أسعار العملات
الدولار الأمريكي
سعر الشراء 3.57
سعر الصرف 3.60
الدينار الأردني
سعر الشراء 5.03
سعر الصرف 5.08
اليـــــــــــــــــورو
سعر الشراء 4.17
سعر الصرف 4.20

"ستّة أيّام" نبوءة بركات: الهزيمة وما قبلها

724 مشاهدة
صورة أرشيفية: قوات الاحتلال تقتحم المسجد الأقصى بعد احتلال القدس كاملة - (gettyimages)

"أن تستسلم دير البحر أو تُمسح عن وجه الأرض".

المدينة منشغِلة بالرّقص والغناء على وقعِ الغناء الشعبيّ والدبكة في ساحة المدينة، بضعة "مجاهدين" يتمرّنون على إطلاق النّار من بنادقِ بالية، علاقة غراميّة بالكادِ تُبصِرُ النّور حتى تبتلعها عتمة السّجن، أسئلة عن الحداثة والتقاليد، هل نستطيع أن نحبّ في زمَنِ المجزرة؟ هل بالإمكانِ النّظر إلى المستقبل والتأمّل فيه ولو قليلاً؟ وفَحص الموروثِ والتمرّد عليه عندما يكون الأعداء على الأبواب يهدِّدون المدينة بالإبادة؟ شجرةُ السنديانِ لا تزالُ في مكانها، و"سهيل" يستند إلى جذعها يتأمّل بلدته "دير البحر" من بعيد، يسألُ نفسهُ لماذا تحدّث بتلك الطّريقة، لماذا دَافعَ عن الموت كسَبيلٍ وحيدٍ، أتراه انجرَفَ بحماسَتهِ، يقولُ لنفسه إنّه حينما يتكلّم الخَطيب يُخبِرُ النّاس ما يريدون سَماعه. تصلُني أصداءُ صوت أحمد سعيد، "هنا القاهرة.. إن طائراتنا تقصفُ الطائرات الإسرائيليّة وهي على الأرض"، كانت الحقيقة غير ذلك، غير ذلك، وكان عبد الناصر نفسه آنذاك، يُهاتفُ الملك الراحل حسين، يخبرهُ الكلام ذاته، هل كانوا يخبرون حتّى ناصر نفسه ما كان يرغب بسماعه؟

رواية "ستة أيام" تكتب تفاصيل ما قبل الهزيمة اليومية اللامرئيّة، وتكتب الهزيمة نفسها

إنّه اليوم الأوّل في رواية "ستة أيام"، وهو اليوم الأوّل نفسه في الحرب، في عام 1961، يوم الإثنين في الرواية، الخامس من حزيران عام 1967، يوم الإثنين في الحرب، إسرائيل تقصفُ الطائرات المصريّة وهي على الأرض، والسوريّة والأردنيّة وحتى العراقيّة، وبلدة "دير البحر"، في الرّواية، ترقصُ ويطربُ أهلها على وقعِ دبكتهم الشعبيّة، يسمعون الرّاديو مثلَهُم مثل أهل القاهرة، ويسمعون المذيع العربيّ وهو يخبرهم أنّ العدوّ صار قاب قوسين أو أدنى من الزّوال، وما علَينا إلّا رميَهُم في البحر.

دير البحر تغمرُها الحماسة، كدمشق، كعمّان، كالقاهرة، وكالقدس وغزّة، كانت مدُنًا تشتعل بالحماسة، كانت مدُنًا يُحضِّرُ لاجئوها أكياسهم وحقائبهم للعودة ويتسلّحون ببنادقهم لمعاونة الجُيوشِ للانتهاء من هذا العدوّ مرّة واحدة وإلى الأبَد. مرّ اليوم الأوّل، لم يصِل أحد، لا أحد. والثاني، لا أحد. والثالث، لا أحد. خرجَ بعض المجاهدين من بلدة دير البحر، للوصول إلى الذخيرة من خارج البلدة للدفاع عنها. خرجوا وعاد منهم تسعة شهداء وخمسة أحياء يحملون جثث رفاقهم. لم يصل شيء. لا ذخيرة، لا بنادق، ومن تمّ الاتفاق على أنّ يجمع الأموال من البلدة لشراء السّلاح، أخذَ الأموال وهرَب، وذلك الذي كان يجِبُ أن يعود من لقاء مع رئيس أركان "الدولة الشقيقة المجاورة"، تمّ التبليغ عنه على الحدود واعتُقِل.

اقرأ/ي أيضًا: فيديو | "وثائقيات حزيران".. هزيمة بلا قتال

سهيل، اعتقَلوه وعذّبوه، كان يجب أن يعترف بما حصَلَ في اجتماعه مع رئيس الأركان، إلّا أنّه رفض الاعتراف، وأصرّ على الكتمان تحتَ التعذيب. ترافقه صورة ناهدة، حبيبَتهُ التي تركها وبينهما موعد في السادسة مساءً، كانت تنتظرهُ بعدما سلّمت نفسها إلَيهِ كلّيـًا بالأمسِ لأوّل مرّة، ولأوّل مرّة، مضَى في جسَدِها يُزيلُ عنه طبقات غُبارِ سنينٍ من الخُضوعِ والحَبسِ المنزليِّ والحَبسِ في الموروثاتِ التقليديّة.

