08-مارس-2024
نساء غزة

في اليوم العالمي للمرأة، يستمر الاحتلال الإسرائيلي بانتهاك حقوق المرأة الفلسطينية

"ونسيت أنّي امرأة!"، بهذه الجملة المختصرة تصف وداد (24 عامًا) الظروف القاسية وغير الإنسانية داخل خيام ومراكز الإيواء في رفح جنوبي قطاع غزة، بعد أشهر من تناولها حبوب منع الحمل لوقف دورتها الشهرية، إثر الظروف التي خلّفتها حرب الإبادة الإسرائيلية. 

تتناول آلاف الفتيات والنساء في قطاع غزة، حبوب منع الحمل لوقف الحيض وتجنّب آثاره التي لا تتوفّر احتياجاتها مع دخول الحرب شهرها السادس. مصادر طبيّة قالت إنّه حتى هذه الأقراص بدأت بالنفاد

ومنذ بداية الحرب التي دخلت الشّهر السادس، لجأت آلاف النساء المتزوجات وغير المتزوجات ومن مختلف الأعمار إلى تجنب الطمث، عبر تناول حبوب منع الحمل دون وصفة طبية، وذلك لتفادي تعب الحيض واحتياجاته من مياه نظيفة وفوط صحية أصبحت نادرة، وغالية الثمن إن توفّرت.

وبحسب نساء قابلهنّ "الترا فلسطين" فإن مئات النساء نقلنّ تجاربهنّ حول استخدام أقراص منع الحمل لبعضهن البعض أثناء تواجدهن في الخيم ومدارس "الأونروا" التي باتت مراكز إيواء للنازحين، وسرعان ما انتشرت هذه الفكرة بينهنّ بسرعة كبيرة.

ولا يتعلق الأمر بالفوط الصحية فقط، بل أيضًا للحيلولة دون استخدام الحمّامات المشتركة في مراكز اللجوء من مدارس وخيم، بشكل يُفقد المرأة خصوصيتها في أكثر أيامها ألمًا وهشاشة؛ الدورة الشهرية وفترة "النفاس" بعد الولادة.

وتتناول آلاف الفتيات والنساء حبوب منع الحمل لوقف الحيض. ووفق مصادر طبيّة فإنّ هذه الحبوب بدأت تنفد من عيادات وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) للمرة الأولى منذ بدء عملها في القطاع منذ عقود.

نساء غزة
انتقلت ممارسة تناول أقراص منع الحمل بين النازحات جنوب قطاع غزة، بسرعة

ولم تعد هذه الخدمة حكرًا فقط على اللاجئات المسجّلات لدى الأونروا، بل امتدت أيضًا للنازحات في جنوب القطاع.

وتقول إحدى الممرضات لـ"الترا فلسطين" إن ملف تنظيم الأسرة عبر توزيع حبوب"منع الحمل" من أهم الملفات في "الأونروا"، لكن ما يحدث اليوم يفوق الوصف، "حيث نفدت هذه الحبوب بسبب كثرة إقبال الفتيات والنساء عليها. وبدأت الفتيات شراءها من الصيدليات رغم ثمنها الذي ارتفع أيضًا كما كل شيء في قطاع غزة".

تعاني الفتيات غير المتزوجات تحديدًا من أعراض جسيمة لتناول "حبوب الحمل" 

وتعاني الفتيات غير المتزوجات تحديدًا من أعراض جسيمة لتناول "حبوب الحمل" ، وما يترتب عليها من آلام مبرّحة في الصدر والحوض والأعضاء التناسلية، فضلًا عن مرض القلاع المهبلي، إضافة لمعاناة الأمهات حديثات الولادة من أمراض مختلفة بسبب نقص الفوط الصحية منها؛ متلازمة الصدمة التسممية، والعدوى الفطرية (المهبلية) بسبب استخدام الحمامات المشتركة، وانتشار الأوبئة، وانعدام فرص النظافة الشخصية باستخدام المياه النظيفة والفوط الصحية.

