أسعار العملات
الدولار الأمريكي
سعر الشراء 3.22
سعر الصرف 3.22
الدينار الأردني
سعر الشراء 4.53
سعر الصرف 4.55
اليـــــــــــــــــورو
سعر الشراء 3.78
سعر الصرف 3.78
كانون النار مؤنسًا لجلسات السمر في المخيم

كانون النار مؤنسًا لجلسات السمر في المخيم

2726 مشاهدة
عائلة تجتمع حول كانون النار في مخيم الشاطئ - Getty

يظن العابر لمخيم الشاطئ للاجئين غرب غزة، أن البيوت هنا يجمعها سقفٌ واحدٌ وجدارٌ ممتدٌ بأبوابٍ عدة، وفي فصل الشتاء، يبدو اعتياديًا منظر برك الماء عند الأبواب، فيما يكاد صوت الرعد يعصف بجدران المنازل المتهالكة. أما أزقة المخيم فلا تخلو من كوانين يأكل فيها الحطب بعضه، إذ يُستخدم الحطب للتدفئة والإنارة أيضًا، في ظل أزمة الكهرباء التي أغرقت قطاع غزة المحاصر في الظلام الدامس.

سكان قطاع غزة يلجؤون في فصل الشتاء إلى الطرق التقليدية القديمة لتدفئة منازلهم نظراً لانقطاع التيار الكهربائي وانعدام التدفئة الكهربائية. كوانين النار أبرز هذه الطرق، تحديدًا في المخيمات التي يتسلل البرد إلى بيوت سكانها عبر تشققات الجدران المهترئة.

سكان قطاع غزة يلجؤون في فصل الشتاء لوسائل قديمةٍ لتدفئة منازلهم نظراً لانقطاع التيار الكهربائي

الثمانينية "أم عوني" من مخيم الشاطئ تقول إن موقد النار موروثٌ فلسطينيٌ قديم، "كان زوجي رحمه الله يُشعل النار في الكانون من ساعات الصباح الأولى لأنه قديمًا كنّا نستخدمه ليس للتدفئة فحسب، بل لطهي الطعام، وتسخين الماء للاستحمام".

اقرأ/ي أيضًا: طلاب أجانب في غزة: هنا ما يستحق الحياة!

واعتادت "أم عوني" الجلوس، مساء كل يومٍ، مع أبنائها وأحفادها حول كانون النار في صالون بيتهم، لتروي لهم حكايات أيام البلاد، فالنار "تسلي كثيرًا وتحسن العلاقات العائلية"، حسب ما قالت لنا وهي تناظر أحفادها الجالسين حولها.

ويُعد مخيم الشاطئ من أكبر مخيمات اللاجئين في قطاع غزة، ورغم أن مساحته كيلو متر مربع، على شاطئ البحر المتوسط غربي القطاع، إلا أن أكثر من 82 ألف فلسطيني يعيشون فيه، غالبيتهم قدموا منذ عام 1948 من قرى الجورة، وبرير، وحمامة، وهربيا، والسوافير، والفالوجة، بالإضافة إلى مدن المجدل ويافا.

في غرفةٍ خارجية تُسمى "حواصل البيت"، يجلس عبد الناصر عبد الباري (56 عامًا) مع أصدقائه حول كانون النار، يتسامرون ويرتشفون القهوة المُعدّة على كانون النار. حين وصلتهم كان التيار الكهربائي مقطوعًا على المخيم منذ ساعاتٍ مبكرة، والطقس باردًا نسبيًا، مما أثار ضجر الجالسين من هذه الأحوال.

يقول عبد الناصر: "كل ليلةٍ يأتي أصدقائي وجيراني إلى هذا المكان هاربين من ضغوطات الحياة وضيقها، فالجلوس حول النار يُسلى وهي عادة أهل المخيم منذ سنوات طويلة".

عبد الناصر يعمل في مهنة بيع الحطب منذ 40 عامًا، حيث يقطع الأشجار ليجري تجفيفها ثم بيعها للناس على اختلاف احتياجاتهم، فمنهم من يشتريها للتدفئة ومنهم من يحتاجها لقوارب الصيد، هذا إضافةً لاستخدامها في صناعاتٍ مختلفة.

