أسعار العملات
الدولار الأمريكي
سعر الشراء 3.22
سعر الصرف 3.22
الدينار الأردني
سعر الشراء 4.53
سعر الصرف 4.55
اليـــــــــــــــــورو
سعر الشراء 3.78
سعر الصرف 3.78
صلاح بديلا للقضايا الكبرى: أو كيف تعلمت اللامبالاة

صلاح بديلا للقضايا الكبرى: أو كيف تعلمت اللامبالاة

في الدوري الإنجليزي الممتاز، وفي أيّ مسابقة كرويّة عمومًا هنالك قواعد واضحة تحكُمُ سير الأمور ومساراتها المستقبليّة؛ هنالك قواعد تحكُمُ بطل الدوريّ، قواعد أخرى تحكم التأهّل إلى دوري أبطال أوروبا مثلًا، وهنالك الأرقام التي تُحدِّدُ هدّاف الدوري الإنجليزيّ، كلّ هذا يمكن لمبتدئ في رياضة كرة القدم تعلّمه مع الوقت خلال أربع أو ست أسابيع في أقصى تقدير، إن كان مهووسًا لا يُمكِنُ احتماله إذا ما تعلّق بشيء وصار يعدّ نفسه من مُتابعيه، مثلي.

  تعلّمت اللامبالاة بالقضايا الكبرى، بأسئلة الحياة الكبرى الوجوديّة منها والسياسية أو القوميّة، على الأقل لمدّة ساعتين أسبوعيًا وأنا أشاهد المباراة وأتحمّس لأبسطِ حيثيّاتها   

مؤخّرًا أصبحت مهووسًا بكرة القدم، وبالدوري الإنجليزي على وجه الخصوص وبنادي ليفربول تحديدًا، وبالطبع بصلاح وعدد الأهداف التي يقوم بتسجيلها في كلّ مباراة. مع الوقت لاحظت أنّ هوسي يتصاعد مع مرور كلّ أسبوع، وقراءة الأخبار الرياضيّة أصبحت مسلّية أكثر من أيّ شيء آخر، ولا تحتَمِلُ التفكير أو التساؤل حول المستقبل أو آليّات سير الأمور؛ كلّ شيء منظّم، ومرتّب ومفهوم وله سياقه الواضح، كلّ شيء سهل وبسيط ولا يحتاج إلى "التعقيد"؛ بكلمات أخرى، تعلّمت اللامبالاة بالقضايا الكبرى، بأسئلة الحياة الكبرى الوجوديّة منها والسياسية أو القوميّة، على الأقل لمدّة ساعتين أسبوعيًا وأنا أشاهد المباراة وأتحمّس لأبسطِ حيثيّاتها وأكثرها إثارة.

وفي أسابيع أخرى، أشعر بنشوة هائلة عندما أعرف أنّ شهرًا كديسمبر هذا فيه مباراة كلّ ثلاثة أيّام.. ساعتين كلّ ثلاثة أيّام لا قلق فيها، صلاح فيها بديلًا للقضايا الكبرى، ولامبالاة مطلقة بالعالم وبخفايا عالم كرة القدم. 

في دقيقة استطيع تعداد كوارث عالم كرة القدم؛ عالم مُخيف مليء بالصفقات الماليّة، بالجشع الرأسماليّ بكلّ ما هو شبيه بقباحة العالم ورُعبهِ الماديّ الذي نعايشه يوميًّا. مع ذلك، لا شيء من هذا يتبادر إلى ذهني وأنا أتابع المباراة، ولا حتى المقولة الشهيرة: "22 لاعبًا يجرون وراء كرة، ما المثير في هذا؟"، آنذاك يتبادر إلى ذهني إجابة ساخرة لوودي آلن على سؤال كهذا هي: "المثير في الأمر أنّه أمر جسديّ، لن يستطيع هؤلاء المثقّفين الذين يناقشون قضايا التغريب والاغتراب فهم الأمور الجسديّة وهم مشغولون بهذا التجريد الذي هو قناع لعجزهم الجنسيّ والجسديّ!". 

