12-يونيو-2018

صورة أرشيفية: قوة من جيش الاحتلال تمر بسيارات عسكرية مدمرة خلال حرب 67 - (gettyimages)

في الذكرى الـ51 لحرب حزيران عام 1967، سنتحدث في هذا التقرير بشكلٍ أساسي على الوثائقي المؤلف من 3 أجزاء، من إنتاج التلفزيون العربيّ في لندن، بعنوان :"هزيمة 1967"، ومن إخراج المخرج الفلسطيني، عصام بلّان. 

الجزء الأول – الطريق إلى الحرب.

يستعرض الجزء الأول من الوثائقيّ الطويل، الأجواء التي سادت قبل حرب عام 1967، والذرائع التي استغلّتها إسرائيل أسبابًا مباشرةً للحرب التي كانت بحسب بعض الباحثين، تعدُّ العدّة لها منذ عام 1948. يؤكّد بعض الباحثون أنّ إسرائيل كانت تؤكُّد على فرضية "الحرب الحتميّة" مع العرب منذ تأسيسها في عام 1948، ويذهب بعضهم إلى القول أن حرب 67 كانت ضرورة لا بدّ منها لتثبيت الوجود الإسرائيلي في نظر العرب وتحويله إلى حقيقة يجب الاعتراف بها من قبلهم. أما عربيًا، فيعرض الفيلم الحالة العربية التي كانت سائدة قبل عام 67، كحالة منقسمة إلى معسكرين أساسييّن، وهما المعسكر "التقدمي"، والذي مثّلته مصر والدول المناصرة لحركات التحرر من الاستعمار، والمعسكر الآخر هو المعسكر "الرجعي"، الذي مثّلته الملكيات العربية آنذاك.

وثائقي "هزيمة 67": حرب حزيران - 67 كانت ضرورة لـ إسرائيل من أجل تثبيت وجودها في نظر العرب وتحويله إلى حقيقة يجب الاعتراف بها

بدأت الطريق إلى الحرب بقرار القمة العربية عام 64، بتحويل مجرى مياه نهر الأردن لقطع الطّريق على إسرائيل في تنفيذها لمشروعها "مشروع المياه القطري الإسرائيلي"، والذي كان يعدُّ مشروعًا استراتيجيًا في نظر إسرائيل. بالإضافة، إلى قرار مصر بإغلاق مضائق تيران في وجه الملاحة الإسرائيليّة، وقد عدّت إسرائيل هذين القرارين بمثابة إعلان حرب، بدأتها في صباح الخامس من حزيران عام 1967. وقد رأت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية على وجه الخصوص - كما يبين بعض الباحثين في الفيلم الوثائقي - في الذرائع المتوفّرة للحرب فرصة سانحة للاستيلاء على المزيد من الأراضي العربية، وتوجيه ضربة عسكرية قويّة للجيش المصريّ الذي كان يعدُّ العدو الأول لإسرائيل، في حين كانت القيادة السياسيّة تميل إلى الحل السلميّ. كان هناك بعض التوجّهات لدى العسكر في إسرائيل إلى اعتقال رئيس الحكومة ليفي أشكول إذا تطلّب الأمر، والبدء بالحرب ومن ثم الإفراج عنه بعد انتهاء الحرب.

أما عربيًا، وعسكريًا تحديدًا، فقد كان هناك - من وجهة نظر الخبراء العسكريين - فشلاً وإخفاقًا استخباريًا فادحًا قبل الحرب، تمثّل في عدم توافر تقارير استخباريّة دقيقة عن العدو الإسرائيلي من جهة، وفي الاستعراضات العسكرية والحشود العسكرية المصرية في سيناء تحت مرأى ومسمع من الاستخبارات الأجنبية ومن ضمنها الإسرائيلية. وذلك في مقابل تفوّق استخباري إسرائيلي دقيق عن حالة الجيوش العربية ومواقع تمركزها.

ويذكر الفيلم الجدال الذي دار بين عبد الناصر من جهة، وبين فريق أركانه المشير عبد الحكيم عامر؛ ووزير الحربية آنذاك شمس بدران من جهة أخرى، حيثُ أصرّ عبد الناصر على تلقّي مصر الضربة الأولى عسكريًا للاستفادة من ذلك على الساحة السياسيّة، في حين عارضه كلٌّ من عامر وبدران والفريق صدقي محمود الذي حذره قائلاً: "إن تلقّينا الضّربة الأولى، سنتكسّح".

