12-ديسمبر-2017
عقربا

إبان انتفاضة الحجارة، أعلنت عقربا وقرى أخرى في الضفة الغربية أنها محررة من الاحتلال، ويمنع على جيشه دخولها

قال الراوي: "لما سقطت الضفة الغربية بيد الاحتلال الإسرائيلي عام 1967، دخل شاب دجني (من قرية بيت دجن) على والدته المُقيمة في مدينة الزرقاء عابس الوجه! فسألته ما بك؟ فقال لها: "يا حجّة سقطت الضفة الغربية". فقالت والدته باستغراب: "وعقربا أم السبع حمايل؟ فرد الرجل على أمه: "يمّا الضفة كلها سقطت"؛ فأعادت الأم كلامها باستغراب: "ولْ عقربا إم السبع حمايل احتلوها اليهود!".  لاحقاً صارت مقولة هذه العجوز نكتة يتناقلها الناس في مشاريق نابلس عن عقربا، إذ كيف احتلها اليهود وفيها سبع حمايل.

 لم تكن تلك الحادثة الوحيدة التي تتحدث عن احتلال عقربا جنوب شرق نابلس، إذ تكرر الحادث في بدايات الانتفاضة الأولى وتحديداً في شهر شباط/فبراير من العام 1988 بعد 3 شهور على اندلاع الانتفاضة.

قرر تنظيما البلدة (فتح وحماس) إعلان عقربا بلدة مُحررة يُمنع على جيش الاحتلال دخولها، وتسارع الأهالي لتأييد القرار والتفاعل معه، وصارت البلدة تُعد نفسها لصد أيِّ هجوم من قبل جيش الاحتلال

 مع اندلاع شرارة الانتفاضة الفلسطينية الأولى، انتفاضة الحجارة، مُنتصف كانون أول 1987، وتسارع التنظيمات الفلسطينية والجماهير الشعبية لتأجيج نار العمل الكفاحي ضد الاحتلال الاسرائيلي، وبدء حاله من الغليان الثوري في كافة التجمعات الفلسطينية، سطع نجم المُلثم الفلسطيني كمارد خرج من قُمْقُمه، وصار للمُلثمين الكلمة الفصل في شتى نواحي الحياة الاجتماعية واليومية، وصارت المرحلة توصف بأنها: دولة المُلثمين.

 خلال الأيام الأولى من انتفاضة الحجارة تقدم مجموعة من المُلثمين ليقرأوا أول بيان عبر مكبرات الصوت في بلدة عقربا، حمل اسم حركة المُقاومة الاسلامية، داعين فيه للجهاد والنفير ضد الاحتلال الاسرائيلي، الأمر الذي فعله مُلثمون آخرون حين علا صوتهم يُعلن مواصلة الثورة حتى النصر، وجاء التوقيع باسم حركة التحرير الوطني الفلسطيني- فتح.

مضت الشهور الأولى للانتفاضة في بلدة عقربا بالتوازي مع بقية المناطق الفلسطينية؛ أشبه ما تكون بحالة العصيان المدني، وتعالت صيحات الثورة، وخرجت الجماهير للشوارع في صناعة الفعل المُقاوم، وكثرت المتاريس على الطُرقات وصارت المواجهات شبه يومية بين الشبان وجيش الاحتلال، وأصبح مشهد المُلثمين الذين يجوبون شوارع البلدة مُعلنين قراراتهم وتالين بياناتهم ومُستعرضين قوتهم مألوفاً لدى الأهالي، بل صار المُلثم رمز المرحلة الثورية داخل الأرض المُحتلة؛ بعد أن كان المُلثم رمز الكفاح والنضال في الثورة الفلسطينية التي تقود النضال من خارج الأرض المُحتلة، وسارع شباب القرية للانخراط في العمل الثوري مع التنظيمات التي أصبحت صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة خلال أيام الانتفاضة.

وبالعودة إلى حادثة شهر شباط، قرر تنظيما البلدة (فتح وحماس) إعلان عقربا بلدة مُحررة يُمنع على جيش الاحتلال دخولها، وتسارع الأهالي لتأييد القرار والتفاعل معه، وصارت البلدة تُعد نفسها لصد أيِّ هجوم من قبل جيش الاحتلال، وذلك تماشياً مع عشرات القُرى التي أعلنت نفسها مُحررة يُمنع على جيش الاحتلال دُخولها.

