30-ديسمبر-2016

لكي نفهم طبيعة العلاقة ما بيننا نحن الفلسطينيون والإعلام الإسرائيلي، وما يترتب عليها من ظهورنا فيه، هناك ثلاث ملاحظات أساسيّة مركزيّة يجب أن تُأخذ بعين الاعتبار في هذا الموضوع:

شكّلت وسائل الإعلام الإسرائيليّة منذ نشوئها ارتباطًا وثيقًا مع المؤسسة الإسرائيليّة، ولا يمكننا التعامل معها بحيادية

أولًا: إعلام مرتبط بالمؤسسة الإسرائيليّة

شكّلت وسائل الإعلام الجماهيريّة الإسرائيليّة منذ نشوئها ارتباطًا وثيقًا مع المؤسسة الإسرائيليّة، ولا يمكننا التعامل معها والنظر إليها بحيادية عن كونها لعبت وتلعب دورًا في المشروع الصهيوني الاستعماري في فلسطين. فالحركة الصهيونيّة وقبل قيام "إسرائيل"، أقامت وسائل إعلاميّة كالصحف والمجلّات لخدمة مشروعها الاستيطاني ولتعزيز مواقفها الأيدولوجيّة خصوصًا من خلال نقل الصراع الدائر على الأرض إلى صراع خطابي يُحوّل الواقع فيه لمصالح الصهيونيّة بحسب معاييرها ومصطلحاتها وأهدافها.

اقرأ/ي أيضًا: الإعلام.. جندي لصالح "إسرائيل"؟

رغم أن الإعلام الإسرائيلي مرّ بتحوّلات كبيرة منذ عهد الآباء المؤسسين إلى يومنا هذا، كالخصخصة واللبرلة والانفتاح خارج البنى الهرميّة التقليديّة للمجتمع اليهودي في بدايات الهجرة لفلسطين، لا زال السواد الأعظم منه يُعبّر عن وجهة نظر صهيونيّة وانحيازًا للسياسات الحكوميّة الإسرائيليّة المتعاقبة خصوصًا في القضايا الكبيرة كالحروب والحل/الصراع الفلسطيني/العربي الإسرائيلي في ظل وجود خوف وقلق دائم ومستمر من قبل الجمهور والنخب على الدولة اليهوديّة في كونها لم تتمكن حتى اليوم من تثبيت نفسها دون مخاطر تهدد شرعيّة وجودها.

الغالبيّة العظمى من العاملين في وسائل الإعلام هذه، هم بشكل أو بآخر مرتبطون بالمؤسسة الإسرائيليّة وأبناء لها

وواضح للعيان أن الغالبيّة العظمى من العاملين في وسائل الإعلام هذه، هم بشكل أو بآخر مرتبطون بالمؤسسة الإسرائيليّة وأبناء لها. فهم دروسوا في مدارسها وجامعاتها وخدموا عسكريًا في مؤسساتها الأمنيّة التي لها أيدولوجيّة تعبويّة واضحة. وحتى التنافس الجاري بعد مرحلة الانفتاح واللبرلة والخصخصة يجري داخل هذه الأيدولوجيّة، وغالبًا ما يكون هذا التنافس بشكل يميل للمغالاة أكثر نحو اليمين حتى ولو كان على حساب المهنيّة. وفي حال وجود أصوات نقديّة فهي موجودة من داخل الاجماع هذا ويُسمح لها بالتعبير بل ويُطلب منها ذلك حرصًا على الايمان بضرورة أن يكون المشروع الصهيوني ديمقراطي داخل نفسه كي يتمكن من النجاح والتطوّر وهذا يتطلب نقدًا. أمّا الأصوات التي تُغرد خارج الإجماع الصهيوني فهي قليلة جدًا ولا تُشكّل تيارًا مركزيًا يُحتسب في قدرته على تأثير مركزي داخل المجتمع الإسرائيلي، حتى وإن كان لهذه الأصوات مبادرات إعلاميّة خاصّة أو حضور داخل وسائل الإعلام الجماهيريّية الإسرائيليّة، يبقى تأثيرها هامشيًا.

