06-فبراير-2019

"هبت روايح الجنة". هذه الكلمات كانت من آخر أغنية رددها الشهيد أحمد نصر جرار -ذو الصوت الشجيّ الجميل- قبل تنفيذه العملية ومطاردته واستشهاده بفترة غير طويلة. وبهذه الكلمات يُمكن اختصار أمنية إنسانٍ عاش عاديًا وتحوّل إلى أسطورة عقب استشهاده.

لم تكن عائلته تعلم بنيَّته تنفيذ العملية، ولم تعلم ذلك حتى عند اقتحام منزلها وحرقه وهدمه بكل ما فيه، وهذه الكلمات التي كان يرددها لم تكن أكثر من أغنية جميلة علقت على لسانه، إلا أنه بتاريخ 17 كانون ثاني/يناير عام 2018 تغيّر كل شيء.

يُصادف، اليوم الأربعاء 6 شباط/فبراير 2019، الذكرى السنوية الأولى لاغتيال الشهيد أحمد النصر جرار (مواليد عام 1994)، عقب مطاردة استمرت 21 يومًا، تنقل فيها جرار بين بلدات مدينته جنين وقراها وجبالها، ثم انتهت باغتياله في أراضي بلدة اليامون في الشمال، بعد تنفيذه عملية إطلاق نارٍ أسفرت عن مقتل مستوطن في مدينة نابلس قبل سنة من الآن، وهو حاخامٌ يقف خلف تشكيل خلايا في عصابة "تدفيع الثمن" الإرهابية اليهودية.

والدة أحمد جرار: يومها قلبي كان مرتاحًا أكثر من أي يوم مضى، لم يخطر ببالي أن الشهادة هي راحته

تقول والدته ختام جرار مستذكرة تلك الأيام، "طوال الوقت كنا نشعر بالقلق والخوف عليه: هل يشعر بالبرد بالجوع؟ أين هو؟ (..) في يوم استشهاده أخبروني بداية أنه مصاب، يومها قلت يا رب يا حبيبي تستشهد ولا تقع بين أيديهم. لم أصدق خبر إصابته، كان قلبي يخبرني أنه بخير. قلبي كان مرتاحًا أكثر من أي يوم مضى، لم يخطر ببالي أن الشهادة هي راحته".

اقرأ/ي أيضًا: أحمد جرار.. أسطورة ببضع رصاصات في 20 يومًا

وتتابع كلامها وكأن أحمد أمامها ويسمع ما تقوله، "ظل 21 يومًا بالجوع معه خبز وزيت، عندما رأيت الصور قلت لو إنك اشتريت علبة تمر أحسن من المخلل، المخلل تحتاج ميّة يا ماما (..) الله يرضى عليك عند ربه أحسن".

أحمد، الشاب المرح الأنيق، من يعرفه لا يذكر أنه رآه يومًا حزينًا لا يضحك، كان الرفيق المقرب للأم والأخ والأخت والعمة والأقارب والأصدقاء، ولا زال حتى اليوم حاضرًا بينهم بسيرته التي لا تغيب، وبالذكريات والقصص والمواقف التي تجمعهم به. صديقه -مثلاً- لا يمكنه أن ينسى مفاجأة عيد ميلاده التي خطط لها أحمد قبل مطاردته بأيام، المزاح والمقالب التي كان ينفذها به وبأصحابه.

والدته لن تنسى أبدًا أنه لم يكن يسمح لها بالنوم وهي حزينة أو منزعجة، ولن تغيب يداه عن ذاكرتها وهو يدلك قدميها بزيت الزيتون، "في مثل هذه الأيام كان يحب أحمد أن يهتم بالحديقة، يخرج إلى الساحة ويزيل الأعشاب الضارة وينظف الحديقة، لا ظل أحمد ولا حديقة ولا بيت".

