أسعار العملات
الدولار الأمريكي
سعر الشراء 3.35
سعر الصرف 3.43
الدينار الأردني
سعر الشراء 4.68
سعر الصرف 4.89
اليـــــــــــــــــورو
سعر الشراء 3.91
سعر الصرف 4.08
مجزرة

مجزرة "الإبراهيمي" في ذاكرة شهيد عاد للحياة!

628 مشاهدة

في صلاة فجر الخامس عشر من شهر رمضان عام 1994، بعدما نادى الإمام جمع المصلين من خلفه السجود الأول داخل الإسحاقية في المسجد الإبراهيمي بمدينة الخليل، تغيّرت أركان الصلاة، فانفضّ بعضهم على نحوٍ مجنون، والبعض الآخر التحف الأرض ونام نومته الأخيرة، بينما عايش الكثير منهم كابوس الموت بعذابه دون فحواه.

 بمرور 25 سنة على مذبحة الحرم الإبراهيمي؛ فتّش "الترا فلسطين" عن التفاصيل، فاصطدم برصاصة كانت قد أصابت عنق كمال عابدين، وبترت نخاعه الشوكي وغيّبته عن الحياة 6 أشهر متتالية  

تلك الصورة؛ ليست محض خيال، وإنما تعكس واقعًا عن مذبحة "الحرم الإبراهيمي" التي نفّذها المستوطن الطبيب "باروخ جولدشتاين"، عندما تسلل منتصف رمضان (25 شباط/فبراير 1994) للحرم الإبراهيميّ، مطلقًا القنابل والعيارات النارية باتجاه المصلين السُجَّدْ، قاتلًا 29 منهم، وموقعًا أكثر من 200 جريح.

في الذكرى الخامسة والعشرين للحادثة، فتّش "الترا فلسطين" عن تفاصيل المذبحة، فاصطدم برصاصة كانت قد أصابت عنق كمال عابدين، وبترت نخاعه الشوكي وغيّبته عن الحياة ستة أشهر متتالية.

كمال خيري عابدين (44 عامًا)، أحد مصابي المجزرة، يستذكر مع "الترا فلسطين" الساعات الأخيرة قبيل المذبحة "كانت ليلة خميس، كنّا قايمين الليل، وكنا مخططين لصلاة الفجر في الحرم الإبراهيمي، ونزلنا فعلًا، لكن كانت الأمور مختلفة عن العادة، فعادتهم إخضاعنا لتضييقات كبيرة، لكن هذه المرة لم يكن هناك تفتيش دقيق، النساء أبعدوهم عنا، فالوضع كان غريب".

ذلك التباين بين عادة الاحتلال وبين ما حدث ليلة مذبحة "الحرم الإبراهيمي" أدخل الشكّ لقلب كمال والخلايلة الذين اعتادوا الصلاة في المسجد يوميّا. ويتابع عابدين "تساءلنا هل هي تسهيلات أم هناك شيء مخطط لنا، لكن نحن أخذنا جانب الأمان والتسهيلات، فدخلنا الحرم".

وقع الصيد في الفخ؛ كذلك كانت صورتهم بدخولهم المسجد الإبراهيمي والشروع بصلاة الفجر، ويستكمل عابدين "في الركعة الأولى عند السجود سمعنا إطلاق نار، توقّعت الأمر خارج المسجد، فحدثت بلبلة، ومع استمرار إطلاق النار رأيت أناسًا أمامي تسقط وتموت، فالتفت للخلف لأرى ما يحدث، فجاءتني رصاصة بالرقبة أفقدتني الوعي مباشرة".

عند تلك المحطة، قُلبت ساحة الإسحاقية في المسجد الإبراهيمي من مصلًى للعبادة إلى ساحة دم، قنابل ودوي رصاص، صياح وصراخ وآهات ووجع وزفرات موت، تكبير ورائحة بارود وأرواح تزهق، حتى اكتمل المشهد بالتفاف المصلين الذي نجوا من الموت حول قاتلهم فقتلوه بعد ضربه بإطفائية الحريق على رأسه.

انتهى ذلك المشهد بموت قاتل المصلين، ليبدأ مشهد الإسعاف ونقل الجرحى والشهداء في لوحة تجريدية متداخلة ومعقدة التفاصيل، التفاصيل الآنية في حينها والأخرى اللاحقة التي كانت أكثر وجعًا وتعقيدًا.

اقرأ/ي أيضًا: زليخة الخليل التي سجنت نفسها!

قبل التطرق لتفاصيل نتائج المجزرة وما بعدها التي عوقبت الضحية على إثرها، نعود لكمال عابدين الذي عادت إليه الحياة بعد ستة أشهر من الموت (فقدان الوعي)، فيقول: "استيقظت بعد 6 أشهر في المدينة الطبية بالأردن، شعرت أنّ المجزرة وقعت قبل يومين اثنين، نظرت لنفسي وحالتي، كانت رقبتي مفتوحة، لم أكن أتكلم، الأطباء نظروا إليّ وهم يظنّون أن أوتاري الصوتية قد قطعت، وبدأوا الحديث معي للتأكد إن كنت أسمع أم لا".

