أسعار العملات
الدولار الأمريكي
سعر الشراء 3.22
سعر الصرف 3.22
الدينار الأردني
سعر الشراء 4.53
سعر الصرف 4.55
اليـــــــــــــــــورو
سعر الشراء 3.78
سعر الصرف 3.78
إرث المعركة.. فدائيو الواد الأحمر

إرث المعركة.. فدائيو الواد الأحمر

6049 مشاهدة
صورة أرشيفية لمقاتلين في الثورة الفلسطينية في سبعينات القرن المنصرم - gettyimages

عصر يوم الخميس 25 تموز/يوليو 1968، صدرت التعليمات الأخيرة من آمر قاعدة التجمع لقائد دورية العمق "أمين" بالتحرك من شرق السلط - حيث القاعدة العسكرية - إلى معسكر للجيش الأردني على ضفاف نهر الأردن، حيث يفترض العبور عبر أحد المخاضات إلى الشرق من منطقة الجفتلك؛ لتنفيذ مهمة نوعية تنتظرهم تفاصيلها في المحطة الأولى في مشاريق نابلس.

في المعسكر الأردني، على مقربة من النهر كان في وداعهم الأخير قائد الثورة الفلسطينية ياسر عرفات، والنقيب سمير النابلسي قائد المعسكر. قبل التحرك عانقهم قائد الثورة وربت على أكتافهم وأكد لهم أنه قريبًا سيكون معهم في الأرض المُحتلة.

 9 فدائيين عبروا نهر الأردن إلى الضفة الغربية، بتاريخ 25 تموز 1968، لتنفيذ عملية في مشاريق نابلس عُرفت لاحقًا بمعركة الواد الأحمر

مع غروب الشمس وانسدالها خلف جبال فلسطين الوسطى، ألقى الفدائيون التسعة نظرة الوداع نحو الشرق وعبروا غربًا خلف خُطوات الدليل أحمد سالم في ثلاث مجموعات صغيرة، بين كل مجموعة والأخرى نحو عشرة دقائق، والوجهة فلسطين.

اقرأ/ي أيضًا: معركة الصوانة: ثمار انتصار الكرامة

يستذكر الأسير المُحرر عبد العزيز طه (68 عامًا) تلك اللحظات قائلا: "بصعوبة بالغة استطعنا اجتياز الأسلاك وحقل الألغام، ذلك أن الليل كان شديد العتمة ولا يرى أحدنا شيئًا أمامه، وليس بإمكاننا أن نشعل أي إنارة مهما كانت صغيرة. حاولنا عبور الطريق الرملي بشكل عكسي كأننا نخطو نحو الشرق حيث الأردن، وما أن اجتزنا الحدود وتأكد قائد الخلية أن الفدائيين وصلوا بسلام حتى صدرت التعليمات منه بالإسراع لاجتياز الشارع المُعبد والمضي جنوبًا حيث التلال الصخرية الوعرة لنصل لباب الواد الأحمر، ومن هناك سيقودنا الدليل أحمد سالم غربًا حيث قرية عقربا المحطة الأولى التي منها سننطلق لتنفيذ المهمة العسكرية التي كنا نجهلها حتى تلك اللحظة".

كانت أجواء شهر آب/أغسطس شديدة الحر، والفدائيون مُحملون بأمتعة ثقيلة ويمضون على عجلٍ من أمرهم نحو الواد الأحمر، قبل أن ينتبه جيش الاحتلال لخطواتهم على الطريق الرملي فيسارع إلى ملاحقتهم.

لم يكن هناك وقت للتوقف والتأكد من مسلك الطريق، ولذا وجد الدليل نفسه غير قادر على التمييز بين المعالم لشدّة الظلام، فمضى ورفاقه بلا توقف على أقصى يمين السهل الواقع شمال فصايل، والمعروف لدى الأهالي باسم "المُسَطَّرَة"، وهناك لم يكن أمامهم أي طريق إلا الذهاب باتجاه منطقة "سد حريز" حيث مُعسكر مهجور الجيش الأردني، مخفي بين تلال صخرية صغيرة متناثرة في المكان.