 وكي يُحافظ الشباب على الاستقلال، نصبوا المتاريس على مداخل البلدة، وتم تقسيم الشباب حسب حمائلهم ومناطقهم الجغرافية للدفاع عن المداخل والطرق المؤدية للبلدة، ونُظمت مُناوبات الحراسة ليلاً ونهاراً، وقد حدثت عدة مواجهات على مداخل البلدة خلال هذه الفترة، تمكن الشباب خلالها من صد آليات الجيش، في بسالة لا مثيل لها، مما دفع الأهالي جميعاً للمشاركة في مُناوبات الحراسة والإسهام في تعزيز الحالة الثورية التي أعلنت عن استقلال البلدة.

وصارت الأخبار تنتشر عن اقتحام الجيش للقرى التي أعلنت نفسها مُحررة بأعداد وقوات كبيرة، مُستخدمين قوة مفرطة ووحشية لا مثيل لها في مواجهة الأهالي، لإنهاء حالة العصيان المدني، الأمر الذي دفع أهالي البلدة للإعداد للحظة المواجهة.

يستذكر الأسير المُحرر جهاد بني جامع، أحداث تلك الفترة مبيناً أن العمل كان شبه علني و"ع المكشوف"، حيث كانت صناديق المولوتوفتنتقل بشكل عادي حول المسجد، الذي  كان غُرفة العمليات ومركز الانطلاق، ولعل ذلك لكثرة الناس الذين يُشاركون في العمل والإعداد لهذه المواجهة، مما قتل الخوف في نفوس الأهالي.

صار شُغل الشباب في البلدة تجهيز قنابل المولوتوف (الزجاج الحارق) وتخزينها في الحارات، استعداداً للحظة المُواجهة، حتى أنه بلغ عدد قنابل الملتوف المُعدة أكثر من 600 زجاجة، وبقيت البلدة على هذا الحال حتى يوم 17 شباط/فبراير 1988، وهو اليوم الذي قيل عنه (يوم احتلال عقربا)، وكان يوماً مشهوداً لا مثيل له في ذاكرة البلدة.

يصف بني جامع تلك الليلة قائلاً: "صلينا العشاء في مسجد البلدة، وبعدها جلس كبار السن (الختيارية) في ساحة المسجد (الحضير) وبدأوا يغنون أهازيج الحرب التراثية، وكانت أهازيح حماسية تبث الشجاعة وتحث على القتال والاستبسال في الإقدام، وقد شحنت تلك الأهازيج شباب البلدة، ودفعتهم للمضي إلى رباطهم على مداخل البلدة".

كانت الأجواء ليلتها أشبه ما تكون بمعسكر يستعد لمعركة فاصلة، الشباب في جيئة وذهاب، وأصوات تنبعث من هنا وهناك، والنيران توقد على أطراف البلدة، والطرقات مُغلقة بالمتاريس، والناس تستعد لمعركة تكاد تُدق طبولها.

وعبر مُكبرات الصوت في مسجد البلدة بدأت أغنية (قسماً بالله الجبار) تصدح في كل الأزقة والحارات، وبعد أن تردد صوت الأغاني الحماسية عبر مكبرات الصوت؛ أقبل العشرات من الشيوخ والشباب وانتشروا مع المُرابطين استعداداً للمعركة التي قُدر أنها ستكون الليلة، حيث شوهدت حشودات بالقرب من البلدة.

بعد أن تردد صوت الأغاني الحماسية عبر مكبرات الصوت؛ أقبل العشرات من الشيوخ والشباب وانتشروا مع المُرابطين استعداداً للمعركة التي قُدر أنها ستكون الليلة

وعند الساعة الثانية فجراً، بدأت الجموع تخف والحركة تسكن تدريجياً في شوارع البلدة لاعتقادهم أن الأمور مضت بسلام في هذه الليلة، فيما بقيت مجموعات الحراسة على مداخل البلدة تراقب وترابط مُتدفأة بمواقد النار التي أشعلتها في ليلة باردة شديدة الظُلمة.