النساء يفضلنّ حبوب منع الحمل رغم أعراضها الجانبية

تروي وداد (24 عامًا) وهي فتاة عزباء، رحلتها مع تناول حبوب منع الحمل منذ نزوحها من منزلها شمال غزة إلى مخيم دير البلح في شهر تشرين ثاني/ نوفمبر الماضي. وتقول لـ الترا فلسطين إنها ستواصل تناولها رغم أوجاعها الجسدية المبرحة، "لا أستطيع أن أتخيّل كيف يمكن أن أتعامل مع الدورة الشهرية في هذه المدرسة، كيف سأغادر غرفة الصف مرّات ومرّات يوميًا لأغيّر فوطة لا أستطيع الحصول عليها؟! وإن حصلت عليها فإن الوصول للحمّام دون خصوصية، أمام أعين الرجال والنساء يشعرني أني مكشوفة أمامهم". 

خيمة وداد
خيمة وداد (صورة الترا فلسطين)

وتابعت: "فترة الدورة الشهرية بالنسبة لي كانت فترة راحة وتناول مشروبات ساخنة، ووضع قربة من الماء الساخن على بطني، والكثير من الشامبوهات والعطور في حمّامي، أمّا اليوم فأنا شخص آخر، لقد انتظرت طويلًا حتى حصلت على "شبشب" ضمن كوبونة مساعدات، لقد نسيت أنني امرأة، وبت أعيش يومًا بيوم، أحمل ملابسي وملابس أهلي القليلة جدًا لأغسلها في ماء البحر المالح، ومثل الجميع هُنا، أنتظر المجهول".

أمّا ع، م (33 عامًا) فهي أمّ لطفلة، وقد لجأت لحبوب منع الحمل منذ الشهر الأول للحرب ولمدة 4 أشهر، كون فترة الحيض تحتاج مياهًا نظيفة، وألبسة داخلية نظيفة، وفوط صحية وحمّام خاص وآمن، إضافة إلى الراحة والمسكنات والدفء، وكل تلك الأمور غير متوفرة في خيمتها الصغيرة داخل ساحة مدرسة تابعة للأونروا. 

هل سأقطع ساحة مدرسة النزوح أمام الجميع لأذهب إلى الحمام كل عدة ساعات؟! لذلك واظبت على حبوب منع الحمل أنا وشقيقاتي منذ اليوم الأول للحرب، وأغلب النساء هُنا يفعلن ذلك 

أصرت (ع، م) على إجراء المقابلة مع "الترا فلسطين" داخل خيمتها الصغيرة المزدحمة، خجلًا من الحديث عن موضوع حساس كالطمث واحتياجاته خارج الخيمة، وقالت بصوت هامس وحزين: "عندما نزحنا إلى المدرسة في بداية الحرب، كانت الحمّامات مشتركة وغير نظيفة، والفوط الصحية غير متوفرة في الأسواق، وإن وجدت فأسعارها مرتفعة". وأضافت: "نحن نسكن هنا في الخيمة مع 25 شخصًا من الأقارب، والطقس بارد والمياه غير متوفّرة، وإن وجدت فهي باردة وغير نظيفة، هل سأقطع ساحة المدرسة أمام جميع الرجال لأذهب إلى الحمام كل عدة ساعات؟! لذلك واظبت على حبوب منع الحمل أنا وشقيقاتي الستة منذ اليوم الأول للحرب، وأغلب النساء هنا يفعلن ذلك". 

اقرأ/ي أيضًا: 

أين النسوية الغربية من فتيات غزة ونسائها؟

الفلسطينيات والعنف الجنسي الإسرائيلي

وكشفت أن استخدامها حبوب منع الحمل أثّر على وضعها النفسي والجسدي، فقد شعرت بحالة من العصبية وتعكُّر المزاج أغلب الوقت، إضافة للشعور بألم في منطقة الصدر والحوض، وهو الأمر الذي دفعها للتوقّف عن استخدام تلك الحبوب، وبهذا عاد الحيض على شكل نزيف.