شقيقه محمد يحدثنا عنه قائلًا: "أحمد كان أخي وأبي وصديقي، قدوّتي ومعلمي، كل شيء عرفته في هذه الحياة عرفته من أحمد، علمني كيف أسوق وكيف أسبح، أشتاق لسهراتنا ورحلاتنا معًا، لأغانينا وصوته الجميل في القرآن، كانت شخصيته مميزة ومحبوبة لا أستطيع وصف أحمد".

في الأيام القليلة التي عاشها أحمد مع عائلته بعد تنفيذ العملية إلى حين اكتشاف أنه المنفذ، لم يتغيّر كثيرًا ولم يُظهر لعائلته أي تصرفٍ يشعرهم أن شيئًا ما حدث معه. تخبرنا شقيقته جينا أنه عاد إلى المنزل في موعده الطبيعي، يغني ويضحك ويمزح، وعندما أخبرته أن هناك عملية رد عليها دون اكتراث.

عاد أحمد جرار إلى المنزل في موعده الطبيعي يغني ويضحك ويمزح، وعندما أخبرته أخته أن هناك عملية رد عليها دون اكتراث

"قلت أحمد صارت عملية، أجابني دون أن يلتفت لي حتى، جد وين؟ فأجبته في نابلس، فقال طيب وشو صار؟ قلت مقتول حاخام كبير وانسحاب المنفذين الله يحماهم، أجابني: آمين وتابع سيّره" تقول جينا.

شاهد/ي أيضًا: فيديو | ما قصة البيت الذي تحصن فيه أحمد جرار؟

يعلق شقيقه محمد قائلًا: "خلال تلك الأيام كان سعيدًا أكثر من المعتاد ولكن لم نعرف السبب، رأيت السعادة في عينيه ولكن لم يخطر ببالي ولو للحظة أنه من نفذ العملية، لم نتوقع ذلك أبدًا".

وتضيف والدتهم أنها عندما اقتحم جيش الاحتلال الحارة وبدأوا يصرخون البيت محاصر كانت تقول لأولادها "مش بيتنا، ليش بدهم يحاصروا البيت، لا عنا مطارد ولا مطلوب، صار الطخ علينا وأنا أحكي للأولاد بالغلط أكيد، وطلعونا من البيت وسألوا عن أحمد وأنا مستغربة ليش سألوا عن أحمد؟ ليش بدهم يهدموا بيتنا، ولا أجا ببالي العملية".

تؤكد على كلام جينا ومحمد أن أحمد لم يظهر عليه أي تصرف يجعلهم يشكون أنه نفذ العملية. تعود بذاكرتها إلى الوراء وتخبرنا أنها تذكرت فيما بعد أن أحمد قبّل يديها فترة العملية، "يومها قلت ببالي أحمد بالعادة بحضني وبسلم علي بس ما ببوس إيدي إلا يوم عيد أو مناسبة سعيدة، جاوبت حالي أكيد فرحان بشغله في المخيطة لأنه ما كان لاقي شغل".

توضح جينا أن أحمد لم يكن يريد أن يُشرك عائلته في هذا الأمر، ويؤكد على ذلك أحد أقاربه قائلًا: "حب أحمد دفعه لإبعاد عائلته وأصدقائه عن ما حدث معه، لأنه لا يريد أن يضرهم، وأنا متأكد أن أحمد كان منزعجًا خلال مطاردته من اعتقال أقاربه وأصحابه، ولو استطاع أن يبعدنا أكثر لفعل".

ويضيف، "رأيت أحمد قبل العملية وبعدها، وقبل مطاردته بيوم، لم يكن يظهر عليه أي شيء، ولا ردة فعل واحدة، كان طبيعيًا جدًا، يُمارس يومه العادي، يجلس معنا ويمزح ويضحك كالمعتاد. عندما اعتقلني الاحتلال واستجوبني طوال الوقت كنت أنكر لأني فعلًا لم أكن أعلم شيئًا، استغربت كثيرًا، أحمد كان الأخ والصاحب وكل شيء، ولم يخبرني ولم أرَ منه موقفًا واحدًا خلال تخطيطه للعملية، على الرغم من أننا كنا نقضي معظم الوقت معًا".

