أسعار العملات
الدولار الأمريكي
سعر الشراء 3.10
سعر الصرف 3.11
الدينار الأردني
سعر الشراء 4.37
سعر الصرف 4.39
اليـــــــــــــــــورو
سعر الشراء 3.59
سعر الصرف 3.60
المشيعون يحملون جثمان الفلسطيني أحمد شرّاق (Getty)

مع كل ارتقاء لشهيد جديد على أرض فلسطين، تتزاحم في المواقع الإخبارية وتوابعها من صفحات التواصل الاجتماعي صور ومقاطع فيديو للشهداء، منها ما يظهرهم فور ارتقائهم مباشرة أو حتى وهم في لحظاتهم الأرضية الأخيرة قبل معانقة السماء، ومنها ما يظهر لحظات وداع أحبائهم وأصدقائهم لهم، فضلًا عن صور وفيديوهات أخرى تتبع موكب الشهيد منذ انطلاق جنازته حتى الوصول إلى المقبرة.

ثمة جدل حول نشر صور الشهداء، بين فريق يراه ملك الأمة، وآخر يرى ذلك تقليلًا من إنسانية الشهيد

من الملاحظ أن كثيرًا من تلك الصور ومقاطع الفيديو، يتم التقاطها بواسطة أشخاص عاديين تواجدوا في لحظات الإثارة وتدفق الأدرينالين تلك، بمحض الصدفة ربما، فأجبرتهم الظروف، أو وفرت لهم فرصة منتظرة، من أجل لعب دور المصور الصحفي. بالإضافة إلى ذلك، فإن صورًا ومقاطع أخرى كثيرة تلتقط بواسطة أعداد كبيرة من الصحفيين المحترفين، والذين يسعون لإشباع نهم وكالاتهم الصحفية والإخبارية، محلية كانت أو عالمية، لسيل تدفق الأحداث في الأراضي المقدسة المشتعلة هذه الأيام.

اقرأ/ي أيضًا: انتفاضة السّلاح الأبيض

ومع بروز هذه الظاهرة كلما توترت الأوضاع في فلسطين، يطفو إلى السطح جدلٌ كلاسيكي حول أخلاقية نشر بعض الصور ومقاطع الفيديو، ما بين فريق يتمترس خلف المقولة الكلاسيكية بأن الشهيد ملك للأمة، وأنه في لحظة استشهاده يوقع ضمنًا على موافقته على التحول إلى شخصية عامة لا يحق لها أو لمن ينوب عنها الامتناع عن النشر حولها، وما بين فريق آخر يدعو إلى احترام حقيقة أن استخدام شخصية الشهيد بهذا الشكل يسهم بطريقة غير مباشرة إلى تشييئه والتقليل من إنسانيته، ولو كان بحسن نية ابتداءً.

لا شك أنه ينبغي على أي صحفي محترف أن يمتلك هذا الحس الأخلاقي، ليس فقط حين اتخاذه لقرار نشر صورة ما من عدمه، بل وحتى أثناء اختياره للحظات التي يحق له فيها استعمال كاميرته أصلًا، كما ينبغي على المصورين الهواة، الذين لا ينبغي بالمناسبة أن يُبخس حقهم ودورهم الأساسي في الصحافة اليوم، ينبغي عليهم أن يرفعوا مستوى وعيهم الأخلاقي حينما يقررون إرسال صورهم وفيديوهاتهم إلى وكالات الأخبار المختلفة، تحسبًا لافتقار بعض هذه الوكالات للأسس المهنية للعمل الصحفي فضلًا عن أخلاقياته، كما يظهر جليًا للمتابع.

ما يشغل البال حقًا، وما أظنه الأسوأ على الإطلاق، هو غياب ثقافة شعبية باحترام خصوصية عوائل الشهداء في واحد من أبسط حقوقهم، وهو أن يحظوا بخصوصية كافية في أوقات توديعهم لأحبتهم، فقد بدا واضحًا أن لحظات التوديع هذه تتم في ظل جمهرة كبيرة من الصحفيين والأشخاص غير ذي الصلة المباشرة بالشهداء، مما يفوت عليهم لحظات حميمية كان من الممكن أن يستغلوها أكثر بالقرب ممن يحبون قبل انفصالين زمني ومكاني لا يعلم مقدارهما إلا الله، ومن الممكن أن يمتدا نظريًا إلى الأبد، من باب ألا أحد فعلًا موقن بمصيره الأخروي بما فيهم الشهداء أنفسهم، الذين تُطلق عليهم تلك التسمية من باب الاحتساب أحيانًا، ومن باب الابتذال أحيانًا كثيرة أخرى. 

 تغيب الثقافة الشعبية بخصوص احترام حق عوائل الشهداء في أن يحظوا بخصوصية كافية في أوقات توديعهم لأحبتهم

في الغرب عمومًا، حينما تخرج عوائل ضحايا حادثة ما أو بعض قتلى الجيش في مؤتمر صحفي، يتم ختامه عادة بعبارة مثل: ترجو عوائل الضحايا أن تحترم الصحافة خصوصياتهم في هذه الظروف العصيبة، وأن تتركهم ليمارسوا حزنهم بسلام. في المقابل، تجد أن محيط أسر الشهداء لدينا، مقودًا بجحافل الصحفيين، يتجاهل مثل تلك التوصية بحجة الحاجة إلى تغطية الأحداث، فضلًا عن ثقافة مجتمعية تعزز قمع إطالة فترة الوداع وخاصة من جانب العنصر النسائي، في خشية مبالغ بها من تطور الأمور إلى ما هو مستنكر بشدة في عرف الناس مما يدرجونه تحت بند "الردح".

قد يقول البعض أن كل هذا النقاش هو نوعُ من الترف، فيُرد عليهم بتذكيرهم بأن والدة الفتى الفلسطيني محمد أبو خضير، والذي استشهد حرقًا على يد المستوطنين، رفضت رؤيته عند توديعه لرغبتها بالاحتفاظ بأجمل صورة له في قلبها وعقلها، ولا يخفى على أحد أن بعض تلك الصور والفيديوهات مؤلمة إلى حد كبير لمن لم يعرف الشهداء قط، فما بالك بأم الشهيد وأبيه، أو أصدقائه ورفاقه في الحي؟

هي دعوة إذن للموازنة بين استغلال دور المجتمع المحيط بأسرة الشهيد بتخفيف ألم فراقه، واستثمار شهادته في صالح القضية التي تسببت بمغادرته هذا العالم، وبين الحاجة إلى احترام خصوصية ذوي الشهداء ورغبتهم، ما داموا لم يلتحقوا بالشهيد إلى العالم الآخر، في استدعاء لحظات أخيرة معه تليق بعظمة ما منحه الله للأسرة كلها، إذ اجتبى منها شهيدًا إليه. فالأمر يتعلق بأحبة الشهداء الذين يسوؤهم ما يسوء ذويهم، مما يعني أن تفويت دورة في أخلاقيات الصحافة ليس عذرًا للألم الذي يساهم البعض بترسيخه بنشرهم لتلك الصور واقتحامهم لخصوصية أسرة الشهيد، إذ يكفي مجرد التفكير بالأمر من خلال تخيل أن الشهيد الذي فتحت جمجمته في صورة ما، أو حُرق وجهه في أخرى، هو أخوك أو أبوك، أو حتى صاحب البقالة التي ترتادها كل يوم!  

ولولا الخشية من أن يطول الحديث، لتم التطرق إلى أشكال أخرى من استباحة الشهداء، لعل أظهرها في عالم الإنترنت ما تعج به أخبار الشهداء وصورهم من جامعي الإعجابات ومطلقي الإعلانات الترويجية، فضلًا عن أولئك الذين ينشئون صفحات بأسماء الشهداء يهدفون بها إلى اصطياد المتابعين، في إسقاط فيسبوكي صارخ لواقع سياسي يعج بمن يستخدم الشهداء ويتخذهم كمجرد وسائل للوصول إلى غاياته غير النبيلة.

اقرأ/ي أيضًا: البحث عن شهيد