26-مايو-2018

صورة توضيحية من أرشيف (gettyimages) - تصوير: مجدي فتحي

فشلت الطفلة سجى في حبس دموعها حين دخلت بوابة الفصل، وارتفع صوت بكائها وهي تمشي نحو مقعدها، فالتَفتْ زميلاتها حولها يسألنها عن سبب حزنها، فأجابت، "ما رضيت تسجلني في الرحلة، قال عشان بتنادي عليّ وما بسمعها أنا". سألت زميلاتها: " قال بتنادوا عليّ وما بسمع  بالله".

الطفلة سجى عوف، رفضت مديرة مدرستها - الابتدائية التابعة لوكالة الغوث "الأونروا" في شمال قطاع غزة -  طلبها للمشاركة في رحلة نهاية العام الدراسي مع زميلاتها في المدرسة، لأنها تعاني من ضعف في السمع، مما لا يؤهلها  - وفق  ما قالته المديرة لها - لأن تكون ضمن رحلة الطلبة الذين لا يرهقون المديرة في الإجابة أو الإنتباه عند المناداة عليهم.

مدارس تابعة لـ "الأونروا" في غزة تمنع دمج طالبات يعانين إعاقات جزئية مع صديقاتهن في رحلات وأنشطة مدرسية

تقول الطفلة (12 عامًا) لـ الترا فلسطين إنها حين ذهبت للمديرة كي تدفع رسوم الاشتراك في رحلة المدرسة، "اقتربت الناظرة مني وهَمَست في أذني: آسفين يا سجى مش رح تقدري تروحي معنا". ودون أن تعطيني مجالاً للحديث، قالت: "ارجعي لفصلك، عندي شغل".

اقرأ/ي أيضًا: في مؤسسات غزة.. ذوات الإعاقة للاستغلال فقط

توجهت طالبات الصف السادس "أ" إلى المديرة،  وطلبن منها أن توافق على مشاركة سجى معهم في الرحلة،  لكن الأخيرة، رفضت  وساطة الطالبات لزميلتهم، وقالت: "هناك رحلات لاحقة خاصة لهم، وكل بنت على بيتها يلا" لكن زميلات سجى لم يُخبرنها بما حدث "حتى لا يكسرن خاطرها".

صباح اليوم التالي، توجهت والدة سجى وطفلتها إلى المدرسة لمقابلة المديرة، ردت الأخيرة: "سجى إلها رحلات خاصة، وسامحيني ما بنفع تروح مع الطلبة". لم ترد الوالدة التي "شعرت بوخزة في قلبها" كما قالت لـ الترا فلسطين حين سمعت هذا الجواب،  واكتفت بمغادرة غرفة المديرة، دون مجادلة أكثر.

 أصيبت الطفلة سجى بعد عام من ولادتها السليمة بفايروس يُسمى "حمى شوكية" في الدماغ، وكادت تفقد حياتها كاملة على أثره، لكنها نجت بأذن فاقدة السمع، وأخرى تعمل بنصف قدرتها.  

واصلت سجى محاولاتها مرافقة صديقاتها في الرحلة، فتوجهت إلى المرشدة النفسية  في مدرستها، وأخبرتها ما حصل معها، لكن الأخيرة ردت عليها  بأنها لا تملك صلاحية تخولها للتدخل في قرارات المديرة.

الترا فلسطين بحث في هذا الموضوع، ليجد أن قصة سجى ليست حالة فردية، لكن لا يُمكن القول أيضًا إنها ظاهرة. في المنطقة الوسطى من قطاع غزة، واجهت الطفلة علا الدرج (11 عامًا) التمييز ذاته.

تُعاني عُلا أيضًا من ضعف في السمع، وقد مُنعت من المشاركة في مجمل الأنشطة الطلابية التي تقيمها المدرسة، الأمر الذي شكل "عُقدة نفسية للطفلة تعاني منها حتى اللحظة" بحسب ما قالت الوالدة سهى الدرج لـ الترا فلسطين.

 تدرس عُلا التي ولدت بنصف إعاقة سمعية، في إحدى مدارس وكالة الغوث الابتدائية في المنطقة الوسطى لقطاع غزة، وكانت مديرة هذه المدرسة، قد حرمتها من المشاركة في عدة احتفالات إلى جانب رحلات مدرسية، بحجة أنها "من ذوي الإعاقة، وهناك أنشطة خاصة لهم".

تقول الوالدة: "خلال العام الدراسي، تكررت عودة الطفلة من المدرسة وهي تبكي، وحين كنت أسألها عن السبب كانت تقول مثلاً المديرة رفضت تسجيلي في حفل ستقيمه المدرسة، أو لم تقبل المديرة مشاركتي في الرحلة النصفية".

