31-أغسطس-2019

صورة توضيحية: آيات فرحات تلبس زي مشاريق نابلس

أذكر قبل مدّة سألني صَديق: "هل عندكم شيعة في عقربا؟"، أبديت تعجبني من سؤاله، فقال إنه مَرَّ بنسوةٍ في الطريق يتوشحن السواد ويلبسن لباسًا يُشبه لباس النساء في العراق، ولما تبينت منه ما رأى، قلت له: هذه الشالات السود أو عبي الجوخ، هذه من لباس النساء في قريتنا ومنطقة مشاريق نابلس عمومًا، ذلك أن النساء في منطقتنا لا يعرفن الثوب المطرز في جُملة الألبسة التراثية، والتطريز عندهن مُرتبط بقلّة العمل، "قلّة الشغل بتعلم التطريز".

النساء في مشاريق نابلس لا يعرفن الثوب المطرز في جملة الألبسة التراثية، والتطريز عندهن مرتبطٌ بقلة العمل

"مشاريق نابلس" المُنزوية على طرف الطريق شرقًا بين نابلس والقدس، والرابضة على السفوح الشرقية لجبال نابلس حيث شفا الغور، لها خُصوصيةٌ بيئيةٌ وثقافيةٌ واجتماعيةٌ تتجلى صورها في العادات والتقاليد والثقافة المطبخية، وكذا في تفرد المنطقة ببعض الأزياء والثياب التراثية، التي تعكس طبيعة المنطقة وجغرافيتها وأصول عشائرها وحمائلها.

اقرأ/ي أيضًا: صور | التطريز "شيفرا" في الثوب الفلسطيني

فلاحات منطقتنا مقدوداتٌ من التعب ومصنوعاتٌ من الجِد والعمل، وأغلب وقتهن كُنَّ يقضينه بالعمل في الأرض مع الرجال جنبًا إلى جنب، ولا وقت لديهن لصنع أثواب مُطرزة، ولذا كُنّ يلبسن الخُلكان المزركشة (جمع خَلَك) والمصنوعة من قُماش مُلون.

والخَلَك ثوبٌ واسعٌ مُريحٌ يتوسطه زِنّار الحرير (لشِداد)، وتحت الثوب يكون السروال (إلباس)، ويعتلي رؤوسهن المنديل أو الشالة البيضاء (الخِرقَة) التي يكون تحتها العصبة (عصابة الرأس)، فتبدو إحداهن كأنها اللؤلؤة المُقفلة، لا يظهر منها إلا وجهها وكفاها. وفوق ذلك كانت نسوتنا ترتدي ثوبًا ساترًا فضفاضًا يُسمى الشالة السوداء أو عباءة الجوخ، ترتديها كُلما خرجت من بيتها، ولا نزال حتى اليوم نرى بقية عجائزنا تلتحف بهذه العبي والشالات.

والثوب عمومًا -كما نعرفه شعبيًا- هو ما تلبسه المرأة ويستر كل جسمها من الكتف حتى القدم. وثوبنا الفلاحي في منطقة مشاريق نابلس متنوعٌ وأفضله الثوب الذي له رِدِن أو إردان، وهو لباس نساء الشيوخ والأكابر، تلبسه النسوة للوجاهة والدلالة على أنها من بيت عِز. وغالبية الأثواب الفلاحية في منطقتنا مُطرزة بالقصب الذهبي تطريزة خفيفة حول العنق وقليلاً من صدر الثوب.

"إردان" هو لباس نساء الشيوخ والأكابر، تلبسه النسوة للوجاهة والدلالة أنها من بيت عز

أما العباءة وجمعها عبي، فهي مما تتميز به منطقتنا، فالعبي ثوبٌ نسائيٌ من قماشٍ مُخملي كُحلي اللون، جميل النوع غالي الثمن، معروفٌ باسم "عبي الجوخ"، وكانت النّسوة تُفصلها تفصيلاً عند الخياطين، وهو عباءةٌ مفتوحة من المقدمة بشكل كامل وهي تشبه العبي التي يرتديها الرجال في المناسبات، إلا أنها تُلبس بوضعها على الرأس ثم تُسدل على الكتفين وتنسدل على طول الجسم، وهذه العباءة لا تُلبس إلا في المناسبات الرسمية كالأعراس والمناسبات الاجتماعية، أو أثناء السفر أو الذهاب للمدينة ونحوه.

اقرأ/ي أيضًا: مها تبحث عن ثوب قريتها المهجرة

ولبس العبي للنساء ليس جديدًا، ذلك أننا نُطالع قول ميسون الكلبية زوجة معاوية بن أبي سفيان بعد أن نقلها إلى قصره ورفهها وعاشت في دلال، فغلبها الحنين إلى البادية وإلى زيّها الذي كانت ترتديه فقالت:

ولُبسُ عَباءَةٍ وتَقَرَّ عيني .. أَحَبُّ إليَّ مِن لبسِ الشُفوفِ

أما الشَّالة وجمعها شالات فهي نوعٌ من العبي الواسعة، غير أنها مصنوعةٌ من القماش الأسود الخفيف، تُلقى على الرَّأس فتنسدل على الرَّقبة والكتفين وتنزل على طول الجسم تمامًا كعباءة الجوخ. ولهذه العباءة قصب (تطريز) أصفر خفيف عند رأسها، تلبسها الفلاحات كلما خرجن من بيوتهن إلى زيارة الجارات أو إلى الحقول والسهول، وهي في الأصل أقمشةٌ تأتي من الشام عبر تجار نابلس، أو تجار المنطقة الذين كانوا يأتون بالبضائع من حلب ودمشق.

