يوم الأسير | بين التجويع والتعذيب: 9600 أسير يواجهون أخطر واقع منذ عام 1967
16 أبريل 2026
تحلّ ذكرى يوم الأسير الفلسطيني هذا العام، والذي يصادف يوم الجمعة، في سياق استثنائي، يتّسم بتصاعد غير مسبوق في الانتهاكات داخل السجون الإسرائيلية، وفق شهادات قانونية مباشرة، وروايات أسرى محررين، ومعطيات موثّقة صادرة عن مؤسسات مختصة.
المحامية نادية دقة لـ"الترا فلسطين": الأوضاع داخل السجون لم تشهد أي تغيير يُذكر، والظروف ما زالت صعبة وقاسية على مختلف المستويات، بل تتجه نحو مزيد من التدهور
ومع تجاوز عدد الأسرى الفلسطينيين والعرب حاجز 9600 أسير، تتقاطع الشهادات على توصيف المرحلة الراهنة باعتبارها الأخطر منذ عقود، في ظل سياسات ممنهجة تشمل التجويع، والإهمال الطبي، والتعذيب، إلى جانب مساعٍ لتكريس هذه الممارسات عبر أطر قانونية، من بينها ما يُعرف بـ"قانون إعدام الأسرى".
وفي حديث خاص مع "الترا فلسطين"، أكدت المحامية نادية دقة، أن الأوضاع داخل السجون "لم تشهد أي تغيير يُذكر"، مشيرة إلى أن الظروف ما زالت "صعبة وقاسية على مختلف المستويات، بل تتجه نحو مزيد من التدهور".
وأضافت دقة أن التصعيد الأخير، المتمثل في سنّ قانون الإعدام، يعكس "رغبة لدى الحكومة الإسرائيلية ومصلحة السجون في تثبيت هذا الواقع ضمن إطار قانوني"، بما يفتح الباب للمسّ بأهم حقوق الأسير، وهو "الحق في الحياة"، ويؤدي عمليًا إلى "ترسيخ الانتهاكات والتعذيب تحت غطاء قانوني".
وتحدثت المحامية دقة لـ"الترا فلسطين"، عن "سياسات تجويع واضحة وممنهجة"، مشيرة إلى أن مصلحة السجون مستمرة في هذه السياسة رغم صدور قرارات عن المحكمة العليا. وأوضحت أن الأسرى يعانون من "نقص حاد في الغذاء، وانخفاض ملحوظ في الوزن"، مع شعور دائم بالجوع، خاصة خلال ساعات الليل.
في السياق، تبرز قضية الإهمال الطبي بوصفها أحد أخطر الانتهاكات، مؤكدةً أن "أبسط الأمراض يمكن أن تتفاقم وتؤدي إلى الموت". ولفتت المحامية إلى أن حالات وفاة عديدة سُجلت نتيجة هذا الإهمال، رغم أن أسبابها كانت في الأصل "بسيطة وقابلة للعلاج".
وأشارت إلى تردّي ظروف النظافة بشكل حاد، مع "عدم توفر الملابس الأساسية أو الأغطية"، واضطرار الأسرى إلى غسل ملابسهم بالماء فقط، في ظل غياب مواد التنظيف.
وتابعت المحامية نادية دقة أن الانتهاكات لا تقتصر على الظروف المعيشية، بل تشمل "القمع المستمر، والضرب، والتكبيل بطرق بدائية، والتعذيب، حتى أثناء نقلهم للمحاكم أو زيارة المحامين".
وفيما يتعلق بالأسيرات، نقلت دقة صورة أكثر تعقيدًا، خاصةً بعد زيارتها الأخيرة لسجن "الدامون"، مؤكدة أن الظروف العامة لا تختلف من حيث التجويع وسوء النظافة، لكنها تتفاقم بسبب خصوصية احتياجات النساء.
وأوضحت أن السجن يشهد "اكتظاظًا شديدًا"، حيث تُحتجز 12 أسيرة في غرف مخصصة لـ6 فقط، ما يضطر نصفهن للنوم على الأرض. كما تعاني الأسيرات من نقص حاد في الملابس المناسبة، خصوصًا لمن يلتزمن باللباس الديني، حيث "يتم خياطة تنانير من قطع قماش قديمة".