الجزء الثاني – نشوب الحرب " هزيمة بلا قتال".

لم يُصغِ عبد الناصر إلى نصائح قادته العسكريين، كما أنّ هجومًا مصريًا كان يجبُ أن ينطلق في الرابع من حزيران عام 1967، لم يتمّ بسبب اتصالات أمريكية وسوفيتية تعدُ بحل الأزمة دبلوماسيًا.

في هذا الجزء "يتكسّح المصريون"، ويُدمِّرُ الإسرائيليون في الساعة 7:45 من صباح الخامس من حزيران كافّة الدفاعات الجويّة المصرية والصواريخ المضادّة للطائرات، يتبعها تدمير ما يزيد عن 390 طائرة مصرية من أصل 409 طائرات، والنتيجة إبادة القوّة الجويّة المصريّة. تبع ذلك إبادة القوّة الجوية الأردنية والسوريّة وبعضٌ من العراقيّة.

بالنسبة للإسرائيليين، رأوا في ذلك نهاية الحرب الوشيكة وانتصارهم المؤكّد. ووصف المشير عامر الحدث بقوله: "بدأت الحرب وانتصرت إسرائيل".

على الأرض، يروي الفيلم الوثائقيّ على لسان من عايشوا تلك المرحلة، كيف استطاعت إسرائيل احتلال سيناء بأكملها في غضون ثلاثة أيّام، واحتلال الضفّة الغربية وقطاع غزّة وهضبة الجولان السوريّة.

وثائقي "هزيمة 1967": لم تشارك سوريا في حرب حزيران - 67 ظنًا منها أن عدم مشاركتها في الحرب سيحميها من التوغل الإسرائيلي

لم تشارك سوريا في الحرب، وظنّت بحسب بعض العسكريين الإسرائيليين، أنّ عدم مشاركتها في الحرب واكتفائها ببعض القذائف بشكل متقطع سيحميها من التوغّل الإسرائيليّ. ولعدم مشاركتها، فقد تركّزت القوة الإسرائيليّة في كلٍ من سيناء والجبهة الأردنيّة، بعدما كانت الخطّة تقضي بالانتهاء أولاً من مصر ثم سوريا ثم الأردن. لم تطل مقاومة الجيش الأردني في الضفّة الغربية، فبحسب بعض العسكريين الأردنيين الذين تمّت مقابلتهم، لم تكن الموازين في صالح الجيش الأردني، وسرعان ما انسحب الأردنيون إلى الضفّة الشرقيّة، وسقطت القدس والضفّة الغربيّة من ورائها.

أمّا سوريا، فقد اعتُبِرَ البلاغ رقم (66) - الذي خطّه وزير الدفاع السوريّ آنذاك - بمثابة إعلانٍ لانتهاء حربٍ لم يخضها السوريون أصلاً. فقد ورد في البلاغ سقوط مدينة القنيطرة السوريّة، وهي بعد على بعد 4 كيلومترات من القوات الإسرائيليّة، وذلك ما يستعرضُ خفاياه برنامج الصندوق الأسود بعنوان: "سقوط الجولان".

انتهت الحرب في السادس من حزيران لعام 1967، وهي لم تكن حربًا في نظر الكثيرين ممّن قابلهم الفيلم الوثائقيّ، بقدر ما كانت محض هزيمة، "لم يهزم الجنديّ العربيُّ فيها أمام إسرائيل، بل هزمته السياسة العربيّة"، على حدّ تعبير الفريق الأول المصري عبد المنعم رياض.

الجزء الثالث – بعد الحرب 

سقطت القدس، والضفّة الغربية وقطاع غزّة، وسيناء بأكملها وهضبة الجولان وبعض من أراضي الضفّة الشرقية للأردن، وضاعفت إسرائيل مساحتها 3 مرّات في ستة أيام، هي من أقصر الحروب في التاريخ.

يعرضُ الفيلم مشاهد الصدمة، والشحوب الذى أصاب وجوه العرب بعد الهزيمة، مقابل الفرحة التي غمرت الإسرائيليين في شوارع القدس القديمة، ووجوه القادة العسكريين الصهاينة وهم يدخلون القدس؛ ويتجهون إلى حائط المبكى على رأسهم موشيه دايّان.

