ultracheck
قول

انتظار الموت في غزة!

15 نوفمبر 2019
GettyImages-1182256059.jpg
Majdi Fathi/ Getty
خالد سليم
خالد سليم صحفي فلسطيني

مقال رأي | 

لم أشهد حربًا حقيقيّة قط، كالحروب التي شهدتها غزة.

لكنني جرّبت اجتياح رام الله عام 2002، بعد ليلة نمتُها عند أصدقاء، لم يكد الفجر يبزغ بعدها، إلّا والدبابات تلتهم شوارع المدينة وأزقتها، وإلا ونحن بضعة شبان في شقة وسط مدينة رام الله.

ما حدث في غزة خلال الأيام الماضية لا أستطيع تخيّله.

المرعب ليس أن تموت. المرعب انتظار الموت دون القدرة على مراوغته.

الموت المباغت ليس مخيفًا للميت. لحظة وينتهي الأمر. أما انتظار الموت، فموت يتجدد مع كل صوت قصف، أو لمعة قذيفة، أو اهتزاز قريب.

إن كنتَ مقاتلًا، فأنت والموت صديقان، تنتهي علاقتكما بتوحدكما، فيصير لكما اسم واحد. هذا خيار ذهبت إليه بمنتهى الشجاعة والبسالة.

أما إن كنتَ مواطنًا عاديًّا، وجد نفسه في مكان يكمُن فيه الموت للجميع في البحر، والجو، والبر؛ فإنك ستموت ألف مرة قبل الموت الحقيقي، أو النجاة المؤقتة، بانتظار نزال آخر مع الموت، لم تسعَ إليه، بل اختارك وحدك، بحكم المكان، وهو نزال لا تكافؤ فيه، ولا تصالح معه.

أن تكون في غزة، يعني أن ترافق الموت وتصادقه، وتنتظره ليأخذك بعيدًا، إلى حيث اللاعودة.

أيام اجتياح رام الله، وعندما كانت دبابات الاحتلال على مقربة منا، وقد سمعنا باستشهاد عدد من رجال الأمن قربنا في مدخل بناية؛ فإننا بدأنا نستعد لاستقبال الموت.

أطل وليد العمري عبر "الجزيرة" يومها ونقل هذا الخبر، وصرنا نتخيل أننا سنكون خبرًا أيضًا. سنصير رقمًا تحصيه وكالات الأنباء والفصائل والمفاوضون.

كانت فكرة الموت هنا مرعبة. لن تحظى بجنازة تليق بك، ولن يُذكر اسمك أصلًا. سيصير اسمك "الشهيد الثالث" مثلًا. 

لم نحب أن توثّق الكاميرات صورنا جثثًا ونحن بملابس البيت الرثّة. ارتدينا ملابسنا، وكأننا على موعد مع صديق، أو في الطريق إلى العمل.

ازدحم الحمّام فجأة، وصرنا نضطر للتبول خلال فترات قصيرة. كان أدرينالين القلق يصب البول في مثاناتنا صبًّا.

اتصلنا بأهلنا نطمئنهم أننا بخير. حاولنا ادّعاء الشجاعة، وأن نترك لديهم ذكرى آخر اتصال. سيقولون بعد موتنا: لقد كنا نتحدث معهم قبل موتهم بدقائق!

اقتحم الجيش بنايتنا، وأطلق الرصاص بجنون، فنزلنا ونحن نصرخ: "مدنيون مدنيون"، وبعد توقيف لساعات، قادونا إلى بناية وزارة الثقافة سابقًا.

كنت في رأس الصفّ. أمسكني الجندي من ياقة قميصي وشتمني بكلام بذيء، هو الوحيد الذي أعرفه من العبرية.

ومرّ الأمر بسلام. لم نمت. لكننا اقتربنا قليلًا من التجربة.

في غزة، الصورة مختلفة.

أفراد الأسرة جالسون يستمعون للأخبار. لحظات وتنطفئ الدنيا كلها. لا شرف لدى القَتَلة.

خلال الأيام الماضية، مرت على غزة حرب "صغيرة".

ولأن أهل غزة اعتادوا على "زيارات" الموت المفاجئ، فإنهم يتخذون احتياطات تبدو بسيطة، لكنها تستحق التأمل.

كثر الحديث في الأيام الماضية عن لباس الصلاة الذي يلازم النساء. ثمة احتمالان: الموت، أو النجاة هربًا. وفي الحالتين، الخشية من الانكشاف أحياءً وأمواتًا كان هاجسًا يرافق فكرة الموت. إن كنا سنموت أو نهرب، فلا أقل من أن يرانا الناس كما اعتادوا أن يشاهدونا. ولا نريد أن نكون مكشوفات أمام العدسات وعلى الفضائيات.

الحرص على الأوراق الثبوتية كان مشهدًا اعتاد عليه أهل غزة. لا أقل من تكون لنا أسماؤنا إن متنا تحت القصف. لن نكون أرقامًا، أو "شهداء مجهولي الهوية". على أسمائنا أن تؤرّق القتلة.