كان جيش الاحتلال - آنذاك - قد بدأ بعمل تدريبات ومناورات في الأغوار مُستخدمًا المعسكر الأردني المهجور، وهذا ما لم يكن الفدائيون يتوقعونه.

يصف المُحرر طه تلك اللحظات قائلاً: "عند منتصف الليل وجدنا أنفسنا في الطرف الشمالي لمُعكسر لجيش الاحتلال فيه دبابات وخيام وبعض الغرف، وحركة للجنود الذين انتبهوا لنا من بعيد، ولم يكن هناك وقت للتفكير بمسلك الهرب، وقبل أن نأخذ قرارنا كانت سماء المُعسكر بدأت تُضاء بالإنارات وبدا واضحًا أننا وقعنا في يد الاحتلال".

كان الجيش في تلك اللحظة مُرتبكـًا وخائفـًا ولم يتوقع أن يكون الفدائيون في وسط الخيام وبين الدبابات، ولذا تأخرت ردّة فعلهم قليلاً ولم يبدأ إطلاق النار مباشرة صوبهم. وكان الرصاص الأول الذي أُطلق في هذه المعركة هو رصاص الفدائيين الذين قرروا أن يغيروا الخطة كُليًا.

"فدائيو الواد الأحمر" وجدوا أنفسهم بين خيام جيش الاحتلال في معسكر أردني مهجور، وبادروا بإطلاق النار

كان على القائد "أمين" أن يُصدر تعليماته التي لا تقبل النقاش في هذه اللحظة، وكانت التعليمات واضحة: إطلاق الصواريخ والقذائف نحو الدبابات والانسحاب من طرف المعسكر جنوبًا لا غربًا حيث الواد الأحمر والطريق المُفترض للخلية أن تسلكه نحو قرية عقربا.

اقرأ/ي أيضًا: معركة القعدة: أبناء النكبة يقولون كلمتهم

خلال ثوانٍ معدودة وبينما كانت الإنارة تُضيء سماء المعسكر، وأصوات الجنود تعلو، وبدا واضحًا أنهم يستعدون للمعركة، أطلقَ الفدائيون نيران أسلحتهم نحو مجموعة من الدبابات، حيثُ أُطلقت ثلاثة  صواريخ "روك رانشر" كتف محمول (3.5 انش)، وقذيفتا "أر بي جي"، وهي كل ما بحوزتهم من قذائف صاروخية.

 وفي لحظة انشغال جيش الاحتلال بهذه الضربات، انسحب الفدائيون نحو الجنوب مع كتف سهل "سد حريز" وسط ظلام شديد وأرض وعرة وحالة من الإرباك والتوتر. وهنا انقسم الفدائيون  لثلاث مجموعات متساوية العدد، تتحرك كل منها منفردة حتى لا يفقدوا بعضهم البعض، إذ صارت المعركة أمرًا مُحققًا لا مفر منه، ولا ينفع مواصلة الهروب في جغرافيا مجهولة لهم ومكشوفة للاحتلال، ولذا عليهم الاختباء في مواقع تتناسب والمعركة قبل طلوع الفجر.

تمركزت إحدى المجموعات الثلاث في كهوف وتجاويف صخرية تعرف محليًا باسم "عُرقان الصوانة" في مدخل واد وعر يُسمى "واد زمور". فيما صعدت المجموعة الثانية نحو كهف مُرتفع في كتف الجبل المشرف على الواد. أما المجموعة الثالثة فواصلت الجري باتجاه جنوب شرق الواد لتتمركز بين مجموعة صخور مُرتفعة مُشكلة تجاويف صغيرة تحجب الأنظار عما خلفها تُسمى "قلع الصوانة".

خلال تلك الساعات بدأ جيش الاحتلال في البحث عن الفدائيين، وتحركت آلياته ودورياته نحو الغرب، وحلقت في السماء عدد من المروحيات، كما تحوّلت المنطقة الشرقية لقرى (عقربا، مجدل بني فاضل، دوما) إلى ساحة تفتيش وبحث عن الفدائيين.

عند الساعة السابعة صباحًا بدأت الطائرة تحوم في المنطقة التي يختبئ في محيطها الفدائيون، إذ يبدو أنهم فتشوا كل محيط المنطقة ولم يجدوا أثرًا لهم، الأمر الذي دفعهم للبحث عنهم في "عراق الصوانة".