عمّ الإحباط الجماهير العربيّة، وكما رأى بعض الكُتاب والخبراء الذين قابلهم الفيلم، فإنّ مصطلح "النكسة" لم يكن سوى تمويهًا لحقيقة ما جرى، أوحى بهِ حسنين هيكل - كما يقول البعض لعبد الناصر - للتخفيف من هول الصدمة والهزيمة.

يستعرض الجزء الثالث والأخير من الوثائقيّ، النتائج المباشرة وغير المباشرة لهزيمة 67. وكان أوّلها، خطاب التنحّي لعبد الناصر، الذي خرجت على إثره الجماهير العربيّة تطالبه بالعودة. تبع ذلك الصدام بين ناصر وبين المشير عامر ورفاقه، إذ حمّل ناصر مسؤولية الفشل العسكريّ للمشير عامر وأقصاه عن القيادة ووضعه في الإقامة الجبريّة، الأمر الذي انتهى بانتحاره في مقرّ إقامته.

لكنّ بعض الباحثين يجدون في تحميل المسؤولية لعامر ورفاقه العسكريين إجحافًا، فعبد الناصر مسؤول كذلك عن الهزيمة لعدم متابعته وإدراكه الكامل لحالة الجيش المصريّ حتى في أوّل أيام الحرب. إذ يظهر الوثائقيّ تسجيلاً إسرائيليًا لمكالمة تمّ التنصُّت عليها بين عبد الناصر والملك حسين في أوّل أيام الحرب، يقول فيها ناصر إنّ الطائرات المصرية تقصف الآن تل أبيب. ويظهر الفيلم، أن التحشيد الإعلاميّ المصريّ والعربيّ، والتضليل الذي مارسه هذا الإعلام على الجمهور العربيّ، لم يكن مجرّد تضليل، بل كان عدم إدراكٍ شمل حتى القيادة السياسية ممثّلة بعبد الناصر نفسه.

وثائقي "هزيمة 1967": باحثون يؤكدون أن عبد الناصر يتحمل مسؤولية هزيمة حرب حزيران - 67، لكنه ألقى بها على المشير عامر ورفاقه العسكريين

عربيًا، تداعت الأنظمة العربية التي كانت قائمة قبل الحرب وخلالها وتآكلتها الصراعات التي رأت بعض أطرافها في الهزيمة مبررًا للانتهاء من الأنظمة القائمة والانقلاب عليها. ومن ذلك انقلاب حافظ الأسد على القيادة القطرية لحزب البعث، وصدام حسين في العراق وغيرها من الدول العربيّة.

 

أما إسرائيليًا، فقد تمّ اعتبار الحرب تاريخ التأسيس الثاني لـ إسرائيل جديدة، ووتدفّقت الأموال الأجنبيّة والاستثمارات اليهودية ليهود الشتات في أوروبا وأمريكا إلى إسرائيل الجديدة، والتي ثبَّتت مكانتها في الساحة الدولية دولة قويّة، وعززت علاقاتها بالقوى الكبرى كالولايات المتحدة الأمريكية.

وأخيرًا، يروي الفيلم صعود الكفاح المسلّح واستعادة إيمان الفلسطينيين بضرورة الكفاح المسلّح طريقًا وحيدًا للعودة وبديلاً عن التعلُّق بالأنظمة العربيّة ووعودها. فقد أعادت الحرب ونتائجها الوخيمة القضيّة الفلسطينيّة لتكون قضيّة الفلسطينيين وحدهم، وأصبحت الدول العربية، وخاصة دول الطوق، ترغب باستعادة أراضيها أولاً وآخرًا، وهكذا، فقد صعد الكفاح المسلّح، وتعززت مكانته ومكانة التنظيمات الفلسطينيّة كحركة فتح، خاصة بعد معركة الكرامة التي ساهم انتصار الفدائيين فيها بجانب الجيش الأردنيّ إلى استقطاب الشبّان الفلسطينيين والعرب إلى الكفاح المسلّح.


اقرأ/ي أيضًا: 

المؤشر العربي: معطيات عن فلسطين الصراع مع إسرائيل 

في جلد عبد الناصر

باراك يكشف أسرار التجسس على الجيش المصري