31-أغسطس-2017

حان الوقت لإيجاد البديل، فالجامع المكتنز بالأحذية الخليلية والتركية أصبح الآن محاطًا بكاميرات المراقبة، ولم يعد أمام "أيوب" (اسم مستعار) أي مجال للتسلل من الباب الأمامي وسرقة أحذية المصلين وترك "زنوبة" لهم بدلاً منها، فقد اعتاد على فعل ذلك في المسجد الكبير ذو الأبواب الواسعة والمبنية على الطراز العثماني، إذ يعلم أيوب جيدًا دهاليزه؛ كأن خريطته وقعت من يد فاطمة خاتون التي بنته، إلى يده مباشرة.

يجلس أيوب (29 عاما) مكتئبًا أمام باب بيته يعُدُّ غلته التي جمعها بعد صلاة الجمعة. العدد يتناقص يومًا بعد يوم، بعد لجوئه إلى المساجد الفرعية في جنين؛ التي يقل عدد المصلين فيها، فيوم الجمعة على سبيل المثال تبلغ الغلة ما يقارب 10 أحذية فاخرة من الجامع الكبير، وفي الجوامع الفرعية يسرق 5 أحذية فقط، لا ترضي تاجر الأحذية المستعملة. 

سرقة الأحذية من المساجد في أيام الجمعة، مهنة يعتاش عديدون، تطورت مع بعضهم إلى سرقات أكبر طالت صناديق التبرعات

بعد غلة الجمعة التي يصفها بـ "المباركة"؛ يتوجه أيوب صباح السبت للقاء تاجر الأحذية المستعملة، ليبيعه الحذاء بخمسة شواقل، وبذلك يتراوح مجموع غلته ما بين 25 شيقل إلى 50 شيقل في اليوم الواحد.

اقرأ/ي أيضًا: البالة الإلكترونية.. سوق بلا ضرائب

يقول أيوب: "أفضل ما في يوم الجمعة هو غلته، وأسوأ ما فيه إنني لا أتمكن من الصلاة في وقتها، نظرًا لكونها الساعة الحاسمة في عملي. أراقب عيون المصلين بشغف وانتظر ردّات فعلهم بعد البحث المطوّل عن أحذيتهم في أبواب المساجد، وأخيرًا يعلنون استسلامهم ويرتدون الزنوبة التي أضع عددًا منها في صلاة الفجر، داعيًا الله بزيادة الرزق".

السرقة الأولى كانت ردّة فعل. فقد سُرق الحذاء الذي كان ينتعله، فرأى حذاءً آخر مُغريًا، فسرقه.. 

يروي أيوب أن أول سرقة له كانت ردة فعل، أكثر من كونها فعلاً خالصًا بنية مسبقة. يقول إنه بعد نهاية إحدى الصلوات لم يجد حذاءه الذي خدمه 10 سنوات على باب المسجد، فارتدى حذاءً اختاره عشوائيًا لا يعرف من يكون صاحبه، لم يناسب مقاس قدمه حينها، لكن شكله أغراه لسرقته، وفق قوله.

ومنذ تلك الحادثة قبل 5 سنوات أصبحت سرقة الأحذية من الجوامع مهنته التي يمارسها دون أن تهتز منه شعرة، بل إنه يطورها من حين إلى آخر، إذ يستولي أحيانًا على سجاجيد الصلاة، كما سرق أموالاً من صندوق التبرعات مرة واحدة.

تخصص لجنة الأوقاف صناديق للتبرعات في مساجد جنين التي يبلغ عددها أكثر من 200 مسجد تشمل القرى، وتختلف التبرعات فيها بحسب زوارها، إذ يبلغ مجموع التبرعات في الجوامع الرئيسة الثلاث (الجامع الكبير، الجامع الصغير، جامع النور) 3 آلاف شيقل شهريًا، بحسب تصريح مدير الأوقاف في جنين صلاح جودة.

وتُقدم التبرعات التي يتم جمعها إلى لجنة متخصصة في مديرية الأوقاف، تتولى إنفاقها على عمليات صيانة الجوامع وترميمها.