بدأت الدبابات بالتقدم ومعها حاملات صواريخ يتبعها جنود مُشاة بأعداد كبيرة، ثم عادت الطائرات تتحرك في المكان إلى أن هبطت إحداها على قمة الجبل القريب من الواد، كما يسرد الأسير المُحرر طه. ولم يطل الأمر حتى نادت السماعات عليهم بالاستسلام، وهذا لم يكن واردًا عند الفدائيين، وهنا فُتحت أبواب الجحيم على كل شيء في الجبل.

 يقول المُحرر طه: "بدأت المدفيعة وحاملات الصواريخ تصب جام غضبها على المغر والكهوف وتدمرها، كنت أشاهد ورفاقي تطاير الصخور وردم الكهوف على ما فيها. وأعتقد أن مجموعة من الفدائيين قتلوا تحت الردم بسبب هدم الكهف عليهم. ثم تلا ذلك الاشتباك بالأسلحة الخفيفة التي لم يخفت معها صوت المدفعية".

 كان جيش الاحتلال يتحرك نحو باب الواد كما يشير تصوير فيديو مُعد من قبل قيادة الجيش لتوثيق هذه المعركة النوعية، إذ كان يعتقد أن الفدائيين متمركزين هناك، ولذا تحرك على مقربة من الصخور التي يختبئ بها ثلاثة من الفدائيين هم: "أبو النور"، و"أمين"، وعبد العزيز طه، الأمر الذي منحهم فرصة جديدة للمباغته وإطلاق ما معهم من قنابل بشكل مباشر على الجنود وآلياتهم، ليبدأ بعدها الاشتباك الثاني الذي انتهى باستشهاد اثنين وإصابة الثالث وفقدانه للوعي.

عند الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي (الجمعة 26 تموز) كانت نيران المعركة قد خمدت، وحملت جروحًا وآثارًا لن تُنسى. وهنا يقول الراوي وأحد أطراف المعركة: "أفقت من الغيبوبة في معسكر الجيش، وحُملت على نقالة لإحدى الغرف، وكان أمامي 10 جُثث وضعت في أكياس سوداء، فتحت لي واحدة تلو الآخر كي أتعرف عليها، وأنا أُنكرهم جميعًا، وعندما فُتح الكيس التاسع أبعدوني عنه فورًا وما لمحت إلا رتبةً عسكرية على كتف القتيل".

أسفرت معركة "الواد الأحمر" عن مقتل ضابطين كبيرين، واستشهاد 8 فدائيين، واعتقال التاسع

أخذت المعركة صدى إعلاميًا كبيرًا، وسارع رئيس أركان جيش الاحتلال لمقابلة الأسير الناجي من الموت، ليسأله عن الذين كانوا معه وإلى أين كانت وجهتهم. ثم قُدم الأسير للمحاكمة بتهمة "الانتماء لمنظمة إرهابية والمشاركة في قتل العقيد أرييك رجيف"، وهو قائد لواء وادي الأردن في جيش الاحتلال، والضابط جاد مانيلا قائد سلاح المدفعية، وقد حُكم عليه لاحقًا بالسجن المؤبد مرتين، قبل أن يُعانق الحرية مُحررًا في صفقة تبادل الأسرى عام 1985.

تتحدث أديبات جيش الاحتلال ومواقعه الأرشيفية عن القتيلين في هذه المعركة، وكيف قُتلا بعد أن تملكهما اعتقاد أنهما نجحا في القضاء على الفدائيين، فتقدما "بشجاعة" نحو الكهف ليجدا الموت بانتظارهما من قنبلة أحد الفدائيين.

بعد 50 سنة من تلك المعركة واستشهاد الفدائيين الثمانية يُطرح السؤال: من هُم هؤلاء الشهداء؟ وأين جثامينهم؟ وهو ما سنُطلعكم عليه في الجزء الثاني من توثيقنا لهذه المادة.


اقرأ/ي أيضًا:

معركة الدريجات: قاتلوا حتى نفدت ذخيرتهم

فيديو | معركة جنين.. "كانت أيام عز"

معركة جنين 48: العراقيون يفتدون فلسطين