تمتاز هذه الشالات والعبي بأنها ثيابٌ مُريحةٌ وواسعةٌ جدًا، وهي بسيطةٌ وسهلة اللبس وغير مُعقدة، تمامًا كبساطة الفلاحات اللواتي يرتيدنها. 

 وكانت هذه العبي والشالات محل تفاخر ومباهاة بين النساء، والحديث لا ينتهي عن نوعها وشكلها وحرير قصبتها الذهبية، وفي المثل: "الجوخ ملبوس الأمارة واللي ما يصدق يشتري".

ويفتخر أهالي قريتنا بأن نسائهم "لبّاسات الجوخ"، أو "لبّاسات الشّالات"، وفي المثل قولٌ طريف عن عادات لبس الجوخ: "لبسوه جوخ ظلموه، لا هو ملبوسه ولا ملبوس أبوه".

 وفي قريتنا عقربا كان يَستحيل أن تخرج المرأة من بيتها من غير لبسها لعباية الجوخ أو الشالة السوداء، ذلك أن الحشمة عندهن دينٌ وَمُعتقد، وكانت جدتي رحمها الله تقول: "لبس بنتك عباة ودخلها بيت الضباع"، أي أن اللباس المحتشم يحميها من الطامعين في جسدها، كما تعتقد.

في عقربا كان يَستحيل أن تخرج المرأة من بيتها من غير لبسها لعباية الجوخ أو الشالة السوداء، ذلك أن الحشمة عندهن دينٌ وَمُعتقد

وبالأمس القريب، كُنت أرى النُسوة اللابسات للعباءات السود المتدثرات بالحياء، وهن يَمشين في طرقات البلدة وكُلٌ منهن تضع شالتها السوداء على رأسها ساترة بها كل جسدها، حتى إذا صادفت رجلاً في الطريق انزوت جانبًا وأدارت ظهرها للطريق وسترت وجهها بشالتها، فصارت سوداء لا يُرى منها شيء، ثم إذا انصرف الرجال بعيدًا عادت لدربها ثم مضت في طريقها.

اقرأ/ي أيضًا: غزْل العروق: أثواب فلسطينية تروي حكايتها

وكانت النسوة إذا أغلقت الشالة على نفسها بكفيها لا يَرى وجهها أحد، وتستطيع أن تنظر هي من طرف شالتها الأمامي إلى الطريق، ولذا جاء التحذير النسوي من "السلوك غير المقبول" كما تراه بعض لابسات الشالات: "البنت الوقحة بتتطلع عَ الشباب من تحت الشالة".

 وفي الأعراس كانت النسوة تغني وتتباهى باللباس العربي المتثمل بالعبي والشالات المُقصبة بتطريز الذهب عن رقبتها:

طاحت تا ترقص بنت أمير العرب .. يا عباتها جوخ وقصبتها تلمع ذَهب

طاحت تا ترقص بنت أمير العربان .. يا عباتها جوج وقصبتها تلمع ذُهبان

***

 هزني بعباتك خيتي يا (فلانه) هزي بعباتك

واجاي ع دارك عقبال لولادك وأجي عَ دارك

هزني بعباتك خيتي يا (فلانه) هزي بعباتك

وأجي أغنيلك عقبال لولادك وأجي أغنيلك

***

ومنين أنا ومنين انت يا صبي .. وامك عقرباوية لبّاسة العبي

ومنين أنا ومنين إنت يا خاله  .. وامك عقرباوية لبّاسة الشالة

وكان الحاج سلامة النجم رحمه الله قد روى لي حكاية عجيبة أبصرها بنفسه حين كان يتحرك ورفقةٌ له من عقربا عام 1948 مع جيش الإنقاذ على الحدود الشمالية لفلسطين، قال: "جينا عَ قرية على حدود سوريا واحنا موجهين، وإنه (وإذ) في مرة (امرأة) لابسة شالة زي شالات نسوانا (نساءنا)، قُلت للي مَعي هذه المره من بلدنا، صاروا يضحكوا عليّ! شو بده يجيب نسوان عقربا هان! وقفتها وقلت لها: يختي احنا من عقربا من وين انتٍ بلا مُؤاخذة؟ المَرَة صَفنت ونزلت الدمعة من عينها، وقالت أنا من أودلة، يا حياكم الله". وأودلة قريةٌ صغيرة في مشاريق نابلس، لا تبعد كثيرًا عن عقربا. والشاهد هُنا هو تميز نسوة منطقتنا بلبس الشالات والعبي.

وهذا النوع من اللباس المُتفرد لمنطقة مشاريق نابلس بشكل أساسي يدفعنا للبحث عميقًا حول جذور الملابس العربية الباقية في المنطقة. فالملابس المحلية ليست نمطًا واحدًا وقالبًا جامدًا، ذلك أننا قد نجد فيها أشياء قديمة وحديثة ومحلية ودخيلة، فالأزياء تتأثر بمحيطها وتؤثر فيها الهجرات والانتقال من بلد لبلد، والتواصل الحضاري والتتابع التاريخي لحضارات بلاد الشام، وهو أمرٌ جديرٌ بالملاحظة والاهتمام لأنه في صلب مكونات هويتنا وشخصيتنا.


اقرأ/ي أيضًا: 

صور | كيف تجمّلت نساء فلسطين قبل النكبة؟

الفلاحات مطينات البيوت

شقائق النعمان.. أسطورة الدم والحب