ويبين، أنه يبدأ قبل ثلاثة شهورٍ من فصل الشتاء بقص الحطب وتجفيفه وتقطيعه حسب احتياجات الشاري، مضيفًا، أن الإقبال على شراء الحطب جيدٌ طوال العام، لكنه يصبح أكبر في فصل الشتاء، وخاصةً عند دخول المنخفضات الجوية، إذ يبيع في هذا الفصل وحده 70 طنًا من الخشب.

ويشير عبد الناصر إلى أن أشجار الحمضيات والزيتون هي الأفضل لإشعال النار، إذ لا يتصاعد الدخان منه عند اشتعاله، وتنبعث منه رائحةٌ أفضل من الغازات السامة المنبعثة من الفحم الصناعي.

ليس بعيدًا عن بيت "أبو علاء"، كان عددٌ من صِبية المخيم يجلسون حول كانون نارٍ صغيرٍ وأيديهم ممتدةٌ نحو النار لتدفئة أجسادهم الباردة، فيما قطرات المطر تتدحرج من أسطح ألواح الصفيح على رؤوسهم، وصوت ضحِكاتهم يعلو بين الفينة والأخرى، مشهدٌ يرسم ابتسامةً وادعةً على ملامح العابرين.

تقدمت نحوهم، سألت: من أشعل النار لكم؟ أجابني أحدهم بأنه يشعلها كل يوم. عرف عن نفسه بأنه محمد البوجي (10 أعوام)، ثم ضحك خجلًا.

يجتمع محمد ورفاقه كل ليلةٍ كما هي عادة باقي أهالي المخيم، يجمعون عصرًا الكراتين الورقية والأخشاب الملقاة في الشارع، ثم يُضرمون النار بها مساءً، ويتبادلون أطراف الحديث. يوضح محمد، بأنهم يتناقلون قصص جحا، والنكات. وتابع مبتسمًا، "نشوي بصل وبطاطا وخبز مقرمش، أصلاً أحلى اشي بالشتاء هي النار".

ويعاني مخيم الشاطئ من مشاكلٍ كبيرةٍ في مختلف مناحي الحياة. فالمياه شديدة الملوحة ولا تصلح للشرب، ورغم ذلك فإنها تصل المنازل بشكل متقطعٍ وقد تُقْطَع لمدة أسبوع أحياناً. يضاف لذلك، انعدام البنية التحتية، وقرب البيوت بعضها من بعض، واكتظاظ السكان. وأقصى ما يُمكن أن يفعله أطفال المخيم هو اللعب في الشوارع الضيقة، وإشعال الحطب في كوانين النار والتجمع حولها.

تستخدم كوانين النار في قطاع غزة للتدفئة والطهي والإنارة أيضًا، بسبب أزمة الكهرباء والغاز في القطاع المحاصر منذ 10 سنوات

"كانون النار مصدر تسليةٍ لو كنت وحيدًا، فكيف لو تشاركت ذلك مع العائلة؟". هكذا بدأت السبعينية "أم ممدوح" حديثها، وهي التي تجتمع مع صديقاتها كل مساءٍ عند باب منزلها، تضرمن النار بما تملكن من خشبٍ و"كراتين" ورقية، ويتسامرن حتى عودة التيار الكهربائي.

ولا بد للمارين في شوارع المخيم ليلاً أن يشتموا رائحة الشواء أو الطهي، تقول "أم ممدوح"، إن النار تستخدم كبديلٍ عن الغاز الذي ينقطع كثيرًا، إذ يشوي الأهالي الطماطم والبطاطا والبصل والكستنة، ويعدون الشاي أيضًا.

ورغم أن النار أصبحت رفيق لياليهم، واعتاد صغارهم وكبارهم إشعالها، إلا أن أهل المخيم لا ينفون تخوفهم الدائم من خطأ قد يكون بسيطًا، لكنه سيشعل، ربما، حريقًا يطال الحارة التي تلتصق منازلها ببعضها مثل علب الكبريت، ليتحول السمر الدافئ إلى جحيم.

اقرأ/ي أيضًا: 

في غزة.. أن تُصاب بمرضٍ نفسي فإنها لعنة

جامعات قطاع غزة: تعليم أم تجارة؟

غزة.. و"بديهيات الحب" في "حارة العبيد"