أسعار العملات
الدولار الأمريكي
سعر الشراء 3.46
سعر الصرف 3.49
الدينار الأردني
سعر الشراء 4.88
سعر الصرف 4.93
اليـــــــــــــــــورو
سعر الشراء 4.10
سعر الصرف 4.13
غزة: القضاء العشائري رديفًا للمحاكم.. هل نجح؟

غزة: القضاء العشائري رديفًا للمحاكم.. هل نجح؟

146 مشاهدة

استطاع محمد علي (اسم مستعار) أن يرى النور بعد قضاء عامين في السجن، على خلفيّة قتله سيّدة من أبناء حيّه عن طريق الخطأ، خلال نزاع عائلي وقع في منطقة الشجاعية شرق مدينة غزة قبل نحو 10 سنوات.

ويُعدّ الإفراج عن متهم بالقتل بعد قضاء محكومية لمدة عامين، أمرًا مثيرًا للدهشة، خاصّة أنّ جريمة القتل في القانون الفلسطيني تستوجب عقوبة الإعدام في حدّها الأقصى، غير أنّ رجال العشائر استطاعوا إسقاط الحق الخاص وانتزعوا العفو من قبل ذوي القتيلة "طوعًا"، وبالتالي فإنّ العقوبة التي حصل عليها محمد علي (السجن عامين كاملين) ما هي إلا عقوبة الحق العام المتعلق باستخدام سلاح بطريقة مخالفة.

رجال العشائر في غزة نجحوا في حسم قضايا تتعلق بالدم، وأخرى بخلافات أسرية، فيما ظلّت قضايا مشابهة عالقة في المحاكم لسنوات

وهذه ليست القضية الأولى التي استطاع فيها العرف العشائري في قطاع غزة تتويج حلول وديّة بين الخصوم، إذ سبقها مئات أو آلاف القضايا؛ تمت بعيدًا عن أروقة القضاء، بما قد يعجز عن تحقيقه أكثر المحامين حنكةً وذكاءً.

اقرأ/ي أيضًا: الصحفيون: يا ليت لنا مثل ما أوتي المحامون

وفي الوقت الذي تمارس فيه السلطتان التنفيذية والقضائية مهامهما في تطبيق القانون والفصل بين الناس- بموجب القانون الأساسي الذي جرى وضعه عقب تشكيل السلطة الفلسطينية 1993- يعمل رجال العشائر والوجهاء على تقريب وجهات النظر، في مجمل القضايا، (أقصاها قضايا الدم، وأدناها الخلافات الأسرية).

ومن الناحية العرفية، فإن صفة "وضع الوجه" على أي خلاف ينشب بين اثنين، بمثابة قرار حاسم لوقف النزاع الفوري، وقد يبدو ذلك أكثر إلزامًا للطرفين من التدخل الشُّرَطي.

أيمن البطنيجي، المتحدث باسم جهاز الشرطة في قطاع غزة، اعتبر أن رجال العشائر ركيزة أساسية من ركائز حل النزاعات العائلية داخل المجتمع، مؤكدًا حرص جهاز الشرطة على التنسيق الكامل معهم لحل القضايا موضع الخلاف بمختلف أشكالها.

وأوضح البطنيجي، أنّ رجال الإصلاح يتمتعون بموجب حصولهم على بطاقة خاصة، على صلاحيات تمكنهم من دخول مراكز الشرطة للمشاركة في حلّ أي خلاف أو نزاع.

رجال العشائر في غزة يملكون بطاقات خاصة تمنحهم صلاحيات تمكنهم من دخول مراكز الشرطة للمشاركة في حل أي خلاف أو نزاع نشب بين خصمين

وقال: "وزارة الداخلية تقيم دائرة خاصة بشؤون العشائر، وذلك إدراكًا منها لأهمية دور رجال الإصلاح، في إصلاح ذات البين خاصة في قضايا القتل والمشاجرات العنيفة"، مشيرًا إلى فاعلية دور شؤون العشائر في التخفيف من القضايا عن كاهل المحاكم والنيابة العامة والمقرات الشرطية.

اقرأ/ي أيضًا: في غزة.. محامون يزوجون قاصرات بعيدا عن المحاكم

ومنحت السيدة نجاح عبد الله (اسم مستعار) المقيمة في مدينة غزة، رجال الإصلاح فرصة للتوسط بينها وبين طليقها الذي يتلكأ في دفع مؤخر الصداق، قبل اللجوء إلى القانون.