ثانيًا: سُلطة رابعة سُلطة قامعة

 لا يمكننا التغاضي أثناء حديثنا عن وسائل الإعلام الإسرائيليّة والعلاقة معنا نحن الفلسطينيين، عن كون هذه الوسائل تُمارس بحقّنا قمعًا إعلاميًا مستمرًا. فإذا كانت وسائل الإعلام في العصر الحديث يُصطلح عليها تسمية "سلطة رابعة" كتعبير على مدى قدرتها في التأثير وصياغة الوعي وتشكيل رأي عام وتوجيهه، فإن وسائل الإعلام الإسرائيلية تلعب هذا الدور فيما يتعلق بالعرب والفلسطينيين كسلطة قامعة. والقصد بالسلطة القامعة أنها تُمارس قمعًا علينا بأشكالٍ مختلفةٍ خلال تناولها وتغطيتها الإعلاميّة. وهذا يبدأ من أبسط الأمور مثل عنوان الخبر والصورة المرفقة وترتيب الأخبار وإبرازها ومن عدمه، وعمليّة الفلترة خلال الإعداد، دون أن نتحدث عن الأمور الكبرى كالنظرة الاستشراقيّة الأشكنازيّة وعلاقة واعتماد الإعلام الإسرائيلي على الرواية العسكريّة وارتباطه بالمؤسسة العسكريّة، وإقصاء المواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل عن تمثيل ملائم للعمل في هذه المؤسسات أو تغطية قضاياهم.

مثال بسيط حصل ويحصل: تقرير في إحدى الفضائيات الإسرائيليّة حول تنظيم القاعدة وجرائمه حول العالم، وفيه بعض المشاهد المؤثّرة، يليه مباشرة تقرير عن مناهج التعليم في السلطة الفلسطينيّة يشير إلى وجود نصوص تُشجع على العنف ضد الإسرائيليين، أو يليه تقرير عن الهتافات للمسجد الأقصى والقدس بين جمهور فريق اتحاد أبناء سخنين لكرة القدم أثناء مواجهته لفريق إسرائيلي.

مثال آخر: موجة الحرائق الأخيرة التي عمّت البلاد، والتي اتّهم سياسيون إسرائيليون الفلسطينيين بإشعالها، منذ الساعات الأولى لهذه الحرائق، لنرى أن معظم وسائل الإعلام تبنت وجهة النظر تلك، وأشارت إليها، والبعض أطلق مصطلح "انتفاضة الحرائق" للربط مع الفلسطينيين.

اقرأ/ي أيضًا: علماء آثار يتساءلون عن حقيقة علمانية إسرائيل

لم يعد القمع المُستخدم والذي يُغيّب الفلسطيني وروايته ويُنكرها، يعمل بهدف الترويج للرواية الصهيونيّة كما كان الامر منذ الأيّام الأولى لوسائل الإعلام الإسرائيليّة الصهيونيّة فقط، بل بات هذا القمع ضروريًا في خدمة عمليّة الاستهلاك والتنافس. أصبحت صناعة الدراما حول القضايا المتعلقّة بالعرب والفلسطينيين أمرًا يستحوذ على عمليّة الصناعة الإعلاميّة الإسرائيليّة، وحاجّة لزيادة عدد القرّاء والمشاهدين والمستمعين.

مثال من قضية النائب باسل غطّاس مؤخرًا، اهتم موقع "واينت" بذكر هذه الجملة "عضو الكنيست باسل غطاس عن القائمة المشتركة الذي هرّب هواتف نقّالة إلى السجن/مخربين.... الخ" في مقدمة الخبر أو الفقرة الملخصّة القصيرة للخبر التي تظهر بخط كبير تحت العنوان الرئيسي وقبل بداية الخبر. وعلى مدار أسبوع، احتلت قضية غطّاس عناوين رئيسة على مدار يومي في الموقع، وكانت هذه الجملة التي تُشير بشكل قاطع إلى كونه هرّب هواتف نقّالة موجودة دائمًا مباشرة بعد ذكر اسم غطّاس. بعد إطلاق سراحه وظهور أن القضية ليست كما ظهر منذ الأيّام الأولى وكما روّج الإعلام نفسه لها أصبح يضع الموقع كلمة "المتهم بـ.." في هذه الفقرة، والأمثلة من هذا النوع أكثر من أن تُحصى وحاجة أساسيّة في عمليّة الاستهلاك والتنافس.

