23-أغسطس-2023
غزة انتحار

أحدثت واقعة إنهاء الشاب محمد النجار حياته في خانيونس، حالة من الحزن والصدمة على نطاق واسع في قطاع غزة المحاصر، وفتحت رسالته قبل الانتحار حول إصابته بالاكتئاب ثماني سنوات أبواب التساؤل حول آثار الحصار والحروب الإسرائيلية على المحاصرين في قطاع غزة، وجودة العلاج النفسي في القطاع في ظل الظروف الاستثنائية هنا.

17 حالة وفاة نتيجة الانتحار في 2023، و18 حالة في 2022، و19 حالة في 2021، و39 حالة 2010، وقبل ذلك في 2019 سجلت 11 حالة

وبحسب توثيق لمركز الميزان لحقوق الإنسان، فقد سُجلت في قطاع غزة 17 وفاة بسبب الانتحار في عام 2023، بينهم امرأة واحدة، بينما لا تتوفر أرقام حول عدد محاولات الانتحار التي لم تؤدي للموت في العام الحالي.

وأوضح مسؤول وحدة الرصد والبحث الميداني في المركز يامن المدهون، أنه في العام 2022 سجلت 18 حالة موت بسبب الانتحار في قطاع غزة، بينهم ثلاث نساء، فيما تم تسجيل 19 حالة عام 2021 جميعهم من الذكور، بينما كان عام 2020 الأعلى في عدد حالات الموت بسبب الانتحار بين السنوات الخمسة الماضية، حيث سُجلت 39 حالة بينهم سبع إناث، وقبل ذلك، في العام 2019، سجلت 11 حالة موت بسبب الانتحار، بينهم امرأتان.

مدير عام الصحة النفسية بوزارة الصحة في قطاع غزة جميل سليمان، أوضح لـ الترا فلسطين، أن قطاع غزة يشهد "نقلة نوعية" في تقديم الخدمات على صعيد الصحة النفسية سواءً في عيادة الطوارئ وما بعدها، "لكن ليس هذا التقدم المنشود (..) نحتاج إلى معدل 5 سنوات لتقديم صحة نفسية نموذجية في قطاع غزة. ونحن نتفوق على بعض الدول المحيطة في تقديم الصحة النفسية وطريقة إدارة الملف".

وأفاد جميل سليمان أنه من المقرر افتتاح مستشفى متكامل لعلاج الأمراض النفسية على شاطئ البحر في مدينة غزة مطلع العام القادم، بتكلفة بلغت 7 مليون دولار، وهذا المستشفى الآن في مراحله الأخيرة، وسيتمكن من استيعاب 160 مريضًا، وهو ضعف العدد المتوفر حاليًا من الأسرة في المستشفى الوحيد في قطاع غزة. واستدرك بأن تطوير الكادر هو الأساس في تحسين الجودة المقدمة للمرضى.

وأشار إلى وجود ستة مراكز لتقديم الصحة النفسية موزعة على خمس محافظات، إضافة إلى ثماني وحدات صحة نفسية في المستشفيات، وكذلك يوجد عضو ممثل عن الصحة النفسية والمجتمعية في مراكز الرعاية الأولية.

من جانبه، ياسر أبو جامع، مدير عام برنامج غزة للصحة النفسية (برنامج غير حكومي) قال إن الموارد المتاحة داخل قطاع غزة للتعامل مع المرضى النفسيين "بسيطة جدًا وغير كافية على الرغم من وجود أطباء مميزين"، خاصة أن قطاع غزة لا يوجد به حاليًا سوى مستشفى واحد للأمراض النفسية.

ياسر أبو جامع:  الموارد المتاحة داخل قطاع غزة للتعامل مع المرضى النفسيين "بسيطة جدًا وغير كافية"، فعدد الأخصائيين النفسيين العاملين في المستشفيات وبرنامج غزة للصحة النفسية لا يتجاوز 200 أخصائي فقط، في المقابل يوجد 3 آلاف أخصائي عاطلين عن العمل

وأفاد ياسر أبو جامع لـ الترا فلسطين، أن عدد الأخصائيين النفسيين الذين يعملون في مستشفيات قطاع غزة وبرنامج غزة للصحة النفسية لا يتجاوز 200 أخصائي فقط، في المقابل يوجد 3 آلاف أخصائي عاطلين عن العمل. واستدرك، أن المشكلة ليست في العدد القليل من الإخصائيين فقط، بقدر تزايد الحاجة إلى تدخلات نفسية لدى سكان القطاع الذين يتعرضون للحصار والصدمات النّفسية بشكل شبه سنوي.

وأضاف أبو جامع، أن الأدوية النفسية لا تتوفر دائمًا في صيدليات وزارة الصحة بسبب ضعف الموارد المتاحة، محذرًا من أن ذلك يشكل خطرًا على حياة الأشخاص الذين يعانون من أمراض نفسية. وطالب، وزارة الصحة بالتعامل مع هذه الأدوية كما يتم التعامل مع أدوية العناية المركزة، لأن من شأنها إنقاذ حياة المرضى.

ووصف أبو جامع مشروع بناء مستشفى متكامل خاص لذوي الأمراض النفسية في غزة بأنه "بارقة أمل"، معربًا عن أمله في أن يشكل المستشفى الجديد إضافة نوعية للعاملين في المجال، ويقلل بشكل أو آخر من حالات الانتحار.

ويؤكد جميل سليمان وياسر أبو جامع أن معدلات الانتحار التي يشهدها قطاع غزة سنويًا لا يمكن وصفها "بالظاهرة"، بل إن القطاع يقع في "ذيل القائمة" من حيث أعداد الأشخاص الذين يقدمون على الانتحار.

 وقال جميل سليمان، إن عدد محاولات الانتحار التي تم توثيقها لدى وزارة الصحة ووزارة الداخلية خلال الأعوام الماضية تتراوح ما بين 500 لـ 600 حالة سنويًا، أما عدد الحالات التي يتوفى أصحابها نتيجة ذلك فيتراوح في الغالب بين 10 حالات إلى 20 حالة أغلبهم من الذكور، وهو عدد غير كبير.

وأضاف سليمان، أنه لا يوجد إحصائية دقيقة لعدد حالات الانتحار خلال عام 2023، مبينًا أن محاولات الانتحار في هذا العام بين النساء أعلى منها بين الرجال، لكن عدد الوفيات منهن قليل جدًا. ويؤكد أن عدد حالات الموت بسبب الانتحار في قطاع غزة قياسًا لعدد السكان (أكثر من مليوني شخص) يجعل نسبة الموت بسبب الانتحار في قطاع غزة من الأقل حول العالم.

وتابع: "المجتمع الفلسطيني يتعامل مع هذه الأعداد القليلة على أنها ظاهرة بسبب أنه مجتمع متدين ومحافظ، وأن هذا السلوك مستحدث على المجتمع الفلسطيني ولم نكن نسمع بمثل هذه الحالات قبل العام 2006".

وأظهر بحث الترا فلسطين، استنادًا إلى تقارير رسمية في دول الجوار، أن نسبة الموت بسبب الانتحار قياسًا إلى عدد السكان في قطاع غزة أدنى منها في مصر والأردن ولبنان، بينما لا تتوفر معطيات رسمية حول عموم حالات الانتحار في عموم سوريا، بسبب وجود مناطق خارج سيطرة النظام ومناطق أخرى تحت سيطرته. وتُعتبر مصر الدولة الأولى عربيًا من حيث عدد حالات الانتحار.

نسبة الموت بسبب الانتحار قياسًا إلى عدد السكان في قطاع غزة أدنى منها في مصر والأردن ولبنان، بينما لا تتوفر معطيات رسمية حول عموم حالات الانتحار في عموم سوريا

وأوضح جميل سليمان، أن 69% من أسباب التفكير في الانتحار هي أسباب اجتماعية وليست اقتصادية. بينما يشير ياسر أبو جامع إلى دراسة أجرتها جهة رسمية قبل سنوات، أظهرت أن نسبة 70 إلى 75% من أسباب الانتحار هي اجتماعية واقتصادية، بينما نسبة الإقدام على الانتحار بسبب الأمراض النفسية أقل من 15% من الحالات.

وأضاف أبو جامع، أن المرض النفسي هو السبب الأقل تأثيرًا ودافعًا لمحاولة الانتحار في غزة عكس باقي دول العالم، "وهذا يعطينا دلالة على أن طبيعة الحياة المعيشة والسياسية التي يعيشها السكان هي الضاغط الأكبر المؤدي لمحاولة الانتحار".

ويشرح جميل سليمان آلية تعامل وزارة الصحة مع الأشخاص الذي يحاولون الانتحار، مبينًا أنهم يخضعون للرعاية الصحية الأولية لهم، وبعد ذلك يتم تحويلهم إلى الصحة النفسية لإكمال المتابعة وفق البروتوكولات العالمية، حيث يقرر طبيب نفسي إن كان الشخص بحاجة إلى دخول المستشفى أو الاكتفاء بمتابعة مراكز الصحة النفسية.

لكن في المقابل، يؤكد ياسر أبو جامع أنّ من المفترض أن يتم حجز أي شخص حاول الانتحار من أجل منعه من تكرار المحاولة، والتعامل معه بشكل طبي حتى انتهاء مرحلة الاستشفاء، "غير أن الإمكانيات المادية المتاحة وعدد الإخصائيين العاملين في هذا المجال غير كافية للقيام بذلك" وفقًا له.

ودعا أبو جامع إلى أخذ أي حديث عن محاولة الانتحار بجدية كاملة، وتحويل الحالة إلى مستشفى الأمراض النفسية لتلقي العلاج، لكن ما يحدث هو أن الأهل في كثير من الأحيان لا يتوجهون إلى المستشفى أو يغادرونه في وقت قصير.

وأعرب أبو جامع عن أسفه من أن الوصمة بالمرض النفسي مازالت موجودة في المجتمع الفلسطيني، الأمر الذي يؤخر زيارة المريض للمستشفى، ويعرضه بالتالي لانتكاسة ويُعمق المرض لديه.