أسعار العملات
الدولار الأمريكي
سعر الشراء 3.57
سعر الصرف 3.60
الدينار الأردني
سعر الشراء 5.03
سعر الصرف 5.08
اليـــــــــــــــــورو
سعر الشراء 4.17
سعر الصرف 4.20
التطبيع العربي.. وقائع فشل فلسطيني

التطبيع العربي.. وقائع فشل فلسطيني

(AP)

"السلام مع الفلسطينيين هو بوابة التطبيع العرب معكم"، ظلت هذه المعادلة أساسية في مفاوضات ما قبل المفاوضات بين السلطة/منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل. المعادلة واضحة حسب السلطة الفلسطينية، دعونا نصل لاتفاق سلام ودولة فلسطينية، وبعدها ستنفتح عليكم المنطقة بدولها عربية وإسلامية.

  إن كانت مبادرة السلام العربية في عهدة دولة يعبث بها مجرم برداءة محمد بن سلمان، فإن تفلت النظم العربية من الالتزام بالموقف الموحد أكيد، فكلهم قلق من أن يطبّع قبله الآخرون  

حين قبلت السلطة بـ"المفاوضات قبل المفاوضات" المفروضة إسرائيليًا، انقلب منطق التفاوض البسيط، وصار المغلوب مطالبًا دومًا بتقديم تنازلات، حتى لو لم تكن تحت سيطرته وليس قادرًا عليها. كان التذاكي يسم طرح المفاوض الفلسطيني لهذه المعادلة، بل والثقة المفرطة بإمساكه بزمام القرار العربي والإسلامي في هذا الجانب. بل ومضيًا في "الإغراء والإغواء" كان يفتح بابًا تطبيعيًا بين إسرائيل ودول في المنطقة، ويلعب دور وسيط، ضمن تكتيك البائع الذي يقدّم للزبون المحتمل شيئًا ليتذوّقه ويعرف ما ينتظره إن هو قبل الصفقة واشترى. ولا شك أن إسرائيل ذاقت، تحديدًا في دول إسلامية آسيوية فاكهة التطبيع المقدمة بأياد رسمية فلسطينية، ولكن عملية التذوّق تلك طالت واستطالت، وكان حريًا بالسلطة أن تدرك فشل منطق المعادلة التي تطرحها. فما تقدّمه ليس مما تسيطر عليه وتملك قراره، وبمجرد التلويح به هو إزالة لأهم أسباب الارتداع عن إتيانه.

اقرأ/ي أيضًا: كيف يساهم "مناهضو التطبيع" في تفتيت الإجماع ضده؟

ليس هنا محل نقاش "وطنية" هذه المعادلة، ولا موقف الفصائل الفلسطينية منها، التي التزمت سقوف مبادرات عربية تقول بدولة فلسطينية في الضفة وغزة، وتفيد تصريحًا وتلميحًا بأن ما بعد الدولة سلام عربي تام. ولا محل النقاش حكمًا وطنيًا على السلطة وتحركاتها، بل هو طرح واضح للفشل السياسي. فنحن في مرحلة بات فيها "الوطني" نسبيًا، ويمكن لآلات التسكيت والتضليل أن تدخل أجلى حقيقة وطنية في نفق نسبية هائلة. المهم هو ما لا يخطئه أي تفكير منطقي في طرح هذه المعادلة على إسرائيل، وما آل إليه الحال من تطبيع عربي غير مسبوق، في الرمزيات والوقائع.

أولًا، عدم السيطرة على طرف المعادلة الأهم، أن تقايض على موقف ليس لديك ضمانته. أن تقايض إسرائيل على اتفاق سلام سينتهي بالعرب يطبعون معها، دون وجود أدوات حقيقية تمنع التطبيع العربي المجاني مع إسرائيل. لا ثقة ولا توازنات سياسية ولا أدوات ضغط ولا متابعة دبلوماسية حثيثة تنبّه من إمكانية المضي إلى تطبيع عربي مباشر وتجاوز للفلسطينيين، لا شيء إلا ضمانات دول عربية مركزية تلعب بالقضية الفلسطينية وتحاصرها، أو تسقطها كورقة تفاوض مع أميركا لدعم استبدادها في لحظات الضعف.

وتزامن موجة التطبيع غير المسبوقة مع مقايضة ابن سلمان على كل شيء في سبيل بقائه بعد جريمة النشر والتذويب، حمالة دلالات ولو رمزية. فإن كانت مبادرة السلام العربية في عهدة دولة يعبث بها مجرم بهذه الرداءة، فإن تفلت النظم العربية من الالتزام بالموقف الموحد أكيد، فالكل قلق من أن يطبّع قبله الآخرون، أن يسبقوه إلى نعيم أميركي وإسرائيلي. وبكل سهولة يمكن تخيّل نوع الثقة المتبادلة بين النظم العربية.

ثانيًا، إغفال متعمّد لأهم محدد في الموقف من التطبيع، وهو الموقف الشعبي. السلطة الفلسطينية تميل كما النظم العربية لاعتبار الدول العربية مجرد نظم، لا شعوب يهتز وجدانها ويُعبث بمواقفها المجمع عليها. بل وإسقاط الموقف الشعبي الفلسطيني حين تطرح معادلة السلام مع الفلسطينيين مقابل التطبيع مع العرب، علنًا وبكل سفور، ضمن طبع سائد من تحويل مفاوضات ما قبل المفاوضات إلى إطلالات إعلامية وصحفية على المشاهد الإسرائيلي، دون قلق بالمشاهد الأهم، الفلسطيني، الذي أثبتت التجربة أنه وحده من يسمع خطاب قياداته الموجه لـ "المجتمع الإسرائيلي"، فالإسرائيلي لا يبدو معنيًا ولا يسمع.

إن إغفال العامل النفسي في مسألة التطبيع يشير إلى الكثير مما استقر في ذهنية المفاوض الفلسطيني، فإمّا أن المفاوض الفلسطيني يعيش في عزلة تامة أو إنكار تام لحقيقة الرفض العربي الشعبي للتطبيع والموقف الطويل منه، أو أنه يدرك هذا الرفض ووجوده ولكنّه لا يجد فيه عامل ضغط أو ورقة سياسية لطرحها على النظم العربية أو إسرائيل، وهذا فشل سياسي تام، أو أن جولات مفاوضات ما قبل المفاوضات الممتدة لسنوات طوال هشّمت بلا شك حاجزه النفسي إزاء التطبيع مع الإسرائيلي، وما عاد في مكنته تخيّل وجود هذا الحاجز عند العرب أو فهمه.

اقرأ/ي أيضًا: لقاء رئيسي أركان الرياض وتل أبيب.. تطبيع عسكري معلن

لافت التفكير في غياب مخاطبة القيادة الفلسطينية للشعوب العربية، توجهها نحوهم ولو في إطلالة إعلامية أو بيان كل حين، موجه للشعوب لا للنظم. يمكن تجربة الأمر ولو بربع اليقين الذي يقبل فيه المسؤولون في السلطة على مخاطبة "الشعب الإسرائيلي".

ثالثًا، التحوّل من طارح المعادلة والمستفيد منها والمسيطر عليها، إلى من يمنح الانقلاب عليه شرعية، ويفضي إلى مزيد من الخسارة السياسية والفعلية. يتجلى ذلك بالوقائع اللاحقة لأي تطبيع سياسي عالي المستوى عربيًا. حين تخرج التصريحات والبيانات من الدولة المطبّعة وإعلامها لتتحدث عن وساطة أو مبادرة للسلام ترعاها تلك الدولة. تنقلب المعادلة تمامًا ويأخذ العرب دور السلطة الفلسطينية بمنطق إسرائيلي تام، التطبيع أولًا ولبحث إمكانيات السلام، أو بشكل أدق، التطبيع مقابل بدء مفاوضات ما قبل المفاوضات.

تخرج السلطة حينها للملمة ما ضاع، لملمة تكشف حجم ما ضاع. تستقبل مبعوثًا من الدولة المطبعة ليطلع السلطة على مبادرة دولته ووساطته مع إسرائيل. ثمّة من يريد إقناعنا أن سلطنة عمان استيقظت لتقود مبادرة سلام نوعية صاخبة، ومنذ سنوات لا نسمع شيئا عن فلسطين إلا كبند في صفقة قرن أمريكية سعودية إسرائيلية. وتنخرط السلطة في الدور.

قد لا يريد أحد أن تعود أيام كان فلسطينيون يقايضون نظمًا عربية المواقف بأساليب شتى من الضغط، وصل حد الصراعات المحتدمة، أيام الثقة المطلقة عند فصائل فلسطينية جعلتها تحترف مخاطبة نظام عربي باسم شعبه والعنوان فلسطين، إلا أن ما يحدث من فشل دبلوماسي فلسطيني على المستوى العربي، يجعل الأيام تلك تطرق الخاطر. يمكن رؤية هذا المسار الطويل كهزيمة بمراحل متدحرجة، قدرًا أو حقائق موضوعية، تسبب بها أصدقاء وأعداء، ولعبت فيها محاور وإرادات دول عظمى، ولكن الفشل السياسي سيظل مدخلًا أساسيًا لفهمها.


اقرأ/ي أيضًا: 

في حاجة الاستبداد إلى مؤامرة
المقاطعة كخيار أخير مع مناصري القتلة