في وقت المباراة، تلك الإجابة تبدو منطقيّة، بعد انتهاء المباراة اختبر مشاعر أخرى؛ أجد نفسي في مواجهة الفراغ، هل أعود إلى التفكير في القضايا الكبرى مثلًا؟ أعود إلى التفكير بكتابة رسالة الماجستير؟ أعود إلى التفكير بالوضع السياسي العقيم للبلد؟ باحتجاجات السترات الصفراء أو بالاحتجاجات على قانون الضمان الاجتماعيّ؟ فلا أستطيع، ولا أفكّر بشيء، وبدلًا من الانشغال بشيء آخر أعود إلى الانشغال بمتابعة التعليقات والتحليلات حول المباراة التي حضرتها لتوّي وموقع نتيجتها في ظلّ المباريات المرتقبة الأخرى، حتّى أنّني فكّرت أنّني قد أتحوّل إلى كاتب رياضي قريبًا!

هذا شيء يحدث بين الحين والآخر، بعد انشغال لسنوات و"ترفّع" عن مجريات الحياة اليوميّة وما في العالم من أشياء أخرى تحدث غير السياسة وعقمها وغير الفكر وتجريده غير المحتمل؛ يجد المرء نفسه متعلّقًا بأشدّ الأمور التي كان ينفر منها من قبل ويُغالي بهوسهِ فيها بشكل لم يكن ممكنًا له تصوّره من قبل. 

مع ذلك، ها أنا أشجّع ليفربول، وها أنا أتابع مباريات الفريق أسبوعيًا ولا استطيع كبح جماس هذا الهوس الذي يتملّكني كأيّ مشجع رياضي "عريق"، وأتذكّر مقالة "درويش" في مديح مارادونا: "ماذا نفعل بعدما عاد مارادونا إلى أهله في الأرجنتين؟ مع منْ سنسهر، بعدما اعتدنا أن نعلّق طمأنينة القلب، وخوفه، على قدميه المعجزتين؟ وإلى منْ نأنس ونتحمّس بعدما أدمناه شهرًا تحوّلنا خلاله من مشاهدين إلى عشّاق؟".

    كلّ هذا بسبب الفراغ ربّما، أو الهرب من الواقع الفوضوي المُحاصر بسؤال:"وبعدين؟"   

يُشبهُ مديح درويش في مارادونا ما يمكن كيله من مديح لـ"صلاح"، فمع انتهاء كلّ مباراة يظهر فراغ من العدم يُحيطُ بالذي كان متفرّجًا وقد تعلّقت آماله كلّها على قدميّ صلاح وأنفاسه المتسارعة، مع كلّ دقيقة تمرّ يزيدُ الحماس حتّى يبدو كأنّه أدرينالين يجري في العروق لا يُشبَعُ منهُ ويغلي الدم في العروق. 

كلّ هذا بسبب الفراغ ربّما، أو الهرب من الواقع الفوضوي المُحاصر بسؤال:"وبعدين؟"، ولأنّ أحدًا لا يستطيع الإجابة على سؤال كهذا في الحياة، ولأنّ سؤالًا كهذا يمكن الإجابة عليه بسهولة ببضع أرقام في كرة القدم، وربّما أيضًا بسبب تلك الصلة المتخيّلة الوهميّة المُسمّاة بالـعروبة؛ يصلُحُ صلاح بديلًا للقضايا الكُبرى إلى حين، عبر الهوس اللامنطقيّ وتعلّم اللامبالاة والإيمان غير المنطقيّ أنّ هدفًا قد يأتي في الدقيقة التالية رغم أنّه بعيد جدًا عن المرمى. 


اقرأ/ي أيضًا: 

فيديو: رسائل انتحار المشاهير

تألّق صلاح وعودة توتنهام الأسطورية.. الإنجليز يطيحون بفرَق إيطاليا

كأس الرابطة.. توتنهام يزيح آرسنال عن سيادة شمال لندن