وقالت "نجاح"، إن رجال الإصلاح استطاعوا خلال نحو ستة أشهر من حصولها على ورقة الطلاق، إجبار طليقها على دفع المؤخر، مبينةً أنه جرى كذلك التوسط لغاية منحه الفرصة لرؤية طفلته ذات العامين، مرة واحدة كل أسبوع.

ولا يعد مبالغة القول إن نحو 90% من القضايا الخلافية التي وصلت المحاكم النظامية للبت فيها بين الناس في قطاع غزة، كانت قد أشبعت تداولًا في مجالس العشائر حتى تعذر التوصل إلى اتفاق يغلق الملف موضع الاختلاف، ولجأ أحد طرفيها أو كلاهما إلى القضاء.

ويقول الحاج عبد العزيز الكُجك رئيس المجلس الأعلى للإصلاح في قطاع غزة، إن معظم القضايا التي عرضت عليهم للبت فيها كان قد حصل طرفاها على حل مرضي لكليهما، في إشارة إلى "إنصاف الطرفين". 

وأوضح الكجك، أن جهاز الشرطة "يستأنس بمواقفهم" كرجال إصلاح في حل القضايا الخلافية، خاصة في القضايا الحساسة كالخلافات الزوجية، أو القضايا الأخلاقية وغيرها، مؤكدًا أن "المجتمع الفلسطيني يمتاز بالترابط الأسري، وهذا ما يساعد رجال الإصلاح في فض الخلافات مهما كان شأنها".

وتعتبر العادات أحد مصادر العرف في المجتمع الفلسطيني، وهي عبارة عن أعمال سابقة استحسنت من قبل الأفراد، وتكون لديهم قناعة بضرورة احترامها، لأنها مصلحة بالنسبة لهم، فتوارثها الأفراد جيلًا بعد جيل، وأصبحت عرفًا للجماعة، وفق ما قاله محمود ثابت الباحث الفلسطيني في شؤون القبائل.

ويفصّل ثابت في كتاب "القضاء العشائري عند قبائل بئر السبع"، أن العادات نوعان، أولها عادات عشائرية عامة تعالج الجرائم الرئيسة، مثل الاعتداء على العرض أو القتل أو تقطيع الوجه وحرمة البيت، ويختلف ترتيب هذه الجرائم من حيث أهميتها من قبيلة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى.

عادات القضاء العشائري نوعان: أولها عشائرية عامة تعالج الجرائم المتعلقة بالأعراض والدم، وأخرى عشائرية خاصة محصورة بالقبيلة نفسها

أمّا النوع الثاني، فهي عادات عشائرية خاصة، وهي العادات المحصورة بالقبيلة نفسها، إذ أن لكل قبيلة أو مجموعة عشائر عادات خاصة بها تتناسب ووضعها ومفاهيمها، قد تتفق هذه العادات مع عادات قبائل أخرى أو تختلف معها. وبالتالي فإن العادات هي قواعد لتشريع القوانين، وقد تختلف أحيانًا مع "الشريعة الإسلامية كما هو في موضوع توريث النساء والبنات وهذه العادة من عادات الجاهلية" حسبما قال ثابت.

ويشير ثابت إلى أن القضاء العشائري يأخذ السابقة القبلية، وهي حكم قضائي سابق يبني عليه حكم قضائي لاحق، أي تتخذ السابقة قاعدة للانطلاق والقياس ويستأنس بها في الحكم في قضية مشابهة.

وتستخدم السابقة القبلية لتخفيف حدة التوتر لدى الخصوم، عملاً بالمبدأ العرفي "نحن تبع ولسنا بنبع"، أي أن على الخصم أن يسير على ما سار عليه آباؤه وأجداده، وهي عبارة تستخدم كثيرًا للحد من تصلب وانفعال أحد الخصوم، كما قال.

تجدر الإشارة، إلى أن قضايا الاقتتال الداخلي التي راح ضحيتها العشرات خلال حزيران/ يوليو2007 أوكل حلها إلى لجنة المصالحة المجتمعية التي يرعاها من الناحية النظرية قيادات فصائل العمل الوطني، فيما ينظم عملها على الأرض رجالات العشائر، وقد استطاعت طيّ كثير من قضايا القتل إلى الآن، ومنحت الديّات لذوي الضحايا.


اقرأ/ي أيضًا: 

نساء معلقات على حبال ظلم المجتمع والقانون!

غزة: زواج نكاية بالأمهات والطليقات.. من يدفع الثمن؟

لا تنتظر أن يطرقوا جدران الخزان.. افتحه