15-مايو-2020

 حيفا المدينة التي أحب، والتي لطالما ربطتني بها علاقةٌ عجيبةٌ لا أستطيع تفسيرها، رغم أني لم أزرها إلا عدة مرات سريعة، وكان من حسن حظي أن أقمت فيها بضعة أيام خلال العام الماضي. ترددت كثيرًا في كتابة هذه الكلمات، لربما من وقع الصدمة التي عشتها وصادفت أيضًا وقت مكوثي في حيفا المحتلة، أو لأني حاولت لملمة الذكريات سابقًا وسردها في قصص وقوالب مختلفة؛ أدبية وصحفية.

أول مرة زرت فيها بيت جدي وجدتي في حيفا كانت سريعة، لكنها تركت أثرًا عظيمًا في نفسي، وصارت حيفا تعني لي كما لم تعنِ لي مدينة من قبل

 كلما فكرت بقصص عائلتنا والذكريات التي عملت جاهدة على الوصول إليها يعتصرني الألم، وتراودني صاعقة حب مخلوط بالأسى؛ هو الشعور ذاته الذي يراودني عندما أزور هذه المدينة الجبلية المعانقة للبحر. قد يكون السبب عدم قدرتي على سماع قصص حيفا من جدي وجدتي اللذان فارقا الحياة قبل أن يتسنى لي التعرف عليهما وسماع قصصهما.

اقرأ/ي أيضًا: حيفا المخيّم

 فكرت كثيرًا و تساءلت: من أنا لأقول لكم ما أقول لكم؟ ولم يكن جدي حيفاويًا، بل شاءت الأقدار أن عاش هناك وولد والدي هناك قبالة الشاطئ، وتأمله ممسكًا منظاره بيديه الصغيرتين. وشاءت الأقدار أيضًا أن لا يترك جدي المدينة إبان النكبة، وهو ليس بحيفاوي، لكنه  لم يكن أيضًا اللاجئ، فلم نرث نحن الأحفاد عنه اللجوء المتأخر الذي خاضه تاركًا حضن البحر عام 1956. هي قصة جدي وجدتي ولجوء عائلتي المتأخر التي لم أشفَ منها رغم محاولات التوثيق العديدة.

أول مرة زرت فيها بيت جدي وجدتي في حيفا كانت سريعة، لكنها تركت أثرًا عظيمًا في نفسي، وصارت حيفا تعني لي كما لم تعنِ لي مدينة من قبل. الآن مر عام على إقامتي هناك بضعة أيام تأملت فيها كثيرًا وتعلقت بها أيضًا. أذكر حينها أنني فوجئت بسؤالٍ من صديق عزيز حول مدينتي المفضلة أو مكاني المفضل في فلسطين، وكان صديقي قد أجاب وقتها أن  حيفا هي مدينته المفضلة، فلم أشأ أن أكرر الإجابة ولم أدرِ فعلاً ما هو مكاني المفضل في فلسطين. لكنني الآن وبعد مرور كل هذا الوقت أيقنت أن هذه المدينة لها مكانة مميزة في قلبي.

أذكر أنني تجولت وحدي في شوارع حيفا وتركت الأصدقاء في محاولة للبحث عن البيت الذي سكنته عائلة أبي وقد تنشق والدي أول أنفاسه فيه. نزلت الشارع بعد أن عرفت أن هذا الطريق يؤدي إلى وادي النسناس؛ الحي الذي سمعت عنه كثيرًا ولم أزره، وهو الحي العربي الفلسطيني في حيفا.

