29-مايو-2019

المخرج الفلسطيني إيليا سليمان

أحبُّ ايليا سليمان، بقبّعته التي لا أحبها، أحبّه وهو يتحمّل وجوده صامدًا بلا ارتباك أو خجل، وسط عاصفة تحيط به من الأكف المصفّقة بعد عرض فيلمه الأخير (لا بُدّ أنها الجنة) في مهرجان (كان). أحبّ تكسير الزمن في أفلامه، أحبّ حبّه لوالديه، أحبّ غياباته لسنوات وانبثاقه فجأة بفيلم جديد وحكاياته التي هي نفسها، ولكنّها بروح جديدة، أحبّ لقطاته الصامتة المنفصلة المتصلة، التي لا تقول شيئًا أحيانًا، أحبّه حتى بطاوووسيته في المهرجانات وفي الحياة، وبعدم ردّه على رسائل المعجبين وبعدم اكتراثه بالمقالات التي تمدح أفلامه، وبإحساسه بأنه شخص مهم في هذا العالم، وبمحاولاته في السخرية من ذاته ومن ماضيه. 

  تخيّلته غاضبًا يقول لنفسه وهو عائد إلى البيت من الاعتقال: سأرد على الاحتلال بطريقتي الخاصة، سأتحصّن بالمنفى   

أحب عزلته وتجواله ودفاتر ملاحظاته، وحياته التي يسرق منها حكايات أفلامه، أحبّ مدينته الناصرة، التي أحببت فيها امرأة مثله لم تعد ترد على رسائلي، أحبّ ايليا وهو يُعتقل في تل أبيت في عقده الثاني بتهمة الانتماء لمنظمة التحرير، أحبّ رغبته في الهجرة وصراحته في فضح قبح الفلسطينيين، وفي الحنين المفاجىء لبلاده في حمّى المنفى، أحبّ عبقرية في إجابته على سؤال لصحفية من هونغ كونغ: هل من رسالة خاصة ترغب في إيصالها للفلسطينيين، خصوصًا أنّك تحدثت عن الحاج وضرورة تطلّبت منك إعداد هذا الفلم؟

- (الضرورة لإعداد الفيلم ليست بالضرورة لعلاقته بفلسطين، بل على العكس، أعتقد أن تحوّل المسألة الفلسطينية إلى قضية عالمية هو ما منحها صفة الضرورة الآن).

أحبّ ايليا، أحب منفاه وهو يحوّله من فلسطيني متوتر إلى متجوّل هادىء ومراقب عميق ومتأمل ذكي، أحاول أن أتخيّله في الناصرة مقيمًا دائما، فلا أحبّه هناك كثيرًا، حين اعتقله المحتلون وهو في سن السابعة عشرة، وطُلب منه الاعتراف بكونه عضوًا في منظمة التحرير، هاجر بعدها بفترة قصيرة إلى لندن، تخيّلته غاضبًا يقول لنفسه وهو عائد إلى البيت من الاعتقال: سأرد على الاحتلال بطريقتي الخاصة، سأتحصّن بالمنفى، سأحصل على المسافة، المسافة آه المسافة، ما ينقصني هو المسافة، سأرى بشاعة الجندي الذي اعتقلني بطريقة أبعد عن العاطفة، وسأرى أمي وأصدقائي وحارتي بشكل أقرب للحقيقة.

المنفى هو نفسه الذي أنقذ قصيدة محمود درويش من مطر السماء المنخفضة، ومن هذا النوع من العاطفة اللزجة الخفيفة، وهو نفسه الذي حرم شعراء آخرين استخدمتهم بلادهم (دون قصد طبعًا) لتسويق عاطفتها، وحرمتهم من مكافأة المسافة. 

أحبّ ايليا، أحبّه وهو يقف لثلاث ساعات على منصة مسرح القصبة برام الله قبل عشر سنوات، عارضًا لنا وسط ذهول الجمهور مقاطع (هبلة) من أفلامه، ساخرًا منها ومن نفسه، ومتسائلًا بتعجّب: لماذا وكيف فعلت ذلك؟ كان هذا اللقاء درسًا عظيمًا في نقد الذات لم نعهده في سياقاتنا الثقافية برام الله، ولم يسبق وأن شاهدنا قبله فنانًا أو كاتبًا (يشرشح) نفسه بابتسام وهدوء. كان درسًا في تعليم جماليات مراجعة الأعمال الغبية، والأهم من ذلك إشهار ذلك أمام الجمهور فيما يشبه حفلة تطهر وتطهير رائعة.

أحبّ ايليا، أحب عوداته المتكررة اليائسة السعيدة من باريس إلى الناصرة، سائلًا بمرح من قلب المسافة، تائهًا، دائخًا، متلهفًا، نادمًا، خائفًا، شاكًا، أحبّ بحثه المستمر في رسائل العائلة، أحبّ إطلالته التي بلا صوت من شرفة منزله، مراقبًا دون أن يراه أحد، ما يجري في بلاده السريالية، أحبّ حبّه لمدينته وفكرة هربه الجاهزة مرة أخرى منها، أحبّ قناعته بأن البشرية تتكلم منذ آلاف السنين ولن تغيّر شيء، وكأنه يسأل: لماذا لا نجرّب الصمت؟ ربما تغيّر شيء ما في هذا العالم.

أحبُّ ايليا، أحبُّ أنه لم يتعلم فن السينما في الجامعات، وأنه تعلمه من الحياة والرغبة، أحبّ أنه لا يؤمن بنظريات سينمائية، وأنه يلعب مع الحياة والكاميرا والأفكار والتخيّلات كما يريد وكما يشتهي مزاجه المجنون، أحب الشعر والخوف والحذف في أفلامه، أحبّ غروره الفظيع وهو يقاوم حقيقة أنّه متأثر بسينما المخرج الفرنسي الشهير (جاك تاتي).

أحبّ أنه خارج كل شيء، خارج بيته والرسائل والنظريات والأفكار الجاهزة والمرجعيات والتوقعات.

أحبّ ايليا، أحب دفاتر ملاحظاته، لكنّي لا أحبّ قبعته. 


اقرأ/ي أيضًا:

إيليا سليمان.. كيف تصل العالمية بثلاثة أفلام فقط

"حب وسرقة ومشاكل أخرى".. ملهاة فلسطينية

7 أفلام فلسطينية وصلت العالمية