ولنا مثال آخر على هذه القمع من خلال تسخير الدراما، حصل قبل أيام قليلة، وهو قمّة في المستوى الذي قد يصل إليه الإعلام الإسرائيلي خدمة للاستهلاك والتنافس القائمين على أرضية فكرية صهيونيّة، وهو ما حصل في مقابلة رئيس القائمة المشتركة أيمن عودة مع القناة الإسرائيليّة الثانيّة. اعتاد الإعلام الإسرائيلي وبعد كل حدث متعلق بأمن إسرائيل مثل عمليّة تفجيريّة أو طعن الخ..، أن يبحث عن العربي الذي يجب عليه أن يستنكر أو العربي الذي لم يستنكر بعد، وإخضاعه وإخضاع العرب معه لتحقيق حول لماذا لا تستنكرون العمليّة؟ في المقابلة جرى عمليّة تصعيد في "التحقيق" من قبل الصحفيّة وأسلوبها وطريقة تعاملها ونبرة صوتها، وكأنها بتوبيخها المهين هذا تلبي رغبات جمهور إسرائيلي واسع يريد أن يشاهد عملية تأديب للقائمة التي تُمثّل العرب، مع تسجيل تحفظنا على شكل ردِّ النائب عودة على أسلوبها، وهذا يُحيلنا للملاحظة الثالثة.

ثالثًا: ظهورنا وعقدة إثارة الإعجاب

كثيرًا ما يقع الفلسطيني الظاهر في وسيلة إعلام إسرائيليّة في فخ إثارة إعجاب الجمهور الإسرائيلي، معتقدًا أن ظهوره هذا وبشكل مُعين "مهذّب" سوف يُساعد في التأثير على المجتمع الإسرائيلي وإيصال رأيه. هذا الظهور "المهذّب" يتطلب من الشخص اللعب ضمن قواعد معيّنة تضبط سلوكه خلال الظهور إن كان مقابلة صحفيّة أو حتى لو كان على شكل مقال مكتوب. ضبط السلوك هذا في حالة الفلسطيني الذي يريد إثارة إعجاب الإسرائيلي كي يؤثر عليه، تدفعه لتقديم تنازلات أمام تكبّر واستعلاء وقوّة المُستعمِر، وهنا يكمن الفخ! ففي كل مرّة تُقدّم تنازلات لإثارة الإعجاب سوف يُطلب منك في المرّة القادمة تقديم المزيد من التنازلات كي تستمر في إثارة إعجابه.

كثيرًا ما يقع الفلسطيني الظاهر في وسيلة إعلام إسرائيليّة في فخ إثارة إعجاب الجمهور الإسرائيلي، معتقدًا أن ظهوره يؤثر على المجتمع الإسرائيلي 

هذا الفخ نفسه هو الذي وقع فيه فريق أوسلو في مسار المفاوضات واستحقاقاتها على الأرض، ورأينا أمثلة عدة كنشر هذا الفريق إعلانات في وسائل إعلام إسرائيليّة، وتعيين لجنة لمخاطبة الشارع الإسرائيلي، وتنظيم لقاءات صحفية إسرائيليّة مع أبو مازن بهدف التأثير على المجتمع الإسرائيلي كي يؤثر على حكومته فيما يُسمى بعملية السلام، الأمر الذي لم يجلب لنا سوى تقديم المزيد من التنازلات في كل شيء، منها ظهور رجالات السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة في الإعلام الإسرائيلي على شاكلة شخصيّات تُطمئن الجمهور الإسرائيلي وتُبدد قلقه وخوفه وتؤكد على التنسيق الأمني.

ليس السؤال الآن هو ظهورنا أو عدم ظهورنا في الإعلام الإسرائيلي، بقدر ما هو سؤال شكل هذا الظهور. أي ظهور هناك يجب أن يُدرِك قبل كل شيء طبيعة هذا الإعلام وطريقة عمله كيفما ذُكر في الملاحظتين أعلاه،  ثم وعلى هذا الأساس يكون الظهور الذي يجب أن يواجه القمع من خلال تعرية هذا الإعلام وتبيان تناقضه وتحويل الأسئلة والهجوم بشكل معاكس، ولا أقصد هنا أسلوب الترفيه السياسي الذي ينتهجه البعض كأسلوب للبروز والنجوميّة الفارغة من خلال مواجهة يُسخّر فيها الكوميديّا والتمثيل، بل بحجج عقلانيّة تفضح هذا الإعلام وتضعه بشكل مستمر في تناقض ومأزق بهدف فرض حضور الرواية الفلسطينيّة كما نرويها نحن بنديّة ودون تأتأة، حينها سـ"نثير الاعجاب" كما يجب.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

الخدمة المدنية: سلاح إسرائيل الناعم

المستوطنة الفاضلة... دعاية إسرائيلية بلسان فلسطيني

كأننا..