تُعلل مديرة مدرسة تابعة لـ "الأونروا" في غزة التمييز ضد طفلة مصابة بإعاقة جزئية بأنها لا تريد تحمل مسؤوليتها

كانت الذريعة التي تُعلل بها مديرة المدرسة رفض دمج الطفلة مع صديقاتها "أن من يعانون من إعاقات مثل هذه، مسؤولية كبيرة، وهي  في غنى عن تحملها"  وفق ما نقلته لنا والدة عُلا.

اقرأ/ي أيضًا: عريس وعروس من ذوي الإعاقة.. غير ممكن في غزة

كانت عائلة الدرج تأمل أن يحتوي الوسط المدرسي يحتوي ابنتها ويساعدها في التغلب على أزمتها من خلال التفاعل مع زميلاتها في كافة الأنشطة، ولذلك لم تصبر على طريقة تعامل المديرة معها، فنقلتها إلى مدرسة أخرى، تحديدًا بعد أن أصبحت الطفلة تتغيب كثيرًا عن المدرسة، كي تتجنب الإحراج  المتكرر الذي تسببه لها المديرة.

يُلحق التمييز والمعاملة بالمنع أو العزل، وحتى عدم الاهتمام، "كارثة إنسانية" بمن يتعرض له، تحديدًا إن كان من يتعرض لذلك طفلاً، وفق ما أفادنا به الأخصائي النفسي زهير ملاخة.

يستغرب ملاخة من طريقة التعامل مع الطفلتين سجى وعُلا، ويقول: "من المعروف أن نجد حالات مناقضة لما ذكر في التقرير، مثلاً نرى اهتمامًا زائدًا بمثل هؤلاء الأطفال والحرص على دمجهم مع الحالات الطبيعية لتخليصهم من أزمتهم، وتحفيزهم على النهوض بأنفسهم، لكن أن يتعرض الأطفال لمثل هذه الأفعال، فهذا يستوجب المحاسبة".

ويوضح ملاخة، أن مثل هذا التعامل، "يزرع الإحباط واليأس في نفوس الأطفال، خلافًا لطريقة العلاج المتبعة الأن، إذ يجري دمج الحالات المشابهة  والأكثر تعقيدًا مع الحالات الطبيعية، وهو الأمر الذي أسهم بشكل كبير في تشجيعهم والارتقاء بهم كباقي زملائهم".

الترا فلسطين تواصل مع المتحدث باسم وكالة الغوث عدنان أبو حسنة، بهدف معرفة، إن كانت المواقف التي اتخذتها مديرات بعض مدارس "الأونروا"، قد انطلقت من قانون موجود في برنامج التربية والتعليم التابع لوكالة الغوث، لكنه نفى ذلك، وقال إن "هذه الأفعال أنها نابعة من قرار ذاتي، ومسؤول عنها الشخص الذي قام بها".

"الأونروا": التمييز ضد الطلبة ذوي الإعاقة في مدارسنها قرارات ذاتية يتحمل مسؤوليتها من يقوم بها

وأضاف، "لا يمكن أن تقبل الأونروا بهذا، إذ أن القانون الأساسي الذي تنطلق منه العميلة التعليمية، ينص على توفير كل حقوق الطفل مهما كانت حالته الجسدية أو الصحية، وهو شعار الأونروا. حتى الأطفال ذوي الإعاقة، نسعى لسد احتياجاتهم ومنعهم من الشعور باختلاف مع غيرهم".

وأشار أبو حسنة إلى وجود صندوق شكاوى في المقر الرئيسي لوكالة الغوث في غزة، مضيفًا، "كان من المفترض على الأهالي التوجه إليه فورًا". لكن عائلة الدرج علقت على ذلك بالقول إن "التعامل مع الشكاوى يتم بمماطلة بالغة، وهناك إجراءات معقدة، تفرضها إدارة الوكالة بشكل ممل"، وهذا جعلها تكتفي بنقل ابنتها إلى مدرسة تقبل بها.

يُشار إلى أن المادة العاشرة من الفصل الثاني للقانون الفلسطيني رقم 4 لسنة 1999 بشأن "المُعوقين"، تنص على "ضمان حق المعوقين في الحصول على فرص متكافئة للالتحاق بالمرافق التربوية والتعليمية وفي الجامعات ضمن إطار المناهج المعمول بها في هذه المرافق".


اقرأ/ي أيضًا:

العريس سليم والعروس ذات إعاقة.. معقول؟ 

قصار القامة في غزة: صناعة الضحك تخفي وجعا

ذوو الإعاقة في "دفتر كشكول".. قراءة نقدية