناس بحبال الأمل. يتابعون الأخبار، يقلّبون بينها سريعًا، سئموا التكرار: مفاوضات لا تنتهي، تنديدات فقدت إنسانيتها، مواقف خجولة. يتنقلون بين المواقع وكأنهم ينقّبون عن فرح وسط كومة أحزان
تبدأ البحث عن طريقة سريعة لتعبئة خزانات المياه تكفي لاستعمال عائلتك، سواء يدويًا أو برفعها من الآبار، وهو ما يتطلب مبلغًا يتشارك الأهالي، في العمارات السكنية، دفعه لتشغيل المولد. فأسعار الوقود مرتفعة نتيجة إغلاق المعابر ومنع إدخاله. أو تبحث عمّا توقد به نار الطهي لإطعام الأطفال. وقبل ذلك، عليك أن توفّر الطعام نفسه؛ وهنا تبدأ مهمة شاقة أخرى مع اشتداد المجاعة ونفاد أصناف الغذاء. تحتار: ماذا تشتري؟ بين قائمة مرتفعة من الأسعار الباهظة، وكأنك سافرت إلى أغلى مدن العالم، لا في غزة، فكل شيء تضاعف سعره. عدم إدخال أي من المستلزمات الأساسية منذ شهرين أدى إلى نفاد معظمها، وبالتالي ارتفعت أسعارها.
وكما يحارب الاحتلالُ أهالي القطاع بسياسة التجويع كسلاح في الحرب، يساعده بعض التجّار الذين يُطلق عليهم شعبيًا في غزة اسم "تجّار الحروب"، في احتكار البضائع وتخزينها، ثم إمداد السوق بكميات بسيطة منها حتى يتحكّموا بأسعارها.
اقرأ/ي أيضًا: لقد غيّرتك الحرب!
تبدأ العائلات الأكثر هشاشة وفقرًا بالاصطفاف مبكرًا على أبواب التكايا الخيرية، فالوصول إليها مبكرًا يضمن لهم وجبة يومية يدمجون فيها الإفطار بالغداء، أو قليلًا من الطحين يكفي ليومهم. يصل البعض أبواب التكية عند التاسعة أو العاشرة صباحًا، وعدد التكايا التي فتحت أبوابها حاليًا قليل جدًا مع نفاد مخزون الغالبية منها. لذلك، يتجمهر الناس ويتدافعون عند التكايا التي تقدّم الطعام، خصوصًا في مناطق التكدس والمخيمات.
تذهب إلى عملك، وهناك قائمة من المهام المطلوب إنجازها. أمامك ثلاثة تحديات يومية: غياب الكهرباء، ضعف الإنترنت، ونفاد مخزون السوق. تحاول الاستمرار بما تيسّر، وقد أنهكت المسؤوليات جسدك، وأنهكت الظروف أعصابك.
تسيرُ بين أبنيةٍ مدمّرة أثناء عودتك، تُحدثكَ الأبنية عن تفاصيل وحياة وجرائم ارتُكبت. فتحات الجدران تكشف رسومات على الغرف، وبقايا عماراتٍ كتب على أحد جدرانها: "أمي جنتي"، وكأنه كان يوم ميلاد. وعلى كومة الركام بقي فستان عروس شاهدًا على حفل زفافٍ طوته الذاكرة، لعبة أطفال على شكل "دب" أو عروس، وألعاب وقصص وكتب ممزقة.
أبنية محترقة، وأخرى مائلة، وبنايات لم تبقَ منها سوى الأعمدة المتهاوية، وتحوّلت إلى أشجار بلا أوراق. تتعجب كيف عاد أصحابها ليسكنوها. نصبوا خيامًا بجانب البيت المهدم، أو استصلحوا غرفة في بنايات مدمرة جزئيًا. بعضها يجثو على ركبتيه بعدما قصّ الصاروخ أعمدته من الأسفل، أو قصّ جانبها الأيمن أو الأيسر، أو اكتفى بقصّ بعض الطوابق. وكأن من ارتكب الجريمة تفنّن في صنع دمارٍ يعجز الوصف عن التقاطه.
اقرأ/ي أيضًا: عن خبايا الليل في غزة
في غزة، يتمسك الناس بحبال الأمل. يتابعون الأخبار، يقلبون بينها سريعًا، سئموا التكرار: مفاوضات لا تنتهي، تنديدات فقدت إنسانيتها، مواقف خجولة هنا وهناك. يتنقلون بين المواقع وكأنهم ينقبون عن الفرح وسط كومة أحزان. لا شيء يجثم على قلوبهم سوى الحزن وتشييع الشهداء. الفرح بالنسبة إليهم بات خبرًا عن اتفاق لوقف إطلاق النار.