أسماؤنا هي درعنا الوحيدة أمام القصف.

أسئلة الأطفال حكاية أخرى: لماذا نحن؟ ما الذي يدعو أبناء الخطايا واللعنات إلى قنصنا وقصفنا وقتلنا؟ أما ألعابنا، فسنحملها معنا. ستموت معنا.

في غزة، الموت لعبة السياسة القذرة. يقرر ربّ إسرائيل الحاكم أن يجري مناورة انتخابية، وها هو دم غزة متاح. اغتيال فتصعيد فمكاسب.

في غزة، تتحول الحرب إلى مساحة للتحليل وإبداء الرأي وإطلاق الأحكام على الموتى.

في غزة، يفتي القاعدون للمقاتلين، دون أن تهتز أصابعهم.

انتظار الموت يولّد غصة صعبة في الروح.

ينظر مليونا ناجٍ إلى أنفسهم في المرآة، ويقولون: نجونا هذه المرة، ونحن بانتظار الموت مرة أخرى.


اقرأ/ي أيضًا: 

التحديق بالموت

البكاء في مواجهة الموت

الموت يعمر الأرض

الكلمات المفتاحية

ثلاث سنوات بحثًا عن يوم عادي

ثلاث سنوات بحثًا عن يوم عادي

أشتاق إلى مشوار تكون لديّ في نهايته حكاية عادية


حين احتضنت قونية فلسطين

حين احتضنت قونية فلسطين

عندما ظهر أطفال غزة في الملعب، شعرت أنني لم أعد أشاهد المباراة من بعيد، بقيت عيني معلقة بهم؛ أطفال أعرف المكان الذي جاؤوا منه، وأعرف جيدًا ما تعنيه غزة حين تظهر في الأخبار


السؤال هل ستجري الانتخابات أم لا يكشف أزمة الحكم

السؤال هل ستجري الانتخابات أم لا يكشف أزمة الحكم

حين يسأل الفلسطينيون "هل ستجري الانتخابات التشريعية أم ستؤجل مرة أخرى؟"، فإنهم لا يعبرون عن فضول تجاه حدث سياسي مقبل، بل يكشفون عن أزمة عميقة في علاقتهم بالنظام الذي يحكمهم


إبادة المرأة الفلسطينية في زمن الإبادة

إبادة المرأة الفلسطينية في زمن الإبادة

الخطاب المضاد للإبادة ذكوري الطابع، فهو يعتمد أيضًا على لغة شمولية عنيفة وبطولية للغاية، يمارس من خلالها الضغط على إمكانيات بروز لغة أنثوية ونسوية مضادة

تحقيق: عقوبات أميركية على ألبانيز وقضاة في الجنائية الدولية بسبب تحقيقاتهم في جرائم حرب إسرائيلية
أخبار

ألبانيز: إبادة غزة مستمرة.. والعالم أمام مفترق طرق

اتهمت ألبانيز الولايات المتحدة بدعم الإبادة في غزة وباستخدام التهديد ضد الدول التي تصفها واشنطن بأنها شريكة لها.

الاحتلال يعزل الأسيرة الصحفية بشرى الطويل في سجن الرملة
أخبار

الاحتلال يواصل عزل الصحفية بشرى الطويل منذ 46 يومًا

قضية الطويل تسلط الضوء على تصاعد سياسة العزل بحق الأسرى والأسيرات.


بدو النقب - فلسطينيو النقب
راصد

بدو النقب في مرآة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية: تحولات الهوية وانفجار التناقضات

لا تقتصر المخاوف الإسرائيلية حيال النقب على البعد الأمني والعسكري الطارئ، بل تلتحم بها بعمق هواجس ديموغرافية ووجودية مزمنة.

هآرتس: البنوك الإسرائيلية تخشى عقوبات دولية بسبب تمويل الاستيطان
أخبار

هآرتس: البنوك الإسرائيلية تخشى عقوبات دولية بسبب تمويل الاستيطان

أفادت "هآرتس" بأن البنوك الإسرائيلية تخشى تعرضها لعقوبات دولية بسبب تمويل مشاريع استيطانية في الضفة الغربية، وسط قلق متزايد من تداعيات المشاركة في مشروع E1 الاستيطاني

الأكثر قراءة

1
تقارير

ملف الترا فلسطين | الإبادة بعد عام من "وقف إطلاق النار": كيف حال غزة؟


2
مقابلات

من الحبر إلى الأمن.. الخالدي يكشف لـ "الترا فلسطين" ترتيبات الانتخابات التشريعية بغزة


3
تقارير

ملف | الانتخابات الإسرائيلية 2026: أسئلة الحرب واليمين والمعارضة وفلسطين


4
قول

الجنرالات التائبون


5
تقارير

تسمم وأمراض تهدد النازحين.. من يضمن سلامة مياه الشرب في غزة؟