16-أبريل-2017

حين صرخ البطل "محظوظ": "إنتو ليش ساكتين؟ أنا بدّي أتزوج.. وهذا بدو يشتغل.. وإنتي بدك تعبري عن رأيك.. وهدول بدهم حرية"، انتهت مسرحية "محظوظ السابع عشر"، التي تناولت جانبًا من حياة الفلسطيني البسيط الذي عاصر تشكيل 17 حكومة في بلاده منذ توقيع اتفاقية أوسلو قبل 24 سنة.

المسرحية التي عُرضت مطلع نيسان/إبريل الجاري، تناولت الكثير من المشاهد الرمزية لشبّانٍ صرخوا في وجه الحصار والخوف والجوع والحرب، لكنهم فشلوا في صنع آمالهم وحرياتهم بما رسمته مشاهد المسرحية من قمع حكومةٍ غارقةٍ في الفساد، وظروف حربٍ قضت على أحلامهم.

"محظوظ السابع عشر" تناولت غرق الحكومات الفلسطينية في الفساد، وفشل الشباب في صناعة آمالهم وتحقيق التغيير

فمحظوظ الذي بدأ حياته بالعمل كبقَال لدى صديقه، هام في حبِ "ليلى" ابنة الجيران وطالبة المرحلة الإعدادية، في حين كانت هي الأخرى تبادله ذات المشاعر بعباراتٍ رمزيةٍ، ومنعها سنُها الصغير والعرف الاجتماعي من التصريح بمشاعرها، إضافةً لحلمها بأن يترك حبيبها هذه البقالة ليجد عملاً أفضل يُحقق أحلامها الصغيرة.

اقرأ/ي أيضًا: "خارج الإطار".. حكاية شعب في بحثه عن صورته

مشاهد المسرحية التي استغرقت 30 ساعةً من التدريب، لم تخلُ من مواعيد غراميةٍ خجولةٍ بين العاشقيْن، لكن خُلوتهما كانت دائمًا تُكسر بتسديد لكماتٍ لمحظوظ البائس من ذوي ليلى والجيران الذين كانوا يُوسعونه ضربًا، ففقره وسذاجته لن يُمكناه من الفوز بليلى؛ إلا إذا انقلب حاله وصار "ابن أوادم".

مصطلحات وسائل التواصل الاجتماعي لم تكن غائبةً عن بدايات مشاهد المسرحية الدراماتيكية، وضرورة استخدامها لمواجهة "القمع الرسمي". فالممثلون من عناصر الدولة دائمًا يوجهون "نكزًا" للعامة بأنهم مراقبون، والأخيرين يهمسون لبعضهم أن الدولة بحاجةٍ إلى "نكز" من نوعٍ آخر للالتفات إلى حالهم، لكنهم يخافون من الكلام.

اتخذت المسرحية من رغبة "محظوظ" بالزواج من ليلى حالةً رمزية لمطالب الشعب من الحكومة بإجراء التغيير، وإحداث "زواجٍ مجازيٍ" بين الشعب والحكومة؛ فاستمرار رفض عائلتي الحبيبين تزويجهما، دفع محظوظ لافتعال "ثورة" ضد "تابوهات" الحكومة.

محظوظ اضطر لإشعال "ثورة" نتيجةً لسأمِه من حالة قريته المغمسة بالفقر والمشاكل الاجتماعية، لكن ثورته لم يُكتب لها النجاح؛ فجيرانه وأهل قريته الذين أطلقوا صرخات عبّرت عن واقعهم: "بدنا كهرباء.. افتحوا المعبر.. بدنا علاج"، سرعان ما تنصلوا من دعوة ابن القرية للتغيير فور وصول عناصر الأمن لميدان الثورة خشية القمع والسجن. وهكذا وُجهت لمحظوظ تُهمٌ عديدةٌ كتنفيذ أجنداتٍ خارجيّة، وانضمامه لتنظيم "داعش"، والإتجار بالمخدرات، والاغتصاب.

وكانت لـ"الدولة المستبدة" كلمتها أيضًا؛ حين أجرت "استفتاءً ديمقراطيًا" تلبيةً لرغبة الشعب، مضمونه: "من يعترض على إعدام محظوظ"؟ إلا أن السكوت خيَم على المسرحية. حينها اعتبر رجل الدولة أن الصمت "الجبان" يعني الموافقة، وبذلك حقق ديمقراطيّته المزعومة، وهمس خفيةً: "لازم نسكّت الناس بأي طريقة".

