25-يوليو-2019

لا تلقى زيارة المستشفى استحسان أغلب الناس إن لم يكن كلهم، سواءً كانوا مرضى أو زُوارًا؛ لكن الأمر يتزايد ليتحول إلى رهاب على نحوٍ واسعٍ لدى العديد من المرضى المُحتملين في قطاع غزة، مُعتقدين أن تلك الزيارة "قد تكشف" المستور الذي هم في غنىً عنه أصلاً.

تجارب "بالغة السوء" في المستشفيات العامة والعيادات الخاصة في قطاع غزة، أوجدت رهابًا لدى كثيرين

ففي مقابلاتٍ منفصلة أجراها الترا فلسطين، مع عدة أشخاصٍ، قالوا إنهم مرّوا بتجارب "بالغة السوء" لدى مراجعاتهم للمشافي العامة شبه المجانية، أو حتى العيادات الخاصّة التي يدفعون فيها مقابل الكشف والتشخيص والعلاج.

اقرأ/ي أيضًا: العيادات الخاصة بغزة: مرضى يتعلقون بقشة أدوية عشوائية

لكن تلك التشخيصات الدورية أو الفجائية لدى المُراجع تكشف أحيانًا عن أمراضٍ مزمنة خطيرة كالأورام وأمراض القلب والكلى والرئة وأخرى باطنية، لا يودّ مرضاها سماعها من الطبيب، سواءً صدق التشخيص أو أخطأ -"على الأغلب"- كما يؤكد أولئك المستطلعة آراؤهم، حيث سيدخلون في دوّامةٍ من الموت التدريجي المعنوي، والآلام النفسية والتفكير في تكاليف العلاج واحتمالات الاضطرار إلى التحويلات العلاجية في الخارج، وأخرى متعلقة بالمنع المُحتمل من السفر للعلاج الذي تُصدره السلطات الإسرائيلية.

عمرو ش، قال إنه اضطر إلى اصطحاب نجله محمد (13 عامًا) قبل سنتين -رغم خشيته من زيارات الأطباء- إلى مستشفىً حكومي، بعد أن لاحظ وجود تورّمٍ صغير في رقبته إثر السباحة في البحر، حيث أجرى تصويرًا إشعاعيًا متعددًا للورم بتكلفة 800 شيكل، إلا أنه لم يتم تشخيص الورم ونصحه أطباءٌ بمراجعة عياداتهم الخاصة بعد ساعات العمل.

أضاف عمرو، "مررتُ بحالة من الذعر طوال شهرٍ كامل، ولم أكن أدري ما عليّ فعله، كان أشبه بكابوس لا ينتهي، واعتقدتُ أنه ورم خبيث ويحتاج إلى تحويلةٍ طبية قد يصعب استصدارها، لذا كان عليّ أن أتنقل من عيادةٍ خاصةٍ إلى أخرى وإجراء مزيدٍ من تلك الصور الإشعاعية المماثلة لتقديمها لأولئك الأطباء الذين كانوا يُخبرونني بضرورة إخبار إدارات المختبرات الطبية أنني مُرسلٌ من طرف الطبيب الفلاني".

وتابع، "نصحني أحدهم بعد أن لاحظ ترددّي على العيادات أن ولدي بحاجة إلى مضادٍ حيوي فقط وسينتهي الأمر. وفعلاً لم يكن أكثر من التهابٍ بسيط سرعان ما تعافى منه. حينها أيقنتُ أنني كنت ضحيةً للاستغلال المادي لا أكثر"، مؤكدًا أنه "لن يذهب لأي مستشفىً بعد تلك التجربة الأليمة طوال حياته".

أما عادل م، الذي كان مجرد زائرٍ لأحد المشافي العامة، فقال إنه فوجئ باصطحاب طبيبٍ لمرضى معيّنين واستقبالهم في غرفته بعبارات الترحيب المنمّقة لمجرد أنها "فتاة حسناء" مثلاً، في حين أن مرضىٍ آخرين كانوا في الانتظار تم زجرهم شفويًا، وعليهم التوقف عن الجدال، وإلا فلن يتسلمّوا نتيجة التقارير الطبية عاجلاً كما فعل مع الفتاة التي سلّمها تقريرها بيدها.