"في أخبار جديد؟" يسألك الناس كونك تعمل في الصحافة. ترد: "اليوم استُشهدت عائلة، وهناك مجزرة في الشجاعية أو التفاح، وأخرى في خانيونس أو شمال القطاع." فيرد السائل ممتعضًا: "لا يا رجل، أقصد أخبار الهدنة!" تبتلع حرقتك، وتُرسم ابتسامة تخفي خلفها القهر: "إن شاء الله، نأمل خيرًا".
حين أُعلن عن التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في 19 كانون الثاني/ يناير 2025، عمّت الأفراح رغم الغصّة. احتفلوا بالتكبير والتهليل والسجود، وكأنه عيد. أهالي غزة رضيوا بأنصاف حياة. وجد كثير منهم بيوتهم ركامًا، فتمسّكوا بها، أقاموا خيامهم بجانبها. فارتباطهم ليس بالحجارة بل بالأرض. جذورهم المتوارثة لا تُقتلع.
تمسك الهاتف قبل النوم، تطل صورة صديق تعرفه وخبر نعيه. تغلق عينيك، تسقط دموعك، تمرّ شريط الذكريات. لكنك لا تستطيع فعل شيء. مقيد بأسْر الحرب. تتوالى الأخبار، تتسع قائمة الأصدقاء الراحلين. لا تعرف إن كنت ستبقى أم سترحل، فالموت في غزة يمشي معنا.
فما هذه البساطة التي نموت فيها؟!
فما هذه البساطة التي نموت فيها؟ يخرج المرء من بيته، فيصادف قصفًا فيسقط شهيدًا. تُخلط الأشلاء، يكفّنون، يُشيّعون بسرعة. جنازات غزة سريعة، الشهداء يركضون نحو السماء. المشرحة تُنظف، والشارع يُغطى بالغبار. وتستمر الحياة. وحدهم من ودّعوا أحبتهم يظلون غرقى في الحزن.
الناس في غزة يخافون من الليل، لا من العتمة. بل من القصف. العتمة مألوفة منذ 18 شهرًا. ضوء القمر، الهواتف، بطاريات متهالكة. يبدأ القصف مساءً: قذائف مدفعية، طائرات حربية، دبابات تصوّب رشاشاتها. في الداخل، يحتضن الأب أطفالهم. لم تعد الأحضان كافية. تتعالى الصرخات، تنهار المنازل، تُسمع الاستغاثات. يحاول الجيران الاقتراب، يُستشهد أحدهم. يتقدّم آخرون، يأتي الصباح، تتكشّف الجريمة، وتُرصّ جثامين الشهداء جنبًا إلى جنب.
الكلمات المفتاحية
أشياء لم تستطع إسرائيل إبادتها
يموت الإنسان مرتين في حياته، مرةً حين يُستهدف جسده، ومرةً عندما تُستهدف حكايته، وبما أن الحكاية ليست شيئًا ماديًا يمكن كسره/قتله، فهي أيضًا غير قابلة للإبادة
عباءة الأمل من خيوط الحزن
كان نائل يقول في مقابلة مصوّرة جاءت أمي ذات يوم لزيارتي، وطلبت غطاء فِراشي، ولا أعلم ما الذي تفكّر فيه، وعندما جاءتني في زيارتها الثانية كانت قد حوّلت الغطاء إلى ثوب
هل الانقسام بين دولة إسرائيل ومملكة "يهودا والسامرة" التوراتية ممكن؟
اليمين الاستيطاني لا يريد الانفصال عن إسرائيل وإقامة مملكة مستقلة في الضفة. بل يريد شيئًا أكبر: يريد إعادة تشكيل إسرائيل كلها على صورته.
أشياء لم تستطع إسرائيل إبادتها
يموت الإنسان مرتين في حياته، مرةً حين يُستهدف جسده، ومرةً عندما تُستهدف حكايته، وبما أن الحكاية ليست شيئًا ماديًا يمكن كسره/قتله، فهي أيضًا غير قابلة للإبادة
إسلام حجازي يروي شهادته على الإعدام وعذابات السجون
الأسير المحرر إسلام حجازي يروي شهادته عن عذابات السجون ويتحدث عن إعدام الاحتلال الإسرائيلي الطبيب عدنان البرش، بالإضافة إلى أسرى في معسكر الاعتقال سديه تيمان.
المتطرف إيتمار بن غفير يدعو إلى قتل 30 - 40 فلسطينيًا في غزة كل يوم
دعا وزير الأمن القومي للاحتلال المتطرف إيتمار بن غفير علنًا إلى قتل "30 إلى 40" شخصًا في غزة كل ليلة
كان: جيش الاحتلال يستعد لاحتمال مطالبة أميركية بوقف الهجمات على غزة.. وخلافات قبل لقاء كوشنر - نتنياهو
كشفت قناة كان الرسمية الإسرائيلية، أن جيش الاحتلال ومخابراته يستعدان لاحتمال أن تطالب الولايات المتحدة إسرائيل بوقف هجماتها في قطاع غزة، في إطار ضغط أميركي متزايد لدفع تنفيذ المرحلة التالية من خطة القطاع.