20-مايو-2020

أثناء اجتماع لقيادات فلسطينية برام الله الثلاثاء/ عصام الريماوي

شهد الواقع الفلسطيني، حالة متنامية من الجدل في الأعوام الأخيرة، بعد جملة الإجراءات الصهيونية المستهدفة الحقوق الفلسطينية في الجغرافيا والتاريخ والإنسان، وبعدما أظهرت حكومة بنيامين نتنياهو ميلًا واضحًا نحو تصعيد العدوان، وخطوات ضم ما تبقى من الأراضي الفلسطينية بما ينسجم مع السياسة العدوانية للحكومات الصهيونية المتعاقبة، والقاضية بنسف ما تبقى من أوهام عملية السلام. 

    يقرأ الشارع موقف السلطة دومًا وفق خبرة طويلة من عدم الإفراط بتصديق ما يقال على الملأ من مواقف تعارضها قنوات العمل السري    

وفي ظل دعم أمريكي وتراجع الموقف العربي الرسمي في مواجهة التحديات المصيرية أمام الشعب الفلسطيني و"صفقة القرن"، وهرولة للتطبيع مع "إسرائيل"، فحالة الركود والتشظي والانقسام بحاجة لما هو أكثر من خطوة الرئيس أبو مازن وقف التعاون مع الجانبين الإسرائيلي والأمريكي مع إبقاء تعهده "مكافحة الإرهاب"، ودون التقليل من أهمية الموقف الفلسطيني المستجد أمام هذا المنعطف الخطير، هناك سلسلة من الإشكاليات تبقى تشكك بمصداقية السلطة الفلسطينية حيال العلاقة أو الوظيفة المناط بها العمل في الأراضي المحتلة. 

الانهيار المريع للنظام الرسمي العربي أمام الاعتراف الأمريكي بالقدس "عاصمة أبدية لإسرائيل" ونقل السفارة الأمريكية، ووقف تمويل وكالة "أونروا"، وشن حرب على منظمات الأمم المتحدة وقراراتها المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي، وصولًا لانتظار عزم الحكومة الصهيونية ضمّ منطقة الأغوار وشمال البحر الميت والمستوطنات في أراضي الضفة الغربية، كلها إجراءات جاءت نتيجة للرهان على ربع قرن من الأوهام الفلسطينية والعربية على نيّة المؤسسة الصهيونية الصريحة التعبير والسلوك منذ اليوم التالي لتوقيع اتفاق اوسلو، وما أفرزه الواقع الجديد على الساحة الفلسطينية، ووضع النضال الفلسطيني والفصائل الفلسطينية في موقف صعب وخطير عمّق الأزمة التي تعيشها الحالة الفلسطينية منظمةً وفصائل. 

ففي ظل النية الصهيونية الواضحة للمضي بخطوات العدوان على الأرض والمقدسات والتاريخ والإنسان، يلتفت الشارع الفلسطيني لموقف السلطة الفلسطينية دومًا، ويقرأ تحرّكه وفق خبرة طويلة من عدم الإفراط بتصديق ما يقال على الملأ من مواقف تعارضها قنوات العمل السري التي أنتجت أوسلو وما زالت ترى مصلحتها في الوظيفة الدائمة لهذه المهمّة وتخشى أي ثمن يغيّر من هذه المعادلة.

      قوى المعارضة الفلسطينية من فصائل وأحزاب كغيرها تشهد حالة من الإرباك والتأزم      

لا شك أن قوى المعارضة الفلسطينية من فصائل وأحزاب كغيرها تشهد حالة من الإرباك والتأزم ما يفرض جملة من الأسئلة المطروحة على الساحة الفلسطينية؛ هل إقرار الرئيس عباس أن السلطة هي في حل من جميع الاتفاقات والتفاهمات مع الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية، ومن جميع الالتزامات المترتبة عليهما، بما فيها الأمنية؟ كافيًا للرد على السياسة العدوانية وباستطاعة الموقف لجم هذه الممارسات؟