ولفتت دقة إلى أن الأسيرات اللواتي يرتدين النقاب يُجبرن على خلعه، ويفرض عليهن ارتداء ملابس لا تتوافق مع قناعاتهن الدينية والاجتماعية، في ظل وجود السجانين على مدار الساعة، ما يجبرهن على البقاء في حالة احتشام دائم، حتى أثناء النوم.
وأشارت أيضًا إلى نقص حاد في المستلزمات الصحية، حيث لا تتوفر الفوط الصحية بشكل كافٍ، ما يدفع الأسيرات إلى استخدام أدوات بدائية. كما سجلت دقة وجود "تمييز واضح" في ظروف الاحتجاز، حيث تتوفر امتيازات لمعتقلات أخريات (يهوديات) لا تُمنح للأسيرات الفلسطينيات.
أسرى ما بعد 7 أكتوبر: "حرب على السجون"
من جانبه، وصف الأسير المحرر والمبعد إلى مصر محمود العارضة، المرحلة الحالية بأنها "الأخطر ما بعد عام 1967"، معتبرًا أن ما يجري داخل السجون هو "حرب حقيقية"، توازي ما يحدث في غزة والضفة ولبنان.
وأشار العارضة في تعقيب خاص لـ "الترا فلسطين"، إلى وجود مرحلتين واضحتين، ما قبل وبعد 7 أكتوبر، حيث تغيّر كل شيء بعد هذا التاريخ، وأصبحت "إدارة السجون تمتلك يدًا مطلقة في القمع والعقوبات اليومية".
وتحدث العارضة عن "سوء تغذية متعمد"، محذرًا من أن هذا النمط سيؤدي إلى "انهيار جسدي تدريجي للأسرى خلال سنوات"، مع توسّع دائرة الأمراض المزمنة. وأكد أن الهدف ليس فقط كسر الإرادة، بل "كسر الأجساد لإحداث انهيار نفسي، ومع ذلك إرادة الأسرى لا تزال صامدة".
وانتقد الأسير المحرر غياب الدور الدولي، مشيرًا إلى أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر لم تتمكن من زيارة الأسرى حتى الآن، معتبرًا ذلك "مؤشرًا خطيرًا على عجز المؤسسات الدولية".
وقال العارضة إن الواقع الفلسطيني، رغم تعقيداته والظروف الصعبة التي يمر بها، إلا أنه لا يُعفى من الحاجة إلى تصعيد الحراك الجماهيري بشكل أوسع وأكثر تأثيرًا، بما يفرض معادلة ردع حقيقية.
وأكد أن إسرائيل تراقب مستوى التفاعل الشعبي والرسمي مع قضية الأسرى، وتبني سلوكها تبعًا لحجم هذا التفاعل، الأمر الذي يجعل من الضروري خلق حالة ضغط حقيقية، تُشعرها بإمكانية اندلاع ردود فعل واسعة في فلسطين والمنطقة.
وحذر العارضة من أن حالة "الهدوء الظاهري" تخفي وراءها توترًا متصاعدًا، مشبّهًا الواقع بـ"بالنار تحت الثلج"، قابل للانفجار في أي لحظة، مرجحًا أن تكون قضية الأسرى هي الشرارة التي قد تُفجّر أي تصعيد قادم، في ظل استمرار السياسات والانتهاكات داخل السجون.
وأضاف أن هذا الملف بات يحظى أيضًا باهتمام دولي متزايد، ما يفتح المجال أمام توسيع دائرة الضغط إذا ما جرى استثماره بشكل فعّال.
وشدد محمود العارضة على ضرورة إبقاء قضية الأسرى في صدارة الاهتمام الوطني، وعدم الاكتفاء بالمواقف الرمزية، بل العمل على مناصرتها بكل الوسائل وعلى مختلف المستويات، سواءً من خلال الحراك الشعبي، أو عبر الأطر السياسية بمختلف توجهاتها، إضافةً إلى دور المؤسسات الأهلية والرسمية، بما في ذلك المؤسسات التعليمية، في ترسيخ حضور هذه القضية.