استمرت تلك المحاولات الطبية مع كمال عابدين لا سيّما أن إصابته قطعت الحبل الشوكي وأصابت الأوتار الصوتية، حتى تمكن من الحديث فسألهم: متى سأمشي؟ أخبروه أن سيفعل ذلك بعد حين. وبعد فترة أعاد كمال السؤال على الطبيب المختص، الذي طلب بدوره من الممرضين تهيئة الجو للحديث بين الطبيب ومريضه.

ويتابع عابدين رواية قصته: في مكتبه؛ قال لي الطبيب "بدي أحكي زلمة مقابل زلمة؛ إوعك (إياك) عمرك تفكر إنّك تمشي، بدك تفكّر بحياتك كيف بدك تعيش على كرسي متحرك".

الحقيقة أخذت كمال لمتاهة عميقة كادت أن تذهب بعقله، حتى استطاع تفهم الوضع "لا شك أن الوضع صعب، وتقبل الفكرة أصعب، لكن مع الفترة تغلبت على إعاقتي، فالاحتلال حاول أن يقعدني لكنّه فشل وحياتي الآن شبه طبيعية".

بالعودة إلى نتائج مجزرة الحرم، يعرّج عليها عابدين عندما استعاد بعض عافيته، وبعد خمسة أشهر أخرى من صحوته من الغيبوبة التي لازمته نصف عام "سألت عن الحرم وماذا حصل؟ والمحزن أنّه تم إغلاقه، وإغلاق البلدة القديمة، ونحن من عوقب بدل أن نأخذ حقّنا".

عقب المذبحة، أغلقت سلطات الاحتلال الحرم الإبراهيمي ستة أشهر، وشُكلت "لجنة شمغار" للتحقيق في حادثة المجزرة، والتي نتج عنها تقسيم المسجد، ليسيطر الاحتلال على 54% من مساحته، أمّا ما تبقى؛ فهو للفلسطينيين يُغلق في وجههم أثناء الأعياد والمناسبات الدينية اليهودية أو بذريعة "الأحداث الأمنية".

لم يقتصر ذلك على المسجد الإبراهيمي بل تجاوز ذلك إغلاق شارع الشهداء الرئيس الذي يربط شمال المدينة بجنوبها، بالإضافة لإغلاق مئات المحال التجارية، ثم البوابات الإلكترونية التي تتزايد مع كلّ عام، إلى جانب كاميرات المراقبة والحواجز التي يزيد عددها عن مائة حاجز في بقعة جغرافية تقدر بكيلومتر مربع واحد.

أمّا على الصعيد الشخصي لكمال عابدين، فقد واجهته صعوبات جمّة في الزواج، فتزوج بعد 13 عامًا من إصابته، غير أنّ العقبة الأكبر كانت موضوع الإنجاب لاسيّما أن إصابته قطعت حبله الشوكي.

"تأخرت في الإنجاب بسب الإصابة التي استهدفت النخاع الشوكي فتأثرت الحيوانات المنوية، لكنّي لم أيأس، استمريت في المحاولات وأجريت عدة عمليات حتى أنجبت طفلي "قسام" بعد عشر سنوات زواج"، قال عابدين.

بالعودة إلى "الحرم" والزيارة الأولى لكمال بعد الإصابة "أول مرة دخلت الحرم بعد الإصابة كانت مع المنتخب الأردني بعد خمس سنوات من الإصابة، كان الحرم مقسّم، وبعض المناطق بالحرم مُنعنا من دخولها لأنّه أغلق، فبكيت لأن وضعه يرثى له".

إصابة عابدين التي أقعدته، وتكاثر الحواجز والبوابات الإلكترونية قلّصت زياراته للحرم الإبراهيمي، فبعدما كان يرتاده يوميًا، أصبحت اليوم زياراته قليلة، حتى أنّها لم تتجاوز المرات السبع منذ إصابته.

في محطة أخيرة رصدناها في "الترا فلسطين" عن حياة كمال عابدين، فقد حصل على عدة ميداليات في البطولات العربية بلعبة تنس الطاولة كما يقول "أخذت الميداليات الذهبية والفضية، وآخر بطولة شاركت فيها في دبي عام 2013 وأخذت فيها فضيتين، وفي الأردن العام الماضي شاركت ببطولة النادي الوطني وأخذنا فضية الزوجي في تنس الطاولة".


اقرأ/ي أيضًا:

فلسطين الوحيدة أمام أبواق الممانعة والتطبيع

تعرّف على 3 من أبرز مراكز أبحاث القضية الفلسطينية

عايد علقم: حين تكون فلسطين محور الدراما عربيًا تتم محاربة إنتاجها!