وفي مشهدٍ تعبيريٍ راقصٍ ممزوجٍ بوميضٍ ضوئيٍ متسارعٍ من سقف خشبة المسرح، يجد محظوظ الذي طالما كان ينشد التغيير، نفسه وحيدًا، فيما يُشير أهل قريته أمام عناصر الدولة بأصابعهم نحوه أنه "مُفجر الثورة"، لأنه رفع صوته عاليًا مطالبًا بالحرية؛ ليجد الزنازين الخفيّة بانتظاره.

لم تشفع لمحظوظ بيانات إدانة إعدامه محظوظ الصادرة من الرئيس الأمريكي والجامعة العربية ومنظمات حقوق الإنسان، حين قال رجال الدولة في الخفاء: "لا يهم الحقيقة، فنحن من نصنع من التلفيق والكذب حقيقة".

وفي مشهد خُلوة بطل المسرحية داخل زنزانته، كان رجل الدولة دائمًا يُغريه بـ"الصمت السياسي"، وأن يكون "عيْنًا مفتوحة" على قريته، مقابل تحقيق حلمه بالزواج والإنجاب من ليلى، لكن محظوظ قال: "سيدي.. يمكن أنا حامل من اللّي شفته عندكم.. لكن نعم سأسكت". وفورًا أقيمت مراسم زواجه على نفقة الدولة.

في "محظوظ السابع عشر" اشترت الدولة صمت المعارض بعد أن أرهقته تعذيبًا وظلمًا

وهكذا، فإن نفاق محظوظ طغى على غالبية مشاهد الثُلث الأخير من المسرحيّة، وبدا هذا النفاق واضحًا حين ربّتّ رجل الدولة على كتفه أمام أهل القرية قائلاً: "الكلب الصالح يُطيع الأوامر.. آه.. أقصد الرجل الصالح يُطيع الأوامر"، وفورًا أطلق محظوظ نُباح كلب، إيذانًا بالطاعة.

وحين علم أهل القرية أن محظوظ صار "عينًا للدولة"، تحولوا إلى "آلاتٍ مُبرمجةٍ" خاليةٍ من الأحاسيس، ولا تجيد سوى هز الرؤوس بالموافقة. ففي مشهدٍ جماعيٍ اصطف الممثلون وقالوا كآلات الروبوت: "نحن لا نُعاني من آلام، وإن وُجدت الآلام فهي لا تؤلمنا".

صاحب البقالة قال إنه في غنى ولا يرغب بتوسيع دكّانه، أما نساء القرية دائمات الشكوى فأخبرن محظوظ أنهن لا يُعانين من أي شيء، وكذلك الرجال الذين كانوا يستمتعون بمشاهدة مباراة كرة قدم للدوري الأوروبي.

وهكذا، فإن ثورة محظوظ جوبهت بأخرى مُضادةٍ من شعبه أسكتته إلى الأبد، إلا أن صمتهم أيضًا لم يُغير شيئًا من حياتهم، سوى مزيدٍ من القبضة الأمنيّة والديمقراطية الزائفة التي استفتتهم على قضايا تمس رقابهم.

لكن ما يُؤخذ على المسرحية التي استمرت لـ90 دقيقة تقريبًا، تجاهُلها تورط الاحتلال في خلق تلك الأزمات، بخلاف الثورات التي حدثت في دول الربيع العربي، حيث كان الظلم والفساد الرسمي شرارةً الاندلاع.

يقول عبد الفتاح شحادة (35 عامًا) مخرج مسرحية "محظوظ السابع عشر"، إن معاناة المواطن البسيط منذ نحو ربع قرن من 17 حكومة، وفشلها جميعًا بجلب أدنى متطلبات الحياة الكريمة، دفعه لإنتاج هذا العمل الفني وأن "الصمت سيغوص بنا إلى مزيدٍ من الوحل".

اقرأ/ي أيضًا: 

"عيني".. عن الأطفال الحالمين بالحياة

"خمسة أولاد وعجل"..اختبار القناعات في لحظات حاسمة

بربارة.. أسطورة القداسة