وصلت أول الأخبار عن تحرك لمئات الجنود المُشاة نحو القرية عبر منطقة ملئية بالزيتون، فأعلنت قيادة التمرد عبر سماعات المسجد نداءها للاستعداد للمعركة، وأخذ الحيطة والحذر، وصارت الهتافات ونداءات الحماسة تُبث من جديد لتحفيز الناس على المواجهة. وما هي إلا دقائق بعد النداء عبر مكبرات الصوت، حتى بدأ جيش الاحتلال بإطلاق النار من كُل الجهات مُتقدما نحو البلدة، وهنا بدأت المعركة.

بعد أقل من دقيقة من دَوي صوت الرصاص، صارت السماء كأنها شُعلة مُضيئة تتطاير فيها قنابل الملتوف والزجاجات المُشتعلة تجاه الجنود، وأطلقت القنابل المُضيئة ولمعت رصاصات الجيش كالجمر في الهواء، وعلت صيحات التكبير، وبدأت سماعة المسجد بلعب دور الحرب الإعلامية وبث روح الحماس في الشباب المُنتفضين والمدافعين عن بلدتهم المُحررة والمُحرمة على جيش الاحتلال.

 بدأ الجيش يتقدم من أربعة محاور مُحاولاً السيطرة على البلدة، دون أن تتقدم أي سيارة عسكرية لأن الطرق مُغلقة بمتاريس وحجارة، ودخول أي سيارة يعني إحراقها. حدثت معارك حقيقية بين الشبان والجيش، واستمرت المواجهة لأكثر من ساعتين، قبل أن يبدأ الجيش باستخدام القوة المُفرطة في التقدم نحو وسط البلد، حيث تدور أعنف المواجهات بالحجارة والمولوتوف للحيلولة دون سقوط منطقة المسجد والإذاعة التي تبث التكبيرات والأغاني الوطنية ونداءات الجهاد.

استمرت المعركة في محيط المسجد لأكثر من ساعة، والجيش يُحاول بكل الطرق اقتحام المسجد والوصول إليه، لأن إسكات صوت المُسجل يعني انتهاء حالة التمرد والعصيان، وسقوط البلدة بيد جيش الاحتلال.

ومع ساعات الصباح الأولى؛ تمكن الجيش من اقتحام المسجد وإيقاف صوت المُكبرات، وبدأ البحث عن آخر المُقاتلين الذين أداروا هذه الحرب الإعلامية، وبعد تفتيش للمسجد تبين للجيش أن شخصين يختبئان على قمة المأذنة، أحدهما كان الشيخ غالب ميادمة "أبو القعقاع"، رئيس بلدية عقربا الحالي، الذي تم اعتقالة وتعذيبه حتى فقد الوعي.

بعد أقل من دقيقة من دَوي صوت الرصاص، صارت السماء كأنها شُعلة مُضيئة تتطاير فيها قنابل الملتوف والزجاجات المُشتعلة تجاه الجنود

وما هي إلا ساعات حتى بدأ الجيش يداهم البيوت والحارات ويعتقل من يجده من الشباب، ممن لم يتمكن من الفرار إلى الجبال بعد المواجهات، وقد جمع المئات في ساحة الملعب وسط القرية وفيهم المُصاب والمريض وكبير السن، ومخاتير القرية ووجهاؤها، وكان غالبية الشباب يئنون من الوجع بسبب ضرب الجيش المُرفط لهم، وما لاقوه من تعذيب لحظة اعتقالهم من البيوت أو أثناء المواجهات.

قبل حلول وقت الظهيرة، كان شباب القرية قد نقلوا عبر سيارات الجيش إلى مبنى العمارة في نابلس، لتبدأ رحلة التحقيق والسجن ثمناً لحرية بلدهم، فيما أعلنت إذاعة جيش الاحتلال صبيحة اليوم التالي، أن 2000 جندي اقتحموا بلدة عقربا، وقد تم اعتقال العشرات من شبان البلدة، وبذلك تكون القرية قد احتلت رسمياً بعد تحررها لقرابة ثلاثة أسابيع في الانتفاضة المجيدة.