"الواسطة الخبيثة دخلت حتى في المرض والموت، لذا هل تتوقع مني أن أزور مستشفىً لأتعرض لموقفٍ مُهين مماثل؟"

"الواسطة الخبيثة دخلت حتى في المرض والموت، لذا هل تتوقع مني أن أزور مستشفىً لأتعرض لموقفٍ مُهين مماثل؟" يتساءل عادل الذي استفسر من طبيب عن "سوء معاملة" هؤلاء المرضى، فأخبره أن الأطباء وزُملائه هنا لا يتقاضون سوى نصف رواتبهم.

اقرأ/ي أيضًا:  أعشاب سامة في "دكاكين الطب البديل" في غزة

في حين يقول وسام س، إن رهاب المستشفيات يُلازمه منذ الصغر، فقد اضطر مؤخرًا إلى زيارة عياداتٍ خاصة لإنهاء ألمه الذي لم ينتهِ حتى اليوم في أذنه وعينه، ليدخل في متاهةٍ مشابهة لصديقه عمرو، حيث قدّم ملفًا يحمل العديد من الصور الدماغية المُكلفة ماديًا بتوصية من الطبيب (×)، وحينما عرضها على عدة أطباء أخبروه أنه لا يُعاني أصلاً من أي مشكلة صحية، وأن عليه البحث عن طبيبٍ آخر، وهو ما "لن يفعله" وسام، مفضلاً طنين أذنه الذي لا يهدأ على أن يُعاود الكرّة.

كذلك الأمر بالنسبة إلى مصطفى ن. الذي اضطر للمبيت بالمستشفى إثر إصابته بنوبة إنفلونزا حادّة، فخشيته من العدوى وسوء نظافة مراحيض المركز الطبي و"بذاءة" الممرّضين دفعه إلى الهروب أحيانًا لقضاء حاجته في المنزل والعودة إلى سريره "المرعب" في المستشفى مجددًا.

عن ذلك "الرهاب من المستشفيات"، يقول استشاري الصحة النفسية سامي عويضة لـ الترا فلسطين، إن الخوف المرضي من المستشفيات يتزايد في قطاع غزة، باعتبارها "أمكنةً ورُموزًا للآلام"، لارتباطها بمشاهد دماء الجرحى والشهداء وضحايا العدوان الإسرائيلي، عدا عن الأخطاء الطبية التي تزايدت على نحوٍ واسع مؤخرًا.

"تلك التجارب النفسية خلقت مخزونًا هائلاً من الذعر والرِهاب والألم في اللاوعي لدى الأشخاص؛ سواءً كانوا مرضًى أو زُوّارًا لأحبائهم أو أصدقائهم، عدا عن الإجراءات البيروقراطية المحلية، والابتزاز الإسرائيلي، واحتمالات المنع الأمني من السفر التي تلحق اكتشاف مرضٍ يستوجب تحويلاً للخارج، الأمر الذي يُضيف مزيدًا من المعاناة على أفرادٍ عانوا طويلاً من الموت البطيء بسبب طول سنوات الاحتلال والحصار" يقول عويضة.

وكانت السلطة الفلسطينية اتخذت مؤخرًا قرارًا بوقف التعامل مع المشافي الإسرائيلية ردًا على اقتطاع إسرائيل جزءًا من أموال الأولى، حيث يرى المرضى في القرار خطرًا على حياتهم ومزيدًا من الرِهاب حال مراجعة المشافي المحلية لاكتشاف أمراضٍ لا تُحمد تداعياتها. يقول هؤلاء، إن العيش في غزة بجسدٍ خفيٍّ عن الأمراض أفضل كثيرًا من معرفة ما يُعانيه ذلك الجسد والعقل المُرهق أصلاً بسبب ظروف الحياة القاسية.


اقرأ/ي أيضًا: 

غزة: صيدليات تبيع أدوية "ليست للبيع" مفقودة في وزارة الصحة

تحقيق خاص | مواد لـ"فرد الشعر" مسرطنة وتُسبب الصلع في غزة

الخليل: مراكز أشعة غير مرخصة وأجهزة متهالكة