وعلى المستوى السياسي، دعا العارضة إلى تحرك أكثر فاعلية من قبل جميع الأطراف، معتبرًا أن لدى السلطة الفلسطينية أدوات ضغط يمكن توظيفها على المستويين الإسرائيلي والدولي، بما يسهم في تغيير السياسات القائمة. وطالب مختلف الفصائل الفلسطينية بتوحيد جهودها وتسخير كل إمكاناتها لدعم الأسرى، بوصف هذه القضية واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في المرحلة الراهنة.
وبحسب تقرير صادر عن مؤسسات الأسرى الفلسطينية بمناسبة يوم الأسير، فقد تجاوز عدد الأسرى الفلسطينيين والعرب في السجون الإسرائيلية حاجز 9600 أسير/ة حتى بداية نيسان/أبريل 2026، في مؤشر يعكس تصاعدًا غير مسبوق في حملات الاعتقال، إذ ارتفعت الأعداد بنسبة تُقدّر بنحو 83%، مقارنة بما كانت عليه قبل عام 2023.
ولا يقتصر هذا الارتفاع على الأعداد فحسب، بل يترافق مع تحولات نوعية في طبيعة السياسات المتبعة داخل السجون، والتي باتت، وفق توصيف المؤسسات، أكثر قسوة وتنظيمًا في استهداف الأسرى.
وأظهرت المعطيات أن من بين الأسرى 86 أسيرة، بينهن 25 معتقلة إداريًا، في وقت يبلغ فيه عدد الأطفال المعتقلين قرابة 350 طفلًا دون سن 18 عامًا، موزعين على عدة سجون، في دلالة على اتساع دائرة الاستهداف لتشمل فئات عمرية واجتماعية مختلفة.
كما سجّل عدد المعتقلين الإداريين ارتفاعًا حادًا، ليتجاوز 3532 معتقلًا، وهو ما يزيد على ضعفي عددهم قبل عام 2023، الأمر الذي يعكس توسعًا لافتًا في استخدام سياسة الاعتقال دون تهم أو محاكمات، والتي تطال اليوم ما يقارب نصف إجمالي الأسرى.
وفي موازاة ذلك، أشارت المؤسسات إلى تصاعد خطير في أوضاع الأسرى الصحية، حيث يعاني عدد كبير منهم أمراضًا مختلفة، سواء نتيجة إصابات سابقة أو بسبب ظروف الاعتقال القاسية، وسط استمرار سياسات الحرمان من العلاج والإهمال الطبي، التي تصفها المؤسسات بـ"الجرائم الطبية".
وقد أسهمت هذه السياسات، إلى جانب التعذيب وسوء التغذية، في تفاقم الحالات المرضية، وتسجيل أكثر من مئة حالة استشهاد في صفوف الأسرى منذ عام 2023، أُعلن عن هويات 89 منهم فقط، فيما لا يزال العشرات من شهداء معتقلي غزة رهن الإخفاء القسري.
وفي هذا السياق، أكدت مؤسسات الأسرى أن السجون الإسرائيلية لم تعد مجرد أماكن احتجاز تقليدية، بل تحولت إلى بيئة متكاملة تُمارس فيها أنماط متعددة من الانتهاكات، تشمل التعذيب والتجويع والإهمال الطبي والانتهاكات الجسدية والنفسية، ضمن منظومة قمعية ممنهجة ترى فيها المؤسسات أحد تجليات "الإبادة" المستمرة بحق الأسرى.
وصف الأسير المحرر والمبعد إلى مصر محمود العارضة، في حديث لـ"الترا فلسطين"، المرحلة الحالية في السجون بأنها "الأخطر ما بعد عام 1967"، معتبرًا أن ما يجري داخل السجون هو "حرب حقيقية"، توازي ما يحدث في غزة والضفة ولبنان.