وتشير الشابّة (ع. م) إلى أنّهم قرروا اقتطاع جزء من الخيمة لتكون حمامًا لنساء العائلة، فأصبح لدينا حمام بدائي مصنوع من النايلون والقماش، ووضعت دلوًا بدلًا من كرسي المرحاض، علّنا نحصل على بعض الخصوصية".

حمام
"حمّام" نساء عائلة  (ع، م) في خيمة النزوح برفح جنوب قطاع غزة (صورة الترا فلسطين)

أما بالنسبة للفوط، التي أصبح سعرها 25 شيقلًا بدلًا من 5، وباتت نادرة، فقد استبدلتها النساء بقطع القماش المهترئة، مضيفة أنّه يتم غسلها بعد كل استعمال لتجف، ومن ثم يقمن باستخدامها مرة أخرى.

وطالبت (ع.م) وكالة الأونروا، كونها نازحة داخل مرافقها، بتوفير كل الاحتياجات النسائية الخاصة للنساء بشكل مستمر، من أدوات نظافة وتعقيم وفوط صحية ومناشف نظيفة. 

وتواصل "الترا فلسطين" مع الأونروا للحصول على معلومات حول الإقبال الكبير للفتيات والنساء على أقراص منع الحمل وعدم توفّر احتياجات النساء من مياه نظيفة وفوط صحية، ولكن دون ردٍّ حتى لحظة كتابة هذا التقرير. 

وتتابع (ع.م): "شقيقاتي الستّ غير متزوجات، ويتناولنّ حبوب منع الحمل، وكذلك جميع النساء في خيم النزوح فضّلن هذا الحل رغم تأثيراته السلبية على صحتهنّ".

تؤثّر حبوب منع الحمل على الفتيات الصغيرات بشكل سلبي، وقد تؤدي إلى العقم إذا كانت الفتاة تعاني من مشاكل في المبايض والرحم

ويمثّل الاستخدام المستمرّ لأقراص منع الحمل سببًا لارتفاع المشاكل الصحية لدى النساء، إذ أن استخدامها بشكل مستمر، ودون إعطاء الجسد راحة لمدة أسبوع شهريًا والسماح بنزول الدورة الشهرية، يؤدي إلى مشاكل صحية وأعراض جانبية غير مرغوب فيها، مثل الصداع وآلام الشقيقة، واحتباس المياه في الجسم، وتورم في الثدي، وتساقط الشعر، وآلام في الحوض، وبشكل أقل، عدم انتظام ضغط الدم وتصلب الشرايين والتجلطات، كما تؤكد مريم إبراهيم، مديرة إحدى المراكز الصحية في قطاع غزة، لـ"الترا فلسطين". 

ولا تنصح الطبيبة منال كحيل من قطاع غزة المختصة بطب العائلة، في حديثها مع "الترا فلسطين"، باستخدام الفتيات الصغيرات حبوب منع الحمل، لما له من أثر سلبي على صحتهنّ، وقد يؤدي إلى العقم إذا كانت الفتاة تعاني من مشاكل في المبايض والرحم وهي لا تعلم ذلك بسبب صغر سنها، وعدم زيارتها طبيبة نسائية طيلة عمرها. 

وأكدت أن بعض النساء يأخذنّ الحبوب منذ ثلاثة أشهر وأكثر دون نصيحة طبية، ودون أخذ سجل العائلات المرضي بعين الاعتبار، من حيث أمراض القلب أو سرطان الثدي وغيرها، حيث لا يُنصح في هذه الحالة بتناول هذه الأقراص. 

وشددت الطبيبة منال كحيل على أنّه ورغم كل الظروف الصعبة التي تمرُّ بها النساء في قطاع غزة منذ بداية الحرب في السابع من أكتوبر الماضي، إلّا أن استخدام حبوب منع الحمل لأشهر طويلة سيكون له آثار نفسية سلبية وجسدية مثل انتفاخ الثدي وآلام الحوض، وهذه أعراض تستدعي وقف الحبوب مباشرة".

٦٠ ألف حامل
يثير انعدام توفّر المياه والفوط الصحية خلال فترة "النفاس" الخوف لدى النساء الحوامل

ولادة قيصرية دون بنج وفترة تعافي دون فوط صحية

تقول السيدة هبة (24 عامًا)، من حي الشجاعية شرق مدينة غزة، والنّازحة في خيمة داخل أرض زراعية في شارع النخيل بدير البلح، إنها نزحت من غزة قبيل موعد ولادتها بفترة بسيطة كي تلد في مستشفيات الجنوب، لكنّها لم تتخيل الكابوس الذي كان ينتظرها.

تجلس هبة اليوم على أرض الخيمة المتواضعة وفي حضنها رضيع بملامح جميلة، ويرتدي ملابس رثّة وأكبر حجمًا من جسده الصغير، وبجانبها ثلاثة أطفال تبدو على أجسادهم آثار عدم النظافة وسوء التغذية. 

ولادة قيصرية
اضطرت هبة إلى مغادرة المستشفى فور ولادتها إلى خيمة صغيرة (صورة الترا فلسطين) 

تقول هبة وهي تروي لـ الترا فلسطين ما مرّت به: "لم أستطع الحصول هنا على طعام جيّد أو راحة قبيل ولادتي، إضافة لشعوري بالخوف الشديد من الولادة تحت القصف المستمر، وفي هذه الظروف القاسية دون والدتي، عندما جاءني المخاض ليلًا نقلني الإسعاف من مدينة دير البلح إلى مستشفى العودة في النصيرات". 

وتسرد شاردة الذهن وكأنها عادت إلى تلك الليلة القاسية: "عادة ما أحصل على "بنج" موضعيّ مثل بقية ولاداتي السابقة، ولكن هذه المرة دفعوني للولادة بلا مُسكّن للألم، واستمر المخاض 7 ساعات متواصلة، وتسارعت دقّات قلبي، شعرت كما لو أنني سأموت، حتى خرج رأس طفلي إلى الحياة".

وتابعت: "هل تُصدِّقين إذا قلت لك أنني لا أتمنى لأي امرأة أن تمرّ بهذه التجربة؟ لا زلت أشعر بمشرط الطبيب يقطع أسفل بطني، لقد رأيت الموت حرفيًا".

وما إن أنجبت هبة طفلها، حتى طلب منها الأطباء مغادرة المستشفى، دون أن تحصل على راحة أو تنتظر حتى يتوقف نزيفها. وفي الخيمة استمرت فصول معاناتها جرّاء عدم توفر الفوط الصحية، فاضطرت إلى استخدام "قطع قماشية"، كما أن عدم توفر المياه سبب لها الكثير من الأمراض التناسلية النسائية.

وقالت: "هناك منزل قريب علينا ولم يتعرّض للقصف، طلبت الإذن من صاحبته أن أحضر مرة كل يومين لأحصل على فرصة لتنظيف نفسي قدر الإمكان، وعليّ أن أقطع مخيم النزوح وأرضًا فارغة وشارعًا حتى أصل إليه".

ومع دخول الحرب شهرها السادس وحلول يوم المرأة العالمي تستمر رحلة هروب آلاف النساء من حرب الإبادة الإسرائيلية إلى مراكز النزوح، ويستمر هروبهن من مسار حياتهنّ الطبيعية (الدورة الشهرية وفترة النفاس) لأنه في زمن وحشية "إسرائيل"وتواطؤ العالم لم يعد هناك ما هو طبيعي.