كانت ناهدة ابنَة شهيدٍ قدَّسته البلدة وبنَت لهُ تمثالاً في وسَطِ الساحة، ذات الساعة المتوقّفة عقاربها عن العمل، كما الزّمن في البلدة. فكان على ناهدة أن تُجسِّد تلك القداسة، ما كان يجبُ أن تُحبِّ أحدًا أو تُحَبْ، إنها منذورة لتلك القَداسة ولا تستطيعُ تجاوزها. اختنقَت تحت رُكام القداسة ذاك، واختَنَقَ سُهيل من تلك القداسة. كان مُختنقـًا من كلّ شيء، التقاليد، العفَن الذي يملؤ شوارع البلدة الضيّقة، التمسُّك بالموروثات، الهرَب من الحقيقة، تفضيل النفاق على التمرّد؛ نتزوّج، يقول، نتزوّج وأعتنق ديانتك رغم إلحادي وهكذا، هم يفضِّلون النفاق على التمرّد، هل تتزوّجيني؟

لا يتزوّجان. فهو الآن في السجن، وهي على وشَكِ الهرَبِ مع أهلها من المَدينة. في اليومِ السادسِ، في باحة السِجن، يأتي الضابط على سهيل الذي أهلَكَهُ جنديٌ في رفع حجرٍ من مكانه وإعادته إلى مكانه مرّة أخرى من دون توقّف: "كفى!"، قال الضابط، "لا حاجة لاعترافه.. تعال معي". أخذه إلى أعلى السجن، أترى تلك النيران هناك؟ أين؟ هناك؟ قال الضابط، لذلك لا حاجة لاعترافك. كانت دير البحر تحترق.

اقرأ/ي أيضًا: فدائيات في سجن السرايا.. ذاكرة سوداء

وفي أماكن كثيرة من الرّواية، صوّر بركات مشاهدَ فظيعة، امرأة حامل يُبقَرُ بَطنُها، بيوت تنهار فوق ساكنيها، بضعة مجاهدين يختنقون تحت ركام المنازل. كلُّ تلك الحماسة، كلُّ تلك الرغبة الموت ومواجهته، كلُّ تلك الشعارات، كلُّ ذاك الهراء! انطفأ صوتُ الرّاديو إذن. انطفأت كلُّ الأصوات، وما عادَ يُسمع شيئًا سوى أنين الذين ما زالوا أحياءً تحت ركام المنازل ينزفون آخر ما تبقّى من أرواحهم ودمهم.

بقي سهيل حيـًا في سجنه، وربّما لن يكون هنالك فرقٌ لدَيه. قبل سجنهِ، كان عائدًا وهو مفلسٌ من أوروبا إلى بلدته. كان مغتربًا تمامًا، ليسَ عن نفسهِ وحَسب، بل عن بلدته، وعن تلك الأمكنة التي عاشها من قبل. "لا يريد أن يذوب.. لا يريد أن يستقر.. لا يريد أن ينفصل.."، لا الذوبان في المكان ولا الانفصال عنه، لا الاستقرار فيه ولا الضّجر منه. كان المتشائم المُتمسّك بالأرض، الذي يُصرُّ على "عبور المَوتِ" حتى وإن كان عبورًا عبثيًا. أما فريد صديقه، فكان العربيّ الذي لم تلوّثه الثقافة، كما لَم يلوّثه الموروث، كان يعرفُ الأرض كما يعرف راحة يده، يعرفها فتكفيه معرفتها. يُقاتل، فيَموت، لا شيء غير ذلك.  

الموت، الجنس، الثقافة، الاغتراب، الهزيمة، الحزب، السجن، الحرية، التقاليد، التمرّد والثورة، الحقيقة والوهم، هذه مفردات رواية "ستة أيام" الأساسيّة

الموت، الجنس، الثقافة، الاغتراب، الهزيمة، الحزب، السجن، الحرية، التقاليد، التمرّد والثورة، الحقيقة والوهم، هذه مفردات رواية "ستة أيام" الأساسيّة وشغل شخصياتها الشاغل، من سهيل، إلى فريد، إلى ناهدة وغيرهم. رواية "ستة أيام" تكتب تفاصيل ما قبل الهزيمة اليومية اللامرئيّة، وتكتب الهزيمة نفسها. للبلدة ساعة ضخمة، عقرباها الكبيرين متوقّفين عن العمل، تتكرّر هذه العبارة حتّى تؤكّد على تمزّق هذا الزّمن، رغمَ أنّ الرّواية ببنائها الروائي، ذات سرديّة واضحة زمنيًا، إلّا أنّ هذا كلُه يَجري خارج الزّمن، البلدة خارج الزمن، البشَرُ، الموت، وحتى لحظات الحب والجنس لحظات مسروقة لتعبئة الفراغ الكامل، وحدها الهزيمة كانت داخل التاريخ والزمن، ولكن ليس زمن البلدة، بل زمن العدوّ.

بعد سنواتٍ تحقَقت نبوءة حرب الأيّام الستّة، ووقعت الكارثة التي لا تزالُ آثارها بادية حتّى اليوم. لم تُحلّ الإشكاليّات التي طرحتها رواية "ستة أيام"، فما كان تمسّكـًا بدائيًا بالتقاليدِ؛ صار تطرّفـًا صريحـًا وارتدادًا سلفيـًا إلى أقتَمِ موروثاتنا، وما كانَ نزوعـًا إلى التحديث، صارَ نزوعـًا إلى التّطبيع ونُكرانـًا صريحـًا للذاتِ العربيّة والثقافة العربية جملة وتفصيلاً. وأمّا سهيل، فأظنّه لم يبقَ في سجنهِ طويلاً، فقد خرَجَ منهُ على هيئةِ غيره، فكان "مصطفى سعيد"، وكان "وليد مسعود"، وكان غيرهم في الأدب العربيّ، المغتربينَ عن أنفسهم، العالقين في أمكنتهم.


اقرأ/ي أيضًا:

كيف أصبحت أيامنا بعد حزيران كلها حزيران

في مديح اليأس.. إنساني مفرط في إنسانيته

أسئلة المستعمِر.. وبلاغة إجابات المستعمَر