سُجلت في جنين أكثر من سرقة لصناديق التبرعات في الجوامع، إحداها ارتكبها شخص مدمن على المخدرات

ولم يكن أيوب الشخص الوحيد الذي كسر قفل الجامع وسرق 200 شيقل، بل ذكر مفتي جنين الشيخ محمد أبو الرب أن شخصًا آخر يُعرف بتعاطيه للهيروين نفذ عملية سطو على أكثر من مسجد في جنين في ليلة واحدة، وبذلك فإن سرقة أيوب سُجلت كجريمة ثانية في هذا المجال، خلال عام 2017، في سجلات الشرطة في جنين، حسب الأوقاف.

اقرأ/ي أيضًا: رقصة الفالس بين شاتيلا وأوشفيتز

ينتمي أيوب إلى عائلة إسكافية، فوالده كان يعمل بشكل احترافي في تصليح الأحذية، وهو معروف على مستوى جنين ونابلس، وفتح له عدة علاقات مع تجار أحذية أثناء تنقلاته في مدينة نابلس. أيوب أصبح إسكافيًا أيضًا، يُصلح الأحذية هناك، لكن بعد وفاة زوجته اضطر للعودة إلى جنين لتربية طفليه، وانتقل من العمل في تصليح الأحذية إلى سرقتها.

يقول أيوب: "أصبحت لا أملك الكثير من الوقت للعمل في أي شيء، فوجدت أن السرقة موسمية، وعمل جزئي ومناسب لخبرتي في تجارة الأحذية، توجهت إليها من حيث لا أدري، حتى أصبحت سوسة".

و"السوسة" التي أدمن عليها أيوب تجعله يضحك كثيرًا عندما يحدثه أحدهم عن سرقة حذائه، خاصة عندما اكتشف بالصدفة أن أحد الأحذية التي سرقها يعود لعمه "المتكبر" على حد وصفه. يقول: "نشوة كبيرة شعرت بها عندما حدثني عمي عن سرقة حذائه الثمين، فتارة أنظر إليه بابتهاج، وتارة أنظر للحذاء نفسه من خلف الباب، وقررت أخيرًا أن لا أبيعه، وعلقته بجانب الحديقة، كمن يعلق شهادة تخرجه أو وسامًا حصل عليه في مسيرته المهنية".

يلجأ المصلون إلى حيل منها استبدال أحذيتهم بأخرى بالية عند الترجل من السيارات، أو تفريق كل فردة عن أختها، لإفشال السرقات

ويتحدث أيوب عن استخدام بعض المصلين حيلاً لإفشال مهمات لصوص الأحذية وحماية أحذيتهم، مثل تفريق فردتي الحذاء في مكانين بعيدين، أو استخدام حذاء رخيص جدًا وبالي عند نزولهم من السيارة، أو إدخال الأحذية داخل كيس أسود ووضعها إلى جانبهم في المسجد.

لكن حتى كاميرات المراقبة وحيل المصلين لم تمنع أيوب من إدمان عمله. ويهتم أيوب كثيرًا بنوع الحذاء المسروق، ولا يهتم بالنمرة، فهو يؤمن بمقولة عالم النفس السويسري كارل يونغ: "الحذاء الذي يناسب أحدهم، قد لا يناسب الآخر، فليس هناك وصفة مثالية للحياة".

ورغم أن "أيوب" يعرب عن أسفه لضياع صلاة الجمعة بسبب انشغاله بسرقة الأحذية حينها، لكنه لا يبدي أسفًا على استهداف المساجد في سرقاته، أو على الأموال التي يجمعها من السرقة ويطعم بها أبناءه، فيما يبدي أسفًا أكبر بسبب تركيب كاميرات المراقبة، الأمر الذي ضيّق عليه، وقلل المردود الماليّ. 


اقرأ/ي أيضًا: 

رتق الأحذية من طقوس العيد في غزة

سوق الرابش.. ليست ذاكرتنا وحدنا

الأضحى يمر ثقيلا على غزة