وتابع، "حياتنا لن تعود كما كانت بعد استشهاد الأحمدين"، قاصدًا أحمد النصر وأحمد إسماعيل جرار الذي ارتقى شهيدًا إثر اشتباكٍ مسلح مع جيش الاحتلال في المحاولة الأولى لاعتقال أحمد النصر من منزله.

سألنا والدة أحمد عن علاقته بوالده الشهيد نصر جرار، أخبرتنا أنه لم يعش معه فترة طويلة من عمره، لكن في طفولته كان متعلقًا بوالده كثيرًا وعندما يغيب يسأل دائمًا عنه، وعندما اعتقل والده 5 سنوات في سجون الاحتلال ظل أحمد وهو في عمر العامين يسأل "متى بدو ييجي بابا؟".

أحمد جرار لم يعش مع والده الشهيد طويلاً، لكنه تعلّق به كثيرًا، وخلال اعتقاله كان عمره عامين وظل يسأل: متى بدو يجي بابا؟

قبل مطاردته وتنفيذه العملية، اعتقل أحمد 50 يومًا لدى الاحتلال وخلال التحقيق قال له المحقق: "دم والدك على يديّ". تقول والدته إن أحمد أخبرها يومها أن ردة فعله على كلام المحقق كان الضحك، "ضحك غريب لا يعرف من أين جاء" كما قال.

اقرأ/ي أيضًا: هكذا يحاول "الشاباك" اغتيال ابتسامة أحمد جرار

وعندما سألنا أم أحمد عن أي أخبار حول تسليم جثماني الأحمدين، ضحكت بسخرية وقالت: "يعني بدهم يجيبوا جثمان أحمد النصر جرار ويعطونا إياه؟ مغلولين من اسمه، ربنا يكرمنا وندفنهم بس اليوم لو يخيروني جثمان أحمد يطلع أو يطلع أسير، بقول لا يطلع واحد أسير".

"بظل عندي شعور أنه موجود معنا، مسافر أو متزوج وفرحانة فيه، كأني بحلم للآن، بحكي مرات معقول ابني. بس كل ما أفكر فيه بخطر ببالي إنه رح يفتح الباب ويدخل عندي يوم من الأيام، وما بقدر أحزن أو أبكي عليه، بحكي معكم وأنا مشتاقة له بس بشعر إنه ابني مبسوط مبسوط مبسوط (..) ما في أصعب من فقدان الولد بس هذه كرامة من ربنا. الحمدلله" أضافت والدته.

ربما كانت راحة أحمد هي هدية الله لوالدته ختام في ذكرى ميلادها التي تصادف يوم استشهاده أيضًا. ختام جرار التي عاشت 49 عامًا مرت خلالها بفقد الزوج والابن، لا تتوقف عن شكر الله على محبة الناس لأحمد ودعائهم الدائم له، "أحمد ابن فلسطين وليس ابن حزب معين، كان إنسان عادي، وأصبح أسطورة في العالم كله، هذه كرامة وأحمد ووالده عندهم كرامات من الله".

لم يتبق لعائلة أحمد منه سوى الملابس التي كان يرتديها قبل استشهاده معلقة في زاويةٍ من غرفته، والمصحف الذي رافقه طوال رحلته منذ أن أهداه إياه والده، وذكريات لمواقف ولحظات كان يشاركهم بها، تحلق حولهم كلما اجتمعوا، يشعرون أنهم معه وعلى لسانهم دعوة واحدة كلما ذُكر اسمه "الله يرضى عليك".


اقرأ/ي أيضًا:

ناصر أبو سرور.. ظريف الطول الذي نادته مزيونة لـ26 سنة

محمد فلنة.. شجرة شامخة في سجون الاحتلال

مُطاردون سابقون يحكون عن التخفي ومراوغة الاحتلال