17-أبريل-2021

في حزيران اللاهب، عام 2016، صُمتُ رمضان على امتداد رقعة السجون، في "هشارون" قرب يافا أولًا، ثم في "الدامون" قرب حيفا ثانيًا، وما بينهما رحلة إلى محكمة "عوفر" قرب رام الله.

في سجن الدامون، عشت مع صابرين -ابنة عمي- في غرفة رقم 8 التي جمعتنا تحت سقفها 6 أشهر. كانت صابرين تدخل إلى الغرفة في نهاية النهار، قرابة السابعة مساءً تحمل في يدها صحنًا من التمر المحشوّ بمكسرات وعسل، تقول لنا: "هذا من سامية عملته الكم، تذكروها بدعواتكم هي وزوجها يفرج عنهم ويجمعهم بأولادهم"، وكانت التمرات تذكرنا كل يوم بالدعاء لسامية وفهمي وأولادهما.

كانت سامية تحشو التمر بالعسل والمكسرات كل يوم طوال شهر رمضان، ولكافة الأسيرات في القسم (حوالي 20 أسيرة في ذلك الوقت). وسامية مشاهرة، هي زوجة الأسير فهمي مشاهرة من جبل المكبر في القدس، والمحكوم بالسجن المؤبّد 20 مرّة، قضى منها نحو 20 سنة، وقد اعتُقلت سامية أثناء زيارتها له في سجنه نهايات عام 2015، وحكم عليها بالسجن 11 شهرًا.

  تخيَّل كيف انقضى ذلك الرمضان على أطفال سامية الثلاثة، وهم يتناوبون على زيارة أمّهم وأبيهم في السجون   

صار أبناؤها منذ لحظة اعتقالها، يتناوبون على زيارة أمّهم وأبيهم في السجون ما بين شمال البلاد وجنوبها. تخيَّل كيف انقضى ذلك الرمضان على أطفال ثلاثة، أصغرهم عزيزة التي كانت تبلغ عامين من العمر، بعد أن نجح والدها في تهريب نطفة كانت سبب ولادتها.

تحررت سامية في أيلول/ سبتمبر 2016، ورزقت بعد تحررها بطفلها عيد، طفلها الثاني بالنطف المهربة.

هذه القصة المعجونة بالتصبّر والألم، لم تنته بعد، فلا يزال فهمي في سجنه، يحلم بيوم واحد مع عائلته في رمضان أو سواه.

لقد تعلّمت كثيرًا من سامية، تعلمت كيف يكون الحب، تعلمت كيف يمكن أن تودع بيننا الرقة، بحبّات التمر التي تعدها بقلب امرأة مُحبة وصابرة. كيف تجيد اختلاق الرقة وبثها بيننا، في أشرس الأماكن على سطح الأرض!

تعلمت كثيرًا من سامية، تعلمت كيف يكون الحب، والرقة، والأمل، والصبر على الجراح المفتوحة.


اقرأ/ي أيضًا:

عن رمضان داخل السّجن

كمال عبد الفتاح: جبل من جنين يوازي كرمل حيفا (3)

فيديو | "كُلّنا نفس الوجع".. عن تضامن أمهات شهداء قباطية