دعوات للتحرك: "تجاوز التضامن الرمزي"
وفي ختام تقريرها، تشدد مؤسسات الأسرى على أن المرحلة الراهنة تتطلب تحركًا دوليًا يتجاوز حدود التضامن الرمزي، نحو خطوات عملية وملموسة قادرة على التأثير في واقع الأسرى.
ودعت في هذا الإطار إلى تفعيل آليات المساءلة الدولية، من خلال ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات أمام المحاكم المختصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، والعمل على تعليق مختلف أشكال التعاون مع إسرائيل، سواء على المستويات الدبلوماسية أو العسكرية أو الاقتصادية، إلى حين امتثالها للقانون الدولي.
وطالبت المؤسسات بضرورة الضغط من أجل الإفراج الفوري وغير المشروط عن الأسرى الفلسطينيين، وفي مقدمتهم المعتقلون إداريًا، وإنهاء هذه السياسة التي تشكل أحد أبرز وجوه الاعتقال التعسفي.
وأكدت كذلك على أهمية تمكين اللجنة الدولية للصليب الأحمر من الوصول إلى السجون وممارسة دورها دون قيود، في ظل استمرار منعها من زيارة الأسرى حتى اللحظة.
وخلصت المؤسسات إلى أن قضية الأسرى لم تعد قضية حقوقية أو إنسانية فحسب، بل أصبحت جزءًا من معركة أوسع تتعلق بالوجود الفلسطيني برمّته، في ظل ما تصفه بمنظومة عنف شاملة تتجاوز حدود السجون، وتمتد لتشمل مختلف مناحي الحياة الفلسطينية.
الكلمات المفتاحية
إذلال وإطلاق رصاص مطاطي.. الاحتلال ينكّل بنشطاء أسطول الصمود في أسدود
بعد انتشار مقاطع فيديو لبن غفير وهو يتعمد الإهانة والتنكيل، المحامية هديل أبو صالح من مركز "عدالة" توضح لـ"الترا فلسطين" ظروف احتجاز نشطاء أسطول الصمود العالمي.
غزة تستقبل عيد أضحى ثالثًا بالنزوح والجوع بدلًا من الأضاحي
هناك نقص حاد في أعداد الأضاحي، إذ تشير التقديرات الميدانية إلى انخفاضها بنسبة تتراوح بين 70 و90% مقارنة بالسنوات السابقة
كيف أعادت الحرب تشكيل العلاقات العائلية في غزة؟
داخل البيوت المكتظة، تغيّرت تفاصيل الحياة اليومية بالكامل. أصبح الذهاب إلى الحمام أزمة، وتحول الطعام إلى حساب يومي حساس، فيما تلاشت المساحات الشخصية تدريجيًا.
إذلال وإطلاق رصاص مطاطي.. الاحتلال ينكّل بنشطاء أسطول الصمود في أسدود
بعد انتشار مقاطع فيديو لبن غفير وهو يتعمد الإهانة والتنكيل، المحامية هديل أبو صالح من مركز "عدالة" توضح لـ"الترا فلسطين" ظروف احتجاز نشطاء أسطول الصمود العالمي.
معاناة السير في ركام غزة
المسنة أم محمد الحايك (82 عامًا) تضطر لقطع عشرات الأمتار سيرًا على الأقدام بين الركام، لمغادرة منزلها المدمّر شبه كليًا في حي تل الهوى جنوب غرب مدينة غزة، وذلك للتوجه إلى المستشفى لتلقي العلاج.
اعترافات جنود إسرائيليين في لبنان: ننهب لنبقى راغبين في القتال
"كان يمكن سماع جنود في الثلاثينيات من العمر يتجادلون: أنا رأيت هذا أولاً. أنت أخذت كثيرًا في البيت السابق"
تعديل على قانون سلطة الآثار الإسرائيلية في الضفة يوسع صلاحياتها لتشمل غزة
التعديل المقترح يواجه رفضًا من وزارة الأمن وجيش الاحتلال وجهاز الشاباك، لأنه قد يعني ضمًا فعليًا لقطاع غزة إلى إسرائيل