وهل نحن أمام استحقاقات تقضي بتغيير في البرامج والشعارات التي كانت هدفا مشتركًا للتحالف المنقوض بين السلطة و"إسرائيل" والولايات المتحدة؟ أم أن ما حصل وسيحصل يتطلب ما هو أبعد من المعلن؟ وقبل الإجابة عن هذه الأسئلة والخروج من الإشكاليات التي تعيشها السلطة الفلسطينية وفصائلها والمنظمة، لا بد من تثبيت جملة من الحقائق والظواهر والمسلمات التي كانت دومًا عوامل قوة الموقف الفلسطيني وعوامل انهيار أيضًا:

- تراجع الموقف الفلسطيني والعربي والاهتمام الدولي بالصراع العربي الإسرائيلي، هو نتيجة حتمية لتهميش مكانة منظمة التحرير ومؤسساتها بوصفها مرجعية سياسية وتمثيلية للشعب الفلسطيني لا استعمالية في شعارات البيانات طيلة ربع قرن، وفشل السلطة والفصائل في تحقيق برامجها وشعاراتها بين أبناء شعبها داخل الأراضي المحتلة مع تهميش قضية الـ48 سكان وأراضٍ ولاجئين، بمعنى التخلي عن معظم أوراق القوة المفترض استخدامها لمواجهة التحديات وعلى رأسها الشارع الفلسطيني الذي نال نصيبًا وافرًا من الاستهداف المبرمج لتغيير مزاجه وسلوكه نحو الاحتلال، ولتكريس وتقديس وظيفة السلطة لا المنظمة ومؤسساتها. 

     هل نحن أمام استحقاقات تقضي بتغيير في البرامج والشعارات التي كانت هدفا مشتركًا للتحالف المنقوض بين السلطة و"إسرائيل" والولايات المتحدة؟     

- أن تصل السلطة لقناعة مفادها: التحلل من الاتفاقات والوظائف الأمنية مع الاحتلال فهذا جيّد، ولكنّه غير كافٍ لدرء المخاطر ما لم يتبعه ما يعزز هذا التحلل ويصقل هذه القناعة، في الجعبة الفلسطينية كثير من هذا التعزيز إذا ما استرد الفلسطينيون بعضًا من الإرادة المسلوبة والمستلبة في عقلية الأنا المتمرّسة خلف سلطة وفصائل ابتعدت كثيرًا عن واقع شعبها، وأهملت مكامن قوته، والعودة للشارع والتواجد الفعلي والميداني في المؤسسات الوطنية لمنظمة التحرير السياسية والاجتماعية وفي منظمات العمل الديمقراطي مع الإقرار العلني بأن اتفاق اوسلو وطريقة المفاوضات كان لهما الأثر الكارثي على القضية والشعب. 

   أن تصل السلطة للتحلل من الاتفاقات والوظائف الأمنية مع الاحتلال فهذا جيّد، ولكنّه غير كافٍ لدرء المخاطر ما لم يتبعه ما يعزز هذا التحلل ويصقل هذه القناعة     

- الخروج من حالة الإعلان اللفظي بالتحلل من الاتفاقات، إلى العمل والتأثير وتخطي دائرة انغلاق الفكر السياسي لمختلف الحالة الفلسطينية الراهنة باتت بحاجة لتجديد مختلف عن متطلبات المرحلة السابقة، والدعوة لتشكيل قطب ثالث في الساحة الفلسطينية وفق أسس استعادة تمثيل الشارع الفلسطيني ومؤسسات المنظمة ووضع خطط ومستلزمات الصمود، وإن كان لجدية في الموقف الفلسطيني المعلن فيجب أن يرفد بخطوات أكثر جدية وفاعلية ويقظة لتجاوز واقع الهجمة الإسرائيلية، وحجم الضغوط الكبير الذي يفكّه ويتجاوزه أبناء الشعب الفلسطيني يقتضي الإسراع بمدّ جسور التعاون والتشاور مع كافة القوى الوطنية على الساحة الفلسطينية، والأمر منسحب على بقية القوى للتفكير بخطوات أبعد من القرار وتحمل أكثر من إشكالية، الشعب بحاجة لتفكيكها لا الغرق بها مجددًا. 


اقرأ/ي أيضًا:

ملاحظات سريعة على "صفقة" ترامب

صفقة القرن.. ضجة الشعار وخِفّة السخرية

عزمي بشارة في الإجابة على سؤال "ما العمل؟" إزاء صفقة ترامب-نتنياهو