أسعار العملات
الدولار الأمريكي
سعر الشراء 3.57
سعر الصرف 3.83
الدينار الأردني
سعر الشراء 5.27
سعر الصرف 5.42
اليـــــــــــــــــورو
سعر الشراء 4.21
سعر الصرف 4.24
رام الله والبيرة Next

رام الله والبيرة Next

قبل أشهر افتتحت شركةٌ ما متجرًا ضخمًا ما في رام الله، حصد المتجر قوة شرائية مذهلة إلى درجة أن خمسة محاسبين ينهمكون على مدار ساعات العمل في فك أزرار المتجر وتسليم البضائع وأخذ المبالغ المالية. وبين زبون وآخر، يصرخ الكاشير المتاح: نكست - Next.

وقفت كتمثال عندما صرخ عليّ البائع (Next)، وتذكرت الانتفاضة الأخيرة وزجاج عمارات وسط المدينة المنهار على الأسفلت والقنابل الفراغية التي هدَّت كل نافذة ورجَّت كلَّ بينٍ وشققت أدراج العمارات في أحياء كثيرة.

وقفت كتمثال عندما صرخ عليّ البائع (Next)، وتذكرت الانتفاضة الأخيرة وزجاج عمارات وسط المدينة المنهار على الأسفلت والقنابل الفراغية

في لقطة (Next) أصابني شعوران، فرحت لرام الله- البيرة، هذه المدينة المشتركة البازغة المتفلتة الذكية الصاعدة لبناء نفسها. وحزنٌ من حجم القفزة التجارية التي لا تراعي جروحًا مغمورة لا ينتبه لها أحدٌ في الشوارع الخلفية للمدينة. وصُدمت من بلاستيك المدن الذي بات يطوينا نحن الطبقة التي تحصل على رواتب وخلفنا يقف جمهورٌ كبيرٌ متعثرٌ ومتعطلٌ، ولا يقف على طابور (Next).

اقرأ/ي أيضًا: رصيف المدينة: حيّز للجنون

مراتٌ كثيرةٌ تصيبني صدمةٌ أمام متاجر كبيرة يفتتحونها، فيكون على باب الافتتاح أولادٌ يلبسون دمى ليلكية وزهرية وصفراء يرقصون ويوزعون منشورات عن البضائع والافتتاح، وعندما سألت عن الذين داخل هذه الدمى اكتشفت أنهم فتية غير متعلمين وفقراء وتمت المتاجرة بفرحهم، اشترى رجل أعمال فرحهم وتاجر به، وبعد حفل الافتتاح يسلم الأولاد الملابس المزركشة إلى شركة الاحتفالات ويعودون إلى عائلاتهم الفقيرة في أحياء لا تشبه متجر الافتتاح وشارعه وناسه النظيفين جدًا، والمعقمين جدًا.

عندما نمر هنا في شوارع المدينة ننكشف تمامًا كطبقات، المشاة في الشارع على الأغلب نساءٌ بلا سيارات، موظفاتٌ وعاملاتٌ ومستغلَّاتٌ عائداتٌ إلى المنازل أو ذاهبات إلى العمل. ألعن اللحظة وجمال المطر عندما أشعر أن التقسيم هكذا: أناسٌ في سيارات، وآخرون بلا سيارات.

على الإيميل وفي الإنبوكس ترن الرسائل: "مرحبًا أستاذ، في حواليك فرصة عمل". طبعًا ألبس القناع وأعطي وعودًا وأتَّصل على معارف، لكن ثمة جرس بطالة مثل سيارة إسعاف مهلكة يرن: البطالة تُزهق أرواح الأولاد والبنات والعائلات التي دفعت دم قلبها على التعليم.

في المدن ثمة تحولاتٌ ضاريةٌ لا تنتظر أحدًا، تكسر أعمار البعض وتبني قصورًا مجانية لآخرين. إحدى طالباتي كتبت تقريرًا صحفيًا عن متجر كبير لا ينفك يهطل على الناس بالتنزيلات، وفي الشارع الثاني، بالضبط خلف المتجر الكبير، يفلس صاحب دكان صغيرة وتكسد بضاعته بسب تنزيلات العملاق الأمامي. أرعبتني فكرة موت التاجر -أبو الدكان الصغير- وتعاظم محفظة التاجر الكبير.

في المدن ثمة تحولاتٌ ضاريةٌ لا تنتظر أحدًا، تكسر أعمار البعض وتبني قصورًا مجانية لآخرين

ألا يوجد قانون للعدالة هنا؟ وكيف سكتنا عن التسويق؟ هذا الخداع والتضليل التاريخي الذي صار أقوى من وزارة التموين أو وزارة الاقتصاد أو المالية والبنوك نفسها.

اقرأ/ي أيضًا: مطر وسياسة وأغنيات

في محلات الكريب الفاخر، حيث العسل والشكولاتة، ثمة نساءٌ -أمهاتٌ أو أخواتٌ أو خالاتٌ- مع فتية ومراهقين يطعمونهم بشغف ويشترين لهم الأحذية الرياضية والميداليات وجل الشعر. ماذا سيحدث بعد سنين؟ سيكبر الولد ويدرس ويعمل ويصير في وضع أفضل، وستظل الأم أو الأخت بنفس المنديل والجلباب تنظره في المنزل ولا يعود، إلا لماما.

في المدارس الخاصة نذهب نحن وأولادنا مثل المناديل الناعمة، وفي ملعب مدرسة أولاد حكوميةٍ مجاورةٍ قف وشاهد، "البوكسات والشلاليط والتنمر"، وعلى الباب سيقول لك أستاذ منهك: "مبين عليك زلمة محترم، ودي ابنك على مدرسة ثانية".

كيف اقتنعنا بهذا الفصل في التعليم؟ ومن يطور تعليمنا أبو الجوائز والحسنات والتكريمات؟

على اللافتات الضخمة، ثمة كلمةٌ عملاقةٌ تحت سيارةٍ عملاقة -مجانًا- بحرف حجمه أكبر من طاقة أي مطبعة لافتات. سياراتٌ وقروضٌ كالسيل، وفي المنطقة الصناعية ثمة دفتر ديون على بطاريات السيارات والتصليح والزيت والفلاتر.

نقترض ونحمي التنمية بالقروض، ولا ندقق في إسطول هائلٍ من سياراتٍ بملايين الشواقل تمر قربنا ولا نرى أصحابها من شدة التعتيم. وهؤلاء المعتم زجاج سياراتهم كثيرة هي القصص التي تقول إنهم وقعوا في الفخ، في الإفلاس والهرب خارج البلد وترك الدائنين والمضحوك عليهم في خانة: القانون لا يحمي المغفلين.

كثيرةٌ هي المرات التي أعذب نفسي بهذا النوع من التفكير السوداوي، وأجهز على نفسي بالنكد كي لا أصبح بلاستيكيًا، وكي لا أستسلم لمشاعر المدينة الفردية التي قد تصيبنا بالعماء الطبقي. وأرجو أن لا يكلف هذا التوصيف أحدكم بأي مشاعر جلد ذاتي، احتسبوه محض غضب ونكد وحذر ورثته نفسيًا من حقبٍ فلسطينيةٍ سابقة.

أعرف أن هذا النوع من الكتابة عذابٌ لا يحتاجه أحد، لكن من حقي أن أساعد حبات الضغط والسكري والقلب قليلاً بالكتابة.


اقرأ/ي أيضًا: 

أصل المافيا حركة ثورية

اقتناص الوظائف العليا في دولة يحدها حزب واحد