انحدرت قليلاً وبعد لحظات نسيت البيت ورحت أتأمل الدكاكين ومحلات العطارة وشممت رائحة القهوة، وخطر لي أن أشتري بعض البن لآخذه هديةً لأمي وأبي. أخذت أتأمل الشوارع والأدراج، وبدا لي وقتها أن كل درج هو درج الغزال حيث الطريق المؤدي لبيت جدي وجدتي. الأدراج في حيفا لها سحر خاص، ولها أثر مميز لمن يتأملها. في الحي لمحت محل الحلويات لكن رجلاي أخذتاني إلى آخر الطريق حتى وصلت دوار اميل حبيبي، وقتها أصبحت فعلاً متشائلة وتوقفت عن البحث عن البيت وصرت أبحث عن نفسي وأحاول فكفكة غربتي مع نفسي. توقفت هناك أتأمل البحر الذي كانت قد غطت المقبرة شيئًا من مشهده. وأردت أن استمر في المشي حتى نهاية الشارع، لكن رائحة محل الحلويات عبقت في أنفي لتجرني عائدة إلى هناك.

الأدراج في حيفا لها سحر خاص، ولها أثر مميز لمن يتأملها

وقفت عند ممر المشاة لأقطع الشارع، وظننت أن السيارات لن تتوقف بسرعة، لكني دهشت عندما توقفت سيارة ورأيت بداخلها امرأة. وما إن عبرت إلى الجانب الآخر حتى فكرت إن كانت هي التي استوطنت في بيتٍ قرب درج الغزال بعد النكبة حيث سكن جداي؟

اقرأ/ي أيضًا: موعد أول مع حيفا

تملكني شعورٌ بالغربة وعدتُّ إلى محل الحلويات الذي عرفت أن ملكيته تعود إلى فلسطينيين. صار البحر خلفي بعد أن توجهت إلى شارع ضيق على يمين الشارع الرئيسي، ودخلت وسررت جدًا بعد أن ألقيت السلام بالعربية على صاحب المحل وجلست هناك أهرب من غربتي. لم تمضِ إلا عدة لحظات حتى دخلت غريبةٌ أخرى، تكلمت بالعبرية واشترت بعض البقلاوة وشكرت صاحب المحل قبل أن تمضي. أما أنا فقد غرقت في غربتي مجددًا.

خلال الأيام المعدودة التي قضيتها في حيفا لم أتعرف على غربتي فحسب، بل تعرفت على غربة أصدقائي في الداخل المحتل. وكنت قد أقمت في شارع الجبل في بناية قديمة لا مصعد لها، لكن سطحها أطل على أجمل مشهد للبحر. ومن جلّ التناقض أن الاستعمار قد غيّر اسم هذا الشارع ليصبح شارع "الصهاينة". غربةٌ أخرى يحاول فيها الأصدقاء احتضان التاريخ واللغة وحفظهما.

ومما ترك أثرًا في نفسي وقلبي وقتها، تواجدي مع صديق عزيز يعيش في غربةٍ أخرى، وهو فلسطيني عاش خارج فلسطين وله قصة أو ورثة لجوء أخرى ومن نوع آخر. كأن غربتينا قد التقيتا لنتحاور معًا ونمشي نستكشف المدينة ونحلل الوجوه ونقرأ ما وراء الجدران، ونقف على أطلال وادي الصليب نلملم البلاد المشرذمة ونشد أوصال الوطن -الداخل والشتات- إن صح التعبير.

وقفنا هناك، عند رأس الدرج وتأملنا البيوت التي هجر أهلها منها قسرًا تنادي ساكنيها. وعلى الجانب الآخر كان هناك بيت قديم قبالة المسجد حوّل إلى مقهى يرتاده الغرباء!

ها قد رويت قصتي أو أجزاء منها في استذكار العودة المتكررة، وهي عودةٌ من نوع آخر. أروي كلماتي هذه وأنا على يقين أنني محظوظة جدًا بقدرتي على زيارة المدينة، حيفا التي أحب.


اقرأ/ي أيضًا: 

صور | "أيام البلاد".. خير الزاد لعام وأكثر

نيويورك العصر البرونزي.. مدينة عمرها 5 آلاف